تشرفت‮ ‬ولاية‮ ‬بسكرة،‮ ‬ومدينة‮ ‬سيدي‮ ‬عقبة‮ ‬بالذات،‮ ‬باحتضان‮ ‬ملتقى‮ ‬وطني‮ ‬تناول‮ ‬بالدرس‮ ‬والتحليل‮ "‬شخصية‮ ‬عقبة‮ ‬بن‮ ‬نافع‮ ‬الفهري‮ ‬وآثاره‮"‬،‮ ‬وذلك‮ ‬في‮ ‬أيام‮ ‬16‮ ‬‭-‬‮ ‬17‮ ‬‭-‬‮ ‬18‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬الشهر‮.‬ وقد‮ ‬كان‮ ‬لي‮ ‬شرف‮ ‬حضور‮ ‬هذا‮ ‬الملتقى،‮ ‬وإلقاء‮ ‬كلمة‮ ‬فيه،‮ ‬ويعود‮ ‬الفضل‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬إلى‮ ‬الأستاذ‮ ‬نصر‮ ‬الدين‮ ‬مصمودي،‮ ‬مدير‮ ‬المركز‮ ‬الثقافي‮ ‬الإسلامي‮ ‬لولاية‮ ‬بسكرة،‮ ‬الذي‮ ‬تفضل‮ ‬فدعاني‮ ‬إلى‮ ‬الملتقى‮.‬

كما حضر هذا الملتقى جمع من السادة الأئمة من بعض الولايات، ومن الطلبة المتربصين ليكونوا أئمة في المستقبل - إن شاء الله - وقد أطّر هذا الملقتى ثلّة من الأساتذة، جاءوا من عدة جامعات جزائرية، سلطوا الأضواء على حياة هذه الشخصية العظيمة من مهده في الحجاز إلى لحده‮ ‬في‮ ‬أرض‮ ‬الزاب‮ ‬بالجزائر،‮ ‬حيث‮ ‬كتب‮ ‬الله‮ ‬أن‮ ‬يستشهد‮ ‬وهو‮ ‬يقود‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬أشرف‮ ‬جند‮ ‬الله‮ - ‬عز‮ ‬وجل‮ - ‬من‮ ‬الصحابة‮ ‬الأخيار‮ ‬والتابعين‮ ‬الأبرار‮.‬

لقد‮ ‬منّ‮ ‬الله‮ - ‬عز‮ ‬وجل‮ - ‬على‮ ‬عبده‮ ‬عقبة‮ ‬بن‮ ‬نافع‮ - ‬رضي‮ ‬الله‮ ‬عنه‮ - ‬بمنن‮ ‬كثيرة‮ ‬أجلّها‮ ‬مكانا‮ ‬وأبقاها‮ ‬زمانا‮ ‬ثلاث‮ ‬هن‮:‬

*) الجهاد: لقد قضى عقبة بن نافع - رضي الله عنه - حياته منذ بلغ أشدّه، واشتدّ ساعده على سرج سابح، يجاهد في سبيل الله - عز وجل- من مصر إلى المغرب الأقصى مرورا بليبيا، وتونس، والجزائر، التي أكرمها اللّه - عز وجل - باستشهاده على ثراها. وكم كان وعي المجاهدين الجزائريين كبيرا، وقرارهم رائعا عندما قرّروا أن تكون كلمة السر يوم 5 ربيع الأول 1374 هـ (1 نوفمبر 1954م) هي: "خالد - عقبة"، اعترافا منهم وإجلالا لهذين القائدين المجاهدين اللذين أبليا البلاء الحسن في سبيل الله، وكسر أعناق الطغاة.

إن فضل المجاهدين الصادقين - لا المتاجرين بالجهاد، المرائين به، الذين صاروا يعاقرون الخمر، ويتاجرون فيها، ويقامون شريعة الله، ويتحاكمون إلى الطغاة - مسجّل في كتاب الله - عز وجل - الذي جاء فيه: ".. فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكُلاّ‮ ‬وعد‮ ‬الله‮ ‬الحسنى،‮ ‬وفضّل‮ ‬الله‮ ‬المجاهدين‮ ‬على‮ ‬القاعدين‮ ‬أجرا‮ ‬عظيما‮"‬،‮ (‬سورة‮ ‬النساء،‮ ‬الآية‮ ‬95‮).‬

لقد قال عقبة - رضي الله عنه - لبنيه وهو يغادر القيروان موليا وجهه شطر الغرب مجاهدا في سبيل الله؛ "إني قد بعت نفسي من الله فلا أزال أجاهد من كفر الله"... ثم أوضى أبناءه بما يوصي به كل أب رشيد، ثم دعا ربه قائلا: "اللهم تقبل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي، ودار‮ ‬كرامتي‮ ‬عندك‮".‬

لقد‮ ‬علم‮ ‬الله‮ - ‬الذي‮ ‬يعلم‮ ‬السرو‮ ‬وأخفى‮ - ‬صدق‮ ‬عبده‮ ‬عقبة‮ - ‬رضي‮ ‬الله‮ ‬عنه‮ - ‬فأكرمه‮ ‬بالجهاد،‮ ‬وفضله‮ ‬به،‮ ‬وشرّفه‮ ‬بـ‮:‬

*) ‬الشهادة‮: ‬لقد‮ ‬اتّخذ‮ ‬الله‮ - ‬عز‮ ‬وجل‮ - ‬عبده‮ ‬عقبة‮ - ‬رضي‮ ‬الله‮ ‬عنه‮- ‬شهيدا‮...‬

إن مكانة الشهيد عند الله - عز وجل - عالية، وقيمته غالية، وقد ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: "ما من عبد يموت، له عند الله خير، يسرّه أن يعود إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرّه أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى". وفي رواية أخرى: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة". وكلا الحديثين الشريفين في صحيح البخاري، رضي الله عنه.

*) الدعوة: لقد أمر الله - عز وجل - رسوله - عليه الصلاة والسلام - أن يبلغ دعوة الله إلى الناس جميعا، قال سبحانه وتعالى: "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته"، وقد نفّذ رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أمر ربه، وقد استشهد الناس‮ ‬على‮ ‬تبليغه‮ ‬في‮ ‬حجة‮ ‬الوداع،‮ ‬حيث‮ ‬خاطب‮ ‬الحاضرين‮ ‬قائلا‮: "‬هل‮ ‬بلّغت؟‮" ‬فشهدوا‮ ‬له‮ ‬بالتبليغ،‮ ‬فأشهد‮ - ‬عليه‮ ‬الصلاة‮ ‬والسلام‮ - ‬الله‮ - ‬عز‮ ‬وجل‮ - ‬على‮ ‬ذلك‮ ‬قائلا‮: "‬اللهم‮ ‬فاشهد‮".‬

وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام - رضي الله عنهم - بتبليغ دين الله - عز وجل - إلى الناس فقال لهم: "بلّغوا عني ولو آية... ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار" (صحيح البخاري).

كما بشر رسول الله - عليه الصلاة والسلام - الذين يدعون إلى الله، وينشرون دينه بين الناس بخير كثير وفضل كبير، فقال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه-: "...فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم" (صحيح البخاري)، وفي رواية: "خير لك مما طلعت عليه الشمس". وقد جعل الله - عز وجل - الدعوة إليه أحسن الأقوال، فقال عز من قائل: "ومن أحسن قولا ممّن دعا إلى الله، وعمل صالحا.."، وقد فعل عقبة - رضي الله عنه - ذلك، فـ"عمل على نشر الإسلام في ربوع إفريقية عملا دائبا، بل كان أول الفاتحين من العرب المسلمين الذين بدأوا بنشر رايات الإسلام في ليبيا، وكان أول من تغلغل في مجاهل الصحراء الليبية، وأول من تغلغل في مناطق افريقية جديدة مثل فزان، والمغرب والأوسط والأقصى، ولو لم يعمل عقبة وغيره من الفاتحين على نشر الإسلام بين البربر لكان مصير العرب المسلمين في افريقية بعد نكسة عقبة في معركة تهوده مهدّدا بالفناء..(1)"، وما أجمل قول مفدي زكريا في عقبة - رضي الله عنه - حيث لم ير فيه القائد العسكري؛ بل رأى فيه الدّاعية المنير للحِجى، المشيع لليقين، فقال في إلياذته:

ومرحى‮ ‬لعقبة‮ ‬في‮ ‬أرضنا‮ ‬

‮ ‬يُنير‮ ‬الحِجى،‮ ‬ويشيع‮ ‬اليقينا

لقد‮ ‬نشر‮ ‬عقبة‮ - ‬رضي‮ ‬الله‮ - ‬الهدى،‮ ‬ومكّن‮ ‬للإسلام‮ ‬بالقول‮ ‬أو‮ ‬بمهنّد،‮ ‬فـ‮"‬وفّق‮ ‬بمعاونة‮ ‬البربر‮ ‬إلى‮ ‬القضاء‮ ‬على‮ ‬الحكم‮ ‬النصراني‮ ‬في‮ ‬شمال‮ ‬افريقيا‮ ‬جملة‮ ‬واحدة‮ (‬2‮)".‬

لا ريب في أن هذا القضاء على الحكم النصراني في شمال افريقيا هو الذي جعل المؤرخين النصارى - خاصة الفرنسيين - يحقدون عليه، ويصورونه سفّاكا للدماء، قتّالا للأبرياء، سابيا للنساء، وكل أولائك كذبك وافتراء، حتى إن الكذاب الأشر الفرنسي شار فيرّو اختلق حادثا ليس فيه من الحقيقة مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك، وهو أن عقبة - رضي الله عنه - احتل بجاية وأتى عليها وعلى أهلها.. وأحبّ هنا أن أذكر بما دعا إليه محمد الشريف ساحلي من وجوب "تحرير التاريخ" من النظرة الاستعمارية الفرنسية التي تستوحي أفكارها من الشيطان للنزغ بين الإخوان‮.‬

إن إشادتنا بعقبة - رضي الله عنه - ليس معناه أنه معصوم من الأخطاء، فهو واقع تحت قول رسول الله - عليه الصلاة والسلام - "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطّائين التوّابون"، ومن خطإه - رضي الله عنه - سوء معاملته لكسيلة، الذي أسلم ولما يدخل الإيمان في قلبه، ولكنّ الذي يجب التأكيد عليه هو أن إساءة عقبة - رضي الله عنه - لكسيلة لم تكن عن عنصرية، وأبلغ دليل على ذلك وأقوى حجة لمن ليس في قلبه مرض وفي نفسه غرض هو أن هذه الإساءة شملت أيضا القائد العربي أبا المهاجر دينار..

وقد أثيرت في الملتقى مسألة مقاومة البربر للفاتحين المسلمين، وقد حاول بعض المشاركين نفيها، ولست أدري لماذا يحاول بعضنا نفي هذه الحقيقة البشرية. فمقاومة البربر للفاتحين أمر طبيعي، فليس معقولا أن يرى البربر جيشا يجوس خلال ديارهم ولا ينفرون للذود عن حياضهم، والدفاع‮ ‬عن‮ ‬أعراضهم،‮ ‬ومن‮ ‬أين‮ ‬لهم‮ ‬أن‮ ‬يعرفوا‮ ‬هدف‮ ‬الفاتحين‮ ‬النبيل،‮ ‬وما‮ ‬يحملونه‮ ‬من‮ ‬دين‮ ‬حنيف،‮ ‬واللغة‮ ‬غير‮ ‬اللغة،‮ ‬والعادات‮ ‬غير‮ ‬العادات‮.. ‬والطماعون‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮ ‬كُثر‮.‬

ولست أدري لماذا يٌستغرب من مقاومة البربر للمسلمين وقد قاومهم قومهم واضطهدوهم، وهجروا القرآن وكفروا به، ونهوا عنه ونأوا!! ولكن هؤلاء البربر سرعان ما عرفوا هدف المسلمين الشريف، وفقهوا الإسلام الحنيف فأشربوا في قلوبهم حبّه وتحوّلوا إلى جنوده، يقاتلون في سبيل الله‮ ‬وينشرون‮ ‬دينه‮ ‬باللسان‮ ‬والسّنان‮.. ‬وصار‮ ‬عقبة‮ ‬الذي‮ ‬قتله‮ ‬بعض‮ ‬أسلافهم‮ "‬سيدي‮ ‬عقبة‮" ‬يتشرفون‮ ‬به،‮ ‬ويفتخرون‮ ‬به،‮ ‬وينتسبون‮ ‬إليه،‮ ‬ويتبركون‮ ‬به‮..‬

إن أشدّ ما آلمني هو ما صرّح به بعض أبناء المنطقة من أن بعض أضرحة أولئك الشهداء من الصحابة والتابعين قد أهينت، حيث اتخذها من لا ذمّة لهم "مواقف للسيارات"، والملوم في ذلك كله هو السلطات عى المستوى المركزي، والولائي، والبلدي، مما يدل على جهلهم، أو (...) وعلى هذه‮ ‬السلطات‮ (‬مركزيا‮ - ‬ولائيا‮ - ‬بلديا‮) ‬أن‮ ‬تسارع‮ ‬بمحو‮ ‬هذا‮ ‬العار،‮ ‬وتكفر‮ ‬عن‮ ‬هذه‮ ‬الجريمة‮.‬

إن أسلافنا كانوا أوعى من مسئولينا الحاليين في نظرتهم لتلك الأضرحة وإجلالهم لأصحابها، فقد ذكر السّلاوي - نقد عن عبد الرحمن ابن خلدون الذي عاش فترة من الزمان في بسكرة - أن "أجداث الصحابة رضي الله عنهم، أولئك الشهداء، أعني عقبة وأصحابه بمكانهم من أرض الزاب لهذا العهد (عهد ابن خلدون)، وقد جُعل على قبورهم أسنمة ثم جصّصت، واتخذ على المكان مسجد عرف باسم عقبة، وهو في عدد المزارات، ومظان البركات، بل هو أشرف مزار من الأجداث في بقاع الأرض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين (3)"..

رحم‮ ‬الله‮ - ‬عز‮ ‬وجل‮ - ‬عبده‮ ‬عقبة‮ ‬بن‮ ‬نافع،‮ ‬الذي‮ ‬ندين‮ ‬له‮ ‬ولغيره‮ ‬من‮ ‬الفاتحين‮ ‬بنعمة‮ ‬الإسلام،‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬تعدلها‮ ‬نعمة‮..‬

1‮) ‬محمود‮ ‬شيت‮ ‬خطاب‮: ‬قادة‮ ‬فتح‮ ‬المغرب‮.. ‬دار‮ ‬الفتح‮.. ‬ط1‮. ‬ص‮ ‬129‮.‬

2‮) ‬كارل‮ ‬بروكلمان‮: ‬تاريخ‮ ‬الشعوب‮ ‬الإسلامية‮.. ‬دار‮ ‬العلم‮ ‬للملايين‮.. ‬ص‮ ‬127‮.‬

3‮) ‬أحمد‮ ‬الناصري‮ ‬السلاوي‮: ‬الاستقصا‮.. ‬دار‮ ‬الكتب‮ ‬العلمية‮. ‬ج1‮. ‬ص73‮..‬