• وزير فرنسي أعلن تخصيص 7 ملايين أورو للتكفل بقدماء المحاربين
author-picture

icon-writer نوارة باشوش/ لطيفة بلحاج

مباشرة بعد إعلان الوزير الفرنسي لقدماء المحاربين هوباز فالكو أن باريس بصدد إنشاء مؤسسة تهتم بذاكرة الثورة الجزائرية ورصد لها مايناهز 7 ملايين أورو بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي"للحركى" وجد بعض الجزائريين للأسف الشديد في هذه المناسبة فرصة من ذهب، حيث تحرك الكثير منهم في البحث عن كل الأدلة والوثائق والشهادات الإعتراف التي قدمها أباءهم وأجدادهم لفرنسا أثناء تواجدها الاستعماري في الجزائر، لدرجة أن البعض منهم لجأ إلى المجاهدين للحصول على إمضاءاتهم على شهادات تثبت مافعله أباءهم وأجدادهم "الحركى" من تنكيل واغتصاب النساء ضد أبناء وبنات وطنهم، وهذا كله من أجل على الحصول على الجنسية أو المنحة الفرنسية.

  • هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم بل أنها عرفت تحركا، لكن بنوع من الإحتشام عندما تحرك "الجيل الثاني من الحركى" من أجل الضغط على السلطات الفرنسية وأخذ بعض الحقوق، حيث اعتبروا أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية، ومضطهدين، خائنين مثل الخونة الفرنسيين الذين تعاملوا مع ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، ليتخذ "الحركى" هذا التصريح مناسبة وفرصة من ذهب لممارسة مزيد من الضغط على السلطات الفرنسية، حيث قامت خمسون جمعية من "الحركى" المنتشرة عبر كامل التراب الفرنسي بجمع التوقيعات ووجهت تنسيقية قدماء المحاربين عريضة لوزير الدفاع الفرنسي، مؤكدة فيه أن"الحركى" وصل عددهم 900 ألف، وبهذا قام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بتكريم عدد كبير منهم وقلدهم "أوسمة الشرف" وعجل بالدعوة إلى إعلان يوم يحتفل به سنويا.
  • وانطلاقا من هذا بدأ الجيل الثالث، إن صح التعبير، وهم أبناء وأحفاد "الحركى" المتواجدون في الجزائر باستغلال الفرصة أمام تدني المستوى المعيشي والبطالة ومحاولة استعمال كل الطرق للحصول على إثباتات وأدلة تبين أن أباءهم وأجدادهم "حركى" سواء كانوا متواجدين حاليا في فرنسا أو تم  إعدامهم من قبل مناضلي جبهة التحرير الوطني خاصة.
  • وقد خصصت السلطات الفرنسية حسب ماصرح ممثل الحكومة الفرنسية، أكثر من 10 ملايير في سنة 2000 لتسوية الوضعية بصفة نهائية، لكن بعد ذلك صدر المرسوم 06 سبتمبر2001 رقم 960/34 الخاص بتحسين أوضاع قدامى المحاربين الجزائريين بعدما قام "قزابي دوفيلبان" بلفت انتباه كتابة الدولة الفرنسية المكلفة بقدماء المحاربين حول وضعية المحاربين الجزائريين الذين عملوا "لصالح العلم الفرنسي" من بينهم "الحركى" الذين خصصت لهم السلطات الفرنسية أكثر من 3.7 مليون أورو سنة 2005 قبل أن يعلن الوزير الفرنسي لقدماء المحاربين "هوبار فالكو" في 25 سبتمبر الفارط برصد مايناهز 7 ملايين أورو، كإجراء جديد في صالح الحركى يدخل في إطار اعتراف الأمة الفرنسية بهذا الفصيل.
  • وعليه فإن أبناء وأحفاد هؤلاء يفعلون كل مابوسعهم للحصول على الوثائق التي تثبت "خيانة الوطن" ووصل الأمر إلى حد شراء الإمضاءات مقابل مبالغ مالية تتراوح مابين10 و15 مليون سنتيم،  وهي الحالة التي وقفنا عليها شخصيا بولاية البويرة، حيث لجأ أحد الشباب المتهورين المدعو "عمر.ز" إلى أحد المجاهدين المعروفين بالمنطقة وطلب منه مساعدته لإثبات أن جده كان حركيا وأنه قتل من قبل مناضلي جبهة التحرير الوطني، وذلك بإمضاء وثيقة الإعتراف التي تطلبها تنسيقية قدماء المحاربين وجمعيات الحركى المتواجدة في فرنسا، والغريب في أمر هذا الشاب أنه عرض على المجاهد مبلغ مالي مقدر بـ 10 ملايين، لكن هذا الأخير رفض ذلك وهو الشيء الذي أدى إلى نشوب شجار عنيف بينهما، الأمر الذي دفع بالمجاهد إلى إيداع شكوى لدى مصالح الأمن.
  • 250 أورو للمحاربين من أجل العلم الفرنسي
  • المفاجأة التي وقفنا عليها خلال إجراء عملنا هذا، هو لجوء الكثير من الجزائريين إلى جمع كل الأدلة التي تثبت أن أباءهم وأجدادهم شاركوا مع الجيش الفرنسي في حروبه الشهيرة، خاصة هؤلاء الجنود الذين سقطوا في المعركة التي وقعت في منطقة "فيردان" الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى، لا سيما بعد صدور قرار 30 نوفمبر2001 والذي اتخذ لمصلحة قدماء المحاربين في الجيش ضد ألمانيا، وكذلك تعويض نسائهم وأولادهم، وقد خصصت السلطات الفرنسية أكثر من 20 مليارا لتسوية الوضعية، ويضاف إلى هذا المبلغ 3 ملايير كل سنة، وهذا حسب المادتين71 و26 مكرر من المرسوم 109 من قانون المالية2001 رقم 1352 الصادر في الجريدة الرسمية الفرنسية في 30 ديسمبر 2000 الذي حدد المبلغ الذي يمنح لقدامى المحاربين الجزائريين والذي يقدر بـ 348.59 فرنك فرنسي، أي ما يعادل 56.34 أورو.
  • وبعده جاء قانون رقم 1050/2002 الموافق لــ 16 أوت 2002 الخاص بتجديد منح قدماء المحاربين سواء الموجودين في فرنسا أو خارجها، حيث خصصت لهم 2.7 مليون لسنة 2003 لـ130.000 رعية لأكثر من 20 دولة، ومن بينها الجزائر، وأكثر من 3 ملايين أورو، خصصت لسنة 2004، حيث صرح حملاوي مكاشرة، كاتب الدولة لقدماء المحاربين،أن كل الذين حاربوا من أجل العلم الفرنسي"لمدة 90 يوما فقط، لهم الحق في منحة تقدربـ 250 أورو للشهر الواحد، كما أعلنت السلطات الفرنسية عن إمكانية حصول أبناء وأحفاده هؤلاء على الجنسية الفرنسية ومن هنا كان المنطلق.
  • الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقط بل بعض الجزائريين لجأوا للحصول وبأية طريقة على شهادات عملاء الإدارة الفرنسية أي أن هناك من هم ليسوا بالحركى ولا بالثوار، وإنما عملاء داخل الإدارة الفرنسية واعتبرتهم فرنسا عملاء من الدرجة الثانية بعد الحركى، وبما أن القانون الخاص بالمجاهدين نص على أن كل من توظف مع فرنسا ليس له حق في العضوية، فإن أبناء وأحفاد هؤلاء لم يستفيدوا من شيء في هذا المجال، وبهذا حاولوا بطريقة أو بأخرى الحصول على الجنسية أو المنحة وتمكنوا فعلا من جلب وثائق تثبت أن أبائهم وأجدادهم كانوا عملاء الإدارة الفرنسية، وخاصة في الفترة الممتدة مابين 1930 و1953 وفعلا نجحوا في تحقيق ذلك وتحصلوا على منحة أقلها 250 أورو أي مايعادل 2.5 مليون سنتيم، وأما عن كيفية الحصول على هذه الوثائق توجد طريقتان:إما أنها بحوزة أحد أفراد العميل أو الحصول عليها في المراكز الأرشيفية سواء الموجودة هنا في الجزائر بمركز الدراسات الإستراتيجية وفي فرنسا بالضبط بمركز أرشيف بـ "ميتز".
  • وثائق مختلفة لهدف واحد
  • من بين الوثائق التي تحصل عليها الجزائريون وتحصلت الشروق اليومي على نسخ منها مايلي:
  • ـ بطاقة محارب.
  • ـ  شهادات الإعتراف المسماة "شهادة المقاوم القديم" التي تسلم من القنصلية بالنسبة للذين قاموا بتسوية وضعيتهم بعد استقلال الجزائر.
  • ـ نسخة من الدفتر الفردي والذي كان يسلم من طرف كتابة الدولة الفرنسية لقدماء المحاربين والدفتر يكون مصحوبا بوضعية المجند.
  • ـ شهادة الاعتراف المسماة بـ"شهادة الحركيز".
  • ـ شهادة عامل بالإدارة الفرنسية في الفترة الممتدة مابين 1930 و1953.
  • ـ شهادة أداء الخدمة العسكرية بالنسبة للشباب الذين أجبروا على بعثهم من فرنسا إلى الجزائر في الفترة الممتدة من 1954 إلى1961.
  •  وحسب المعطيات المتوفرة عندنا فإن هذه الوثائق ترسل إلى تنسيقية قدماء المحاربين وجمعيات الحركى التي تقوم بترتيب ملفات هؤلاء وتقديمها للسلطات المعنية بالأمر للإ ستفادة من المنحة أو الجنسية حسب الطلب، وكما قامت هذه الجمعيات بفتح موقعا الكترونيا تقدم فيه كل المعلومات التي توّد الحصول عليها.
  • مؤرخون يحملون البرلمان مسؤولية عدم تجريم هؤلاء
  • انتقد رئيس جمعية 8 ماي 45 خير الدين بوخريصة بشدة عدم تحرك المجلس الشعبي الوطني لسن قانون يجرم الحركى ويمنع ذويهم من البحث عن مستحقاتهم لدى السلطات الفرنسية، قائلا بأن تحرك ما تبقى من أبناء الحركى داخل الوطن من أجل تجميع الوثائق التي تثت مشاركة أبائهم في التنكيل بالجزائريين وإخماد الثورة، من أجل الحصول على المنحة أو الجنسية الفرنسية، يعد دليلا على استمرار تواجد هؤلاء بيننا، وهو ما يلح على ضرورة استصدار نص قانوني يوقف كل تحركاتهم.
  • وتأسف المصدر ذاته لغياب مادة قانونية صريحة تجرم الحركى، قائلا بأن أبناء الحركى ليسوا مسؤولين عما اقترفه آباءه في حق الثورة، "غير أن مطالبتهم بالحصول على امتيازات من السلطات الفرنسية، هو اعتراف من قبلهم بما قام به آباءهم، وهو ما يدعو إلى تجريمهم هم أيضا".
  • موضحا بأن الجمعية التي يترأسها قدمت جملة من الاقتراحات، ودعت إلى سن قانون يجرم الاستعمار بسبب الجرائم التي ارتكبها في حق الإنسانية، ويضاف ذلك إلى سلسلة الدراسات التي أعدتها جمعية 8 ماي، التي أجمعت كلها على أن الحركى هم خونة وأعداء للثورة، وبأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال قبولهم بصفتهم مواطنين عاديين، وأن محاربة لا بد أن تكون أولا من قبل البرلمان بصفته يمثل الهيئة التشريعية.
  • ومن جهته اعتبر محمود القورصو أستاذ جامعي ومختص في تاريخ الثورة تحرك أبناء الحركى في الظرف الحالي لافتكاك امتيازات من السلطات الفرنسية، نظير "الخدمة" التي قدمها أباؤهم للاستعمار الفرنسي، بأنها خطوة إيجابية من شأنها أن تكشف عن جميع هؤلاء، "الذين أفصحوا عن انتمائهم ومواقفهم"، واصفا كل ردود الفعل التي تظهرها من حين إلى آخر بعض المؤسسات الرسمية، وكذا بعض الجمعيات، بأنها مجرد شطحات لا غير، ولن تجدي نفعا أبدا، "لأنه فات الأوان"، وكان حريا بتلك المؤسسات أن تتحرك في الوقت المناسب، أي قبل سن القانون الفرنسي الممجد للاستعمار.
  • قائلا بأنه قبل أربع سنوات صادق أعضاء الجمعية الفرنسية على المادة القانونية الممجدة للاستعمار، وحينما جاء شراك في زيارة تاريخية للجزائر التقى بالحركى والأقدام السوداء، حينما نزل بقسنطينة، في حين أن رئيس الحكومة الفرنسي الحالي "فرانسوا فيون"، أعلن فور فوز ساركوزي في الانتخابات الرئاسية سنة 2007، بأنه سوف يتم تنصيب مؤسسة لتمجيد الحركة وكل من حارب إلى جانب فرنسا ضد الثورة، "فلماذا إذا نتحرك اليوم فقط، وسكتنا طيلة تلك الفترة".
  • وأضاف محمد القورصو بأن سعي أبناء الحركة للحصول على المنحة أو الجنسية الفرنسية، هو في الواقع يندرج ضمن الحريات الفردية.  
  • في حين أرجع المؤرخ محمد عباس مساعي أبناء الحركى للحصول على امتيازات من فرنسا، إلى سعي بعض الأطراف في الداخل للحصول على ولاءات داخل فرنسا، التي وجدت في تقديره أرضا خصبة لإحياء ولاءاتها في الجزائر، بناء على مصالح شخصية يريد الكثيرون تحقيقها، داعيا الدولة إلى ضرورة أن تتكفل بحاجات الأفراد، بما يغلق الباب أمام البحث عنها في الخارج.
  • الأسرة الثورية: "هذا السلوك قمة في التسيّب والتنكر للوطن"
  • الوجوه المعروفة في محيط الأسرة الثورية تقرع أجراس الخطر، وترى أن هذا السلوك قمة في التسيّب والزهد في الانتماء الكامل للوطن، ويعتبرونه بمثابة خيانة عظمى لمبادئ الثورة التحريرية الكبرى ولمليون ونصف مليون شهيد، وخاصة هؤلاء الذين يحاولون إثبات ماضي أبائهم وأجدادهم القذر، ويشددون على وجوب إخضاع القضية برمتها إلى دراسة ونقاش عام، خاصة أن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة شن هجوما شرسا على الجزائريين مزدوجي الجنسية ووصفهم بـ"الأبناء المعاقين لأبائهم"، حيث قال بتذمر كبير "إنه لعيب وعار أن تتنكر للبلد الذي رباك وأنفق عليك".