قد يتساءل البعض مستغربا، ما علاقة مصطفى الأشرف (1917 - 2007)، المفكر العقلاني حفيد ابن رشد وابن خلدون في المنهج والتحليل وصاحب كتاب دارَ العالمَ وتُرجِمَ إلى لغات متعددة هو: "الجزائر، أمة ومجتمع"، يا ترى ما الذي يربط هذا المؤرخ والسياسي ورجل الدولة بمغني الراي‭ ‬الشاب‭ ‬مامي‭ ‬صاحب‭ ‬أغنية‭ ‬‮"‬شيري،‭ ‬با‭ ‬دو‭ ‬شيشي،‭ ‬تقلشي‭ ‬وزيدي‭ ‬تقلشي‭ ‬‮" » ‬Chérie‭ ‬pas‭ ‬de‭ ‬Chichi‮«‬؟؟

بكل بساطة ومباشرة، هل تعلمون أن منزل المفكر مصطفى الأشرف اشتراه الشاب مامي!! وبالتالي تحولت "الجزائر، أمة ومجتمع" بقدرة قادر إلى "" Chérie pas de Chichi.. إن لله في أمره وفي بلدانه شؤونا.

 

مثلُ هذا لا يحدث، ولن يحدث في بلد آخر تحت سماء الله الواسعة هذه، تخيلوا، لا سامح الله، وهذا مستحيل التخيل: لو حدث أن بيع منزل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين إلى الراقصة سامية جمال أو تحية كريوكا أو بيع بيت نجيب محفوظ لشعبولا؟ ماذا يا ترى كان سيحدث؟ متأكد‭ ‬من‭ ‬أن‮ ‬القاهريين‭ ‬والمصريين‭ ‬جميعهم‭ ‬بمسلميهم‭ ‬وأقباطهم،‭ ‬بإخوانهم‭ ‬وشيوعييهم‭ ‬ولائكييهم‮ ‬كانوا‭ ‬سينزلون‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‮.‬

لماذا أحدثكم، وبكل هذه المرارة، عن منزل المفكر مصطفى الأشرف، لا لأنه بيت عاش فيه مصطفى الأشرف وفقط، وكما روى لي بعض من عرفوه جيدا، ولأنه أيضا كان بيتا عامرا بكل معنى هذه الكلمة، فقد كان يحتوي على ثلاث مكتبات من أغنى المكتبات التي احتضنتها بيوتات العائلات الجزائرية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرين‮.‬

أما المكتبة الأولى: فهي المكتبة التي أسسها وعلى مدى ثمانين سنة مصطفى الأشرف وهو الذي عُرف عنه عشق الكتاب والمخطوط، أسسها كتابا على كتاب، وثيقة فوق أخرى، مخطوط إلى جانب مخطوط، وتبعا لذوق الأشرف وحساسيته ككاتب ومفكر وشاعر وسياسي يمكننا، انطلاقا من ذلك، تصور محتوى أرصدة هذه المكتبة، وهو المثقف المزدوج اللغة أيضا مما يجعل الكتب التي كانت تحتويها هي اللغتين العربية والفرنسية. ومكتبته، كما أتصورها، لن تكون إلا على شاكلة مكتبة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي مثلا، وقد كان لي شرف استلام جزء منها هدية منه إلى المكتبة الوطنية حينما كنت على رأس هذه المؤسسة، وعرفت عن قرب مدى غناها وتفردها، وأنا أتابع تصنيفها وقد افتتحنا وقتها فضاء سمي باسم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي نتمنى له الصحة ومزيدا من الكتابة، كان ذلك ذات أكتوبر 2006. 

أما المكتبة الثانية: فهي مكتبة الفنان التشكيلي البوسعادي التبني "إتيان دينيه" أو "نصر الدين دينيه" (1861 - 1929)، أو على الأقل جزء منها، وبوسعادة التي عشقها إتيان دينيه هي المنطقة التي ولد بها مصطفى الأشرف، إذ أنه من مواليد سيدي عيسى غير بعيد عن بوسعادة، وعلى وجه الدقة في دوار كرمة بوزيان، وعلى ضوء ما عرف به إتيان دينيه هذا الرسام والكاتب والرحالة من حب لبوسعادة وللكتاب والمخطوطات والكتب النادرة، فيمكننا تصور ما قد يمكن أن تكون عليه هذه المكتبة التي يكون قد حصل عليها، أو على جزء منها، مصطفى الأشرف صاحب الذوق‭ ‬والعين‭ ‬والنقد‭ ‬والاختيار‮.‬

وأما المكتبة الثالثة: فهي مكتبة المؤرخ محمد شريف الساحلي المتوفي في 5 جولية 1989، مات في صمت ونسيان، مؤرخ من عيار خاص ومثقف مناهض للكتابات الكولونيالية، صاحب كتاب "تحرير التاريخ: مقدمة لتاريخ المغرب الكبير" 1965، » Décoloniser l?Histoire : introduction à l?histoire du Maghreb « وهو مؤرخ مجهول لدى القارئ الجزائري، ويعتقد أن العلاقة الثقافية والفكرية التي ربطت طويلا بين الثنائي محمد شريف الساحلي ومصطفى الأشرف هي التي جعلت هذا الأخير يحصل على هذه المكتبة، ربما خوفا عليها من الضياع أو التسرب بين الأيدي التي لا تعرف‭ ‬للكتاب‭ ‬قيمة،‮ ‬وربما‭ ‬أيضا‭ ‬نتيجة‭ ‬الوضع‭ ‬العائلي‭ ‬الخاص‭ ‬للمؤرخ‮ ‬محمد‭ ‬الشريف‭ ‬الساحلي‮ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬عزلة‮. ‬

 الآن وقد عرفتم لماذا أتحدث بكل هذه المرارة عن منزل لمفكر من عيار مصطفى الأشرف وبثلاث مكتبات تعود في جزئها أو كلها لعلمين من أعلام الثقافة في الجزائر تنتهي بين مغني الراي الشاب مامي صاحب  Chérie pas de Chichi 

ولأن الأماكن تستمد قوتها من قوة من سكنوها، وبما عُمرت من كتب وتحف، تخيلوا معي الشاب مامي، داخل هذا البيت الذي امتلأ بتاريخ واحد من ألمع المثقفين المجتهدين في الجزائر المعاصرة، ماذا سيقول المكان للشاب مامي؟ ربما سيقول ما قاله محمد شريف الساحلي مع تحوير طفيف‭: ‬حرروا‭ ‬البيت‮ ‬Décolonisez‮ ‬la‭ ‬demeure،‮ ‬وماذا‭ ‬سيقول‭ ‬مامي‭ ‬لذاكرة‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الرمزي؟‭ ‬سيكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يغني‭ ‬له‭ ‬‮""‬Chérie‭ ‬pas‭ ‬de‭ ‬Chichi‭ ‬ربما‭ ‬استهزاء‭ ‬منا‮ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬نصرف‭ ‬ضوء‭ ‬عيوننا‭ ‬في‭ ‬الحرف‮ ‬والكتاب‮.‬

لو أن هناك حضورا قويا لما يمكنه تسميته بـ "المجتمع الثقافي" الضاغط والوازن، في جزائر اليوم، لكنّا قد تمكنا من إيقاف مثل هذه الاغتيالات الرمزية، اغتيالات تطال الأسماء والأماكن، حتى نستعير عنوانا لكتاب آخر لمصطفى الأشرف (Des noms et des lieux)، إن منزلا كمنزل مصطفى الأشرف، أو مالك بن نبي أو الأمير عبد القادر ليس مأوى للنوم أو ملكية عائلية بسيطة يتصارع عليها الورثة، إن هذه الأماكن من حيث ما تمثله من رأسمال رمزي تنتمي إلى التراث المادي الوطني الذي يجب أن يكون أولا وقبل كل شيء تحت حماية الدولة، باعتبار أن هذه البيوت هي "متاحف" وهي "بيوت للحكمة" ومرجعية للاستقرار وللتراكم الثقافي تستأنس بها الأجيال المتلاحقة التي تعيش فوضى المكان والرمز والأسماء والمراجع. هذه البيوت لا يمكن أن تباع في السوق كما يباع السردين، وأن قيمتها لا تقدر بكيس من المال (شكارة) فالأماكن مثل هذه،‭ ‬أَمْنُها‮ ‬وتأمينها‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬‮"‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬المعاصرة‮" ‬وهي‭ ‬قطعة‭ ‬نادرة‭ ‬من‭ ‬‮"‬بوزل،‮" "‬ذاكرة‭ ‬الأمة‮"‬،‭ ‬من‭ ‬يعتدي‭ ‬عليها‭ ‬فقد‭ ‬اعتدى‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬البلد،‮ ‬وبالتالي‮ ‬خرب‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ذاكرته‮.‬‭