author-picture

icon-writer محمد مسلم

شاع عند الجزائريين أن يقدّم الوزير الأول، استقالته عقب انتخاب مجلس شعبي وطني جديد، وأن يقوم رئيس الجمهورية، بعد ذلك بإعادة تكليف الوزير الأول المستقيل بتشكيل طاقمه الوزاري الجديد، أو يوكل المهمة إلى شخص آخر. غير أن الأمر هذه المرة اختلف، فالمدة زادت عن الشهر وسبع وزارات كاملة من دون وزراء، وهذه سابقة..

ليس هناك ما تغيّر في النصوص المتعلقة بالوزير الأول في دستور 2008، سوى بعض الصلاحيات والمصطلحات، فدستور 1996 تحدث عن رئيس الحكومة ولم يتحدث عن الوزير الأول، أما الصلاحيات فأصبحت قليلة جدا إلى درجة أنها انحصرت في لعب دور "المنسق".

ويمكن حصر التغيير الذي حدث في المادة 79 فقط، ففي دستور 2008، تنصّ هذه المادة على: "يعيّن رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة بعد استشارة الوزير الأول. ينفّذ الوزير الأول برنامج رئيس الجمهورية، وينسق من أجل ذلك عمل الحكومة. يضبط الوزير الأول مخطط عمله لتنفيذه، ويعرضه في مجلس الوزراء".

في حين أن المادة ذاتها من دستور 1996، نصت على: "يقدم رئيس الحكومة أعضاء حكومته الذين اختارهم لرئيس الجمهورية الذي يعينهم. يضبط رئيس الحكومة برنامج حكومته ويعرضه في مجلس الوزراء". وواضح من هذه المادة أنها لم تتحدث عن دور رئيس الجمهورية في اختيار رئيس الحكومة، لكنها تحدثت عن دور له في تعيين الوزراء الذين يقترحهم عليه رئيس الحكومة.

واللافت أن دستور 1989 المعدل في 1996 وكذا المعدل في 2008، يتحدثان عن حالة واحدة يجب أن يقدم فيها رئيس الحكومة في دستور 1996، والوزير الأول في دستور 2008، استقالته، وهي عدم موافقة المجلس الشعبي الوطني على البرنامج المعروض عليه، بالنسبة لرئيس الحكومة ومخطط عمله بالنسبة للوزير الأول وهي المادة 81، إذن ليس هناك في الدستور الحالي وحتى الذي قبله، ما يتحدث عن استقالة الحكومة مباشرة بعد الانتخابات التشريعية. لكن العرف كرّس تقليدا صار شائعا، وهو أن يقدم رئيس الحكومة أو الوزير الأول، استقالته لرئيس الجمهورية، ثم يعاد تكليفه مجددا، أو تسند المهمة إلى شخص آخر.

ليس في كافة الدساتير الجزائرية بما فيها الدستور المعدل في 2008، ما يجبر رئيس الجمهورية على تعيين الوزير الأول من الأغلبية الفائزة في الانتخابات التشريعية، ولعل هذا ما يفسر قيادة أحمد أويحيى، في أكثر من مرة للحكومة وهو يفتقد إلى الأغلبية في البرلمان.. ما يعني أن تواجده حاليا ليس مناقضا للعرف السياسي السائد في البلاد، لكن غير المألوف هو أن يستمر أويحيى لأكثر من شهر على رأس الحكومة، بعد استحقاق انتخابي أفرز مجلسا شعبيا وطنيا جديدا.

قد يكون الأمر مألوفا ومبررا أيضا، في حال ما إذا كانت الحكومة مكتملة التعداد، غير أن الحكومة الحالية منقوصة من سبعة من أبرز وزرائها، هم وزراء: العدل، العمل والضمان الاجتماعي، النقل، البريد وتكنولوجيات الإتصال، البيئة وتهيئة الإقليم، التجارة والأشغال العمومية، بعد أن أصبحوا نوابا، والجمع بين المنصبين ممنوعا بموجب قانون حالات التنافي.. سبع وزارات تدار فيها الملفات بالنيابة، بمعنى أن مصالحها تدور وفق الحد الأدنى من الخدمة لأزيد من شهر..

المعروف والمتعارف عليه في كل بلدان العام، هو أن يعيّن رئيس الدولة، الوزير الأول (رئيس الحكومة بتحفظ)، ثم يترك له بعض الوقت لاختيار الوزراء المرشحين قبل أن يعرضهم عليه، غير أن الأمر عندنا يختلف، فالجميع يأتي دفعة واحدة، الوزير الأول ووزراؤه، فمتى نسمع يوما بتكليف وزير أول، ثم يأتي الدور بعدها على معرفة بقية الطاقم الحكومي؟

ما من شك في أن الدساتير الجزائرية تنام على الكثير من نقاط الضعف، ولعل مثل هذه الثغرات هي التي تدفع البعض للقول بأنها مقصودة، ومن ثم تصبح مسألة تسيير شؤون البلاد محل تساؤلات وانتقادات، وفي ذلك مبرر لأن مصالح المواطن تتضرر بشكل أو بآخر في حالات من هذا القبيل.