إن المجتمعات التي تعرف كيف تمارس وتعيش ثقافة العزاء بحضارة وصدق هي المجتمعات التي تدرك وبشكل عميق كيف تمارس ثقافة الفرح بحضارة أيضا.

أحدثكم اليوم عن الموت، ودعوني بدءا أقول: إن صورة المقبرة، التي هي مدينة الموتى، في تنظيمها ونظافتها وتهيئتها وصمتها وتوسعها ما هي إلا صورة حقيقية عن مدينة الأحياء.

مثلكم، دون شك، زرتُ كثيرا من المقابر الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وفيها وقفت على قاسم مشترك تشترك فيه جميع هذه الفضاءات الخاصة بالموتى، إنه عامل الفوضى، كل أشكال الفوضى، وتلك في نهاية المطاف صورة عن فوضى عالم الأحياء.

ومثلكم، أيضا زرت عشرات المقابر المسيحية في بلدان أوروبية ووقفت على التنظيم الذي يحكم تهيئة هذه المقابر، فالقبور منظمة في سطور ومربعات دقيقة ومهندسة، وأشجارها ونباتاتها وورودها مقلمة ومهذبة بشكل يدعو إلى القول بأن مَنْ يسكن هذه القبور ينام في راحة ودون قلق، وتلك أيضا صورة عن الثقافة التي تمارسها مدينة الأحياء التي تحترم قيم الموت والميت.

لقد فقدنا كل قيم ثقافة "العزاء" التي من أولياتها: الحكمة والتأمل واحترام لحظة فاصلة بين عالمين، عالم مدينة الأحياء ومدينة الموتى.

في عالم الإنسان لا معنى لقيمة ثقافة الفرح فلسفيا ووجوديا إذا لم تكن مخترقة ب"المحنة" كتجربة حياتية، فالفرح ثقافيا كالعزاء أحدهما يمنح الآخر بعضا من أنفاسه ومن روحه ناره.

في زماننا العربي والإسلامي هذا، أشعر بأن الموت فقد بعده الروحي، فلم يعد حاملا لذلك الغموض والسحرية، ما عادت لحظات الموت تحمل "الرعشة" وما عاد "الموت" يطرح علينا الأسئلة الوجودية التي كان يطرحها قديما، ما عاد الموت يثير الخوف وما عاد يفرض لحظات التأمل والحيرة.

أصبح الموت وكأنه يسقط من السماء كفردة جورب مثقوب، أو يجيء سالكا سبلا كثيرة دون مفاجأة ولا صلاة ولا سؤال.

في زمننا هذا أُفْرِغَ الموت من محتواه الإنساني والحيوي. لقد تحول" الموت" إلى "نهاية" وكفى، حين أفكر في الموت في هذه الأيام، يبدو لي وكأن الناس تَتَمَثَّلُه على شكل «خط وصول" لسباق غريب حيث الجميع يشترك فيه ولكن لا أحد يريد أن يعلن عن مشاركته ولا أحد فيه يريد أن يصل الأول.

في زمن مضى، كان وصول خبر موت عزيز عبارة عن حدث مروع، دوخة.

الطفل الذي كنته، أتذكر صورة ذلك الرجل الذي لم يكن يشبه الرجال جميعهم. كان مسنا قليلا، أو هكذا كان يبدو لي، كان دون ملامح، مرتديا دائما الأبيض في الأبيض، هو وحده كان له الحق في إخبار أهل القرية بنبإ موت واحد منهم.

هذا الرجل الفريد في جلابته البيضاء لم يكن يشبه رجلا آخر، كان يشبه نفسه، لا يساويه إلا ظلُّه.

من بعيد أراقبه، في نظرة حيرة، خوف بالأحشاء، قدمان ترتجفان، كنت أميز في صوت هذا الرجل موسيقى خاصة، لا مثيل لها، الآخرون من حولي، الأطفال مثل الكبار، كانوا يحملون لمنظره ووجوده ذات الإحساس الذي يسكنني.

هذا الرجل الذي يثير الخوف فينا (الخوف ليست الكلمة الدقيقة) كان يضع يده البيضاء اليمنى على أذنه اليمنى ثم يرفع نداءه، صوته كان له طابع خاص، لم يكن مرتفعا ولكنه كان مسموعا من الجميع البعيد كالقريب، لا هو شبيه بصوت المؤذن ولا هو قريب من صوت البراح أو القوال، صوت خلقت حباله ليعلن عن خبر الموت.

كنت، بمجرد أن ألمح ظله في الزقاق أختفي كالبرق، الأطفال الآخرون كانوا يقومون بنفس الشيء لمجرد مروره أمام عتبات بيوتهم، في عيوننا، كان هذا الرجل ذو اللباس الأبيض "صورة تجسيدية للموت"، الموت يمشي على رجليه. الموت مرتجلا، كنا نطلق عليه اسم : الموت.

كنت أستمع إلى نداءاته بخشوع وجوانية مدوخة. حين يجيء صوته يصبح الصمت ملكيا فتلمس قامته عنان السماء.

كان الرجل أكبر من الموت، أقوى منه، ذاك كان شعوري حتى ذلك اليوم الذي رأيت فيه رجلا آخر يعوضه، يأخذ مكانه في شوارع وأزقة القرية معلنا فيه خبر الموت، والمدوخ أن الرجل الجديد كان يذيع موت الرجل الذي كان "الموت مترجلا".

بكيت على "رجل الموت"، بكيت بحرقة على "الموت" الذي غيبه الموت.

اليوم الإعلانات المبوبة التي تخبر عن الموتى والجنازات والأربعينيات والمكتوبة بلغة باردة، لغة ميتة، ما عادت تثير أثرا كبيرا في قراءتها، عبارات مكرورة وخطاب بارد المفاصل مكتوب ببرانية لا ارتجاف فيها.

اليوم أشعر بأن كثيرا من الدموع المراقة، من قبل البعض في المقابر حول جنازات، لا ملح فيها ولا مرارة في ذلك البكاء. تبدو لي الدموع وكأنما قطرات تسقط من حنفية مكسورة.

في زمن مضى، كان العزاء بصف من مقرئي كتاب الله، رجال بسطاء على وجوههم نور وضياء، يثيرون فينا رغبة مشاركتهم القراءة والترتيل ويزرعون فينا فضيلة السماع وتأمل السماء بكل غموضها.

في جنازات هذه الأيام، هناك فيلق قلق من وجوه لا ترفع عينيها عن عقارب الساعة أو شاشة التليفونات المحمولة، لا يسألون سوى السؤال الوحيد: متى ساعة الدفن.

وإذا ما كان الميت شخصية عمومية، أي سجل تجاري في السياسة، فإنك ستجد نفسك أمام "مجموعة" غريبة في بكائها وفي افتعال حزنها، حزن كاذب، وهي في ذلك لا تبحث سوى عن تمظهر إعلامي، والغريب أن هذا الرهط من الناس، نساء ورجالا، يبكون أو يتباكون على الميت أكثر من بكاء أهله عليه، وهم في هذه المسرحية يذكرونني بمهمات "ندابات" المآتم اللواتي يدفع لهن أجر على البكاء.

أمام هذا البكاء الكاذب، وهذه الفوضى العارمة، وهذا الخطاب المحنط يبحث الموتى عن تغيير مقابرهم، يطالبون بالرحيل إلى مكان آخر.

إن المجتمع الذي لا يعرف كيف يعيش ثقافة عزاء أبنائه لن يتمكن أبدا من السكن في ثنايا ثقافة أفراحه.