• نشرية بريطانية تناولت كفاحها وقدمته كنموذج نجاح في الحياة
author-picture

icon-writer ربورتاج: ليلى مصلوب

بأعالي "بني يني" وبالضبط في قرية تدعى "أيت أرباح" بولاية تيزي وزو تعيش سيدة تجاوزت التسعين من العمر لا تعرف القراءة ولا الكتابة ولا تتحدث سوى "تاقبايليث"، لكن صيتها تحدى قمم جبال جرجرة المحاذية لبيتها البسيط وتصدرت صورتها صفحات إحدى النشريات في بريطانيا التي كتبت عن حياتها وكفاحها وأمومتها.

 

على بعد حوالي 50 كلم عن مدينة تيزي وزو تقع قرية "أيت أرباح" ببلدية "إيبودرارن" دائرة بني يني في أعالي قمم الجبال تتوسط جبال "واسيف"، حيث مجرى الوادي الذي تصب مياهه في سد   "تقصبت" وبين منطقة "عين الحمام"، كما تظهر عن قرب قمم جبال جرجرة البيضاء بالثلوج العاتمة تلامس كتلا من السحب الكثيفة، هذه الدشرة القريبة أيضا من قرية العقيد عميروش ودشرة مولود معمري و"بلاد أويحي" كما يسميها السكان، حيث ينحدر رئيس الحكومة، في هذه المرتفعات الشامخة تسكن سيدة مسنة تجاوزت التسعين من العمر في بيت قديم انهار بسبب تساقط الثلوج مؤخرا، تدعى عزيزة بن دحمان من مواليد 1922، ذاكرتها قوية، إرادتها كبيرة، وحياتها كانت كلها كفاح وصراع من أجل أبنائها، لقد أنجبت 15 طفلا في بيت من الطين والحجارة تنام في زاوية قرب موقد الجمر والحطب وفي الزاوية الأخرى تنام أبقارها تحت سقف واحد، فقدت خمسة أطفال في سن مبكرة، هذه السيدة أردنا أن تكون لنا معها وقفة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة بعيدا عن الصور التي نراها في كل مرة عن المرأة الناجحة الكلاسيكية والمثقفة والناشطة السياسية، ونساء قانون الأسرة وجمعيات راشدة وخليدة .....استقبلتنا بحفاوة وفتحت لنا بيتها المتواضع حيث تحتفظ بكل ذكريات الماضي أولها "جاكيت" زوجها الذي لا يزال معلقا في الحائط بداخله ساعة جيب ومحفظة نقوده، لا تستطيع أن تفارق جدران البيت التي تملأ رائحة زوجها وأولادها كل زاوية منه، عاشت معه منذ أن كان عمرها تسع سنوات وهي لا تزال طفلة، تزوجت في سن مبكرة وكانت قصيرة القامة نحيفة الجسم قدمت عروسا في موكب على ظهر حصان تقول "أتذكر عندما حملني والد زوجي بيد واحدة وأدخلني البيت من شدة ما كنت صغيرة جدا"، لقد كان زوجها متسلطا وحازما وقويا لكنها عاشت تحت حمايته لأكثر من 65 عاما وبقيت إلى جانبه طيلة سبع سنوات قضاها مريضا طريح الفراش إلى أن توفي منذ حوالي 6 سنوات.

هذه المرأة المكافحة الصامدة، لا تفارق البسمة شفتيها، عاشت قمة الفرح عندما أنجبت أبناء إطارات تتباهى بهم ويتحدث عنهم كل سكان المنطقة، وعاشت قمة الحزن عندما غيب السرطان خيرة أبنائها "يحي" وهو في 28 من العمر، تتذكر الأم كيف فارق ابنها الحياة بعد صراع مع المرض كانت تأمل في كل يوم أنه سيشفى، كانت ترافقه إلى مستشفى تيزي وزو ثم مركز العلاج من السرطان بمصطفى باشا وتظن أن المرض ليس خطيرا إلى أن فارق ابنها الحياة، تتذكر لحظات قبل وفاته "لقد كنا في سيارة الاسعاف عندما أحضرناه من المستشفى إلى البيت فطلب مني قطعة قلب اللوز فأعطيته قطعة من الشكولاطة فأكلها ومنذ ذلك الوقت أنا أحب الشكولاطة لكن قلب اللوز لن أكله مادمت على قيد الحياة لأن ابني لم يتذوقه قبل موته".

ثم عاشت فاجعة ثانية عندما فقدت ابنها وحفيدها الذي حصل على شهادة البكالوريا آنذاك سنة 2002 في  حادث مرور أليم بدائرة العطاف بولاية الشلف حيث كان يعيش مع عائلته.

تروي لنا السيدة عزيزة أدق تفاصيل حياتها وكيف تعبت وكافحت من أجل أن تخرج أبناءها من الفقر والجهل والأمية وكانت تدرك أن لأبنائها وبناتها العشر حياة أفضل من حياتها، فدفعتهم للدراسة والتعليم، فأنجبت أساتذة في الفيزياء وباحثين وإطارات في أوروبا تقول "لقد عشنا حياة صعبة، لقد أنجبت أبنائي وحدي، لكن الله كان معي وأنهض بعد كل عملية وضع من الفراش في اليوم الخامس إلى العمل في البيت، وبعد شهر من الراحة أعود الى العمل الشاق في الحقل وجني الزيتون، حيث نقطع مسافة 4 كلم مشيا على الاقدام في مرتفعات لا يقوى أحد الآن على صعودها، كنت أرعى الغنم وأعمل في الفلاحة، أحيانا أحمل أطفالي الصغار فوق ظهري وأترك الباقي في البيت وعندما أعود أحمل معي حزمة حطب لإشعال النار وتحضير العشاء للعائلة الكبيرة، لا نعرف الطبيب ولا التطعيم، وعندما يمرض أحد أطفالي أضعه قرب موقد الجمر لمدة أربعة أيام وليال لا أعرف فيها النوم حتى يشفى أو يموت، كنت أمزق ثوبي وألف به أطفالي، وأقتسم معهم كل شي أحصل عليه من طعام، حبة تمر، حبة تين، حبة بطاطا ......وفي فصل الصيف أطحن التراب وأرش به صغاري حتى لا يلتهب جلدهم".

 

أبناؤها مضرب المثل في المنطقة

أنجبت السيدة عزيزة أبناء مثقفين وناجحين في حياتهم، يضرب بهم المثل في المنطقة ويتحدث عنهم السكان بأخلاقهم ومكانتهم، فابنها "مخلوف" من مواليد 1956 كبر وترعرع في قرية "تاسافت" ببني يني، حيث تلقى تعليمه الابتدائي ثم انتقل إلى "الأربعاء ناث إيراثن" وحصل على البكالوريا من ثانوية عبد الرحمان أيلولة ثم توجه إلى عنابة ودرس دراسته الجامعية بتفوق حيث حصل على منحة دراسية إلى انجلترا، إذ حصل على شهادة الدكتوراه، وشغل مناصب مرموقة في شركات إنجليزية كبرى، وهو حاليا يرأس مجلس إدارة في شركة بسكوت لندا، وأبناؤه أيضا إطارات في أوروبا،

أما ابنها الثاني "مهنى" فدرس بالعطاف بولاية عين الدفلى، تحصل على البكالوريا في الشلف (الأصنام سابقا) ثم انتقل إلى وهران حيث حصل على منحة جامعية لمواصلة تعليمه العالي في إنجلترا، وتخرج من جامعات بريطانيا حاصلا على شهادة مهندس دولة في مكانيك محركات البواخر وهو حاليا رئيس قسم التوظيف بشركة بريطانية كبرى، وقد هاجر عدد من أحفادها أيضا إلى بريطانيا للعمل في مناصب مرموقة ومحترمة ويحملون شهادات دراسات عليا.

 

صيت الحاجة "عزيزة" وصل إلى بريطانيا

وبلغ صيتها خارج منطقة القبائل حيث يزورها أحفادها وهم بريطانيو الجنسية ويتحدثون عنها في بريطانيا ويروون عن كفاحها وصمودها وكيف أنجبت أبناء ناجحين وهي في صحة جيدة، وكانت صورة السيدة عزيزة وهي تغزل الصوف وبورتري مفصل عنها وعن حياتها قد تصدر الصفحة الأولى من نشرية "نيوز ليتر" صدرت في بريطانيا في مارس 1885 تهتم بالأمومة والمرأة.

ورغم جهلها للقراءة والكتابة وساعدتنا ابنتها المعلمة شريفة على الترجمة من القبائلية للعربية والعكس، إلا أنها سيدة واسعة الاطلاع والمعرفة تتابع كل الأخبار من مذياع قديم اشتراه لها ابنها في السبعينات وهو إطار متقاعد في وزارة الداخلية، لا يفارقها الراديو، وتحمله معها في كل مكان تذهب إليه، تقول إنها تحب سماع المغني"علاوة" والشيخ "مقران أقاوا" و"رابح درياسة" وتتابع أخبار الفيضانات والكوارث وكل ما يحدث في منطقة القبائل، وعندما تعود ابنتها شريفة من العمل تزودها بكل المعلومات، سألنا الأم عن حقوق المرأة وكيف ترى مستقبل بناتها فأجابت "لقد عشنا حياة صعبة لكننا نرى نجاحنا مع الجيل الجديد من أبنائنا الذين "ربحنا على وجوههم"، وتتمنى لهم "إيزرفان" ويعني بالقبائلية حقوق المرأة حسب ما قالته لنا