• فلاح فضل الصوم ورفض الإفطار فأغمي عليه وكاد يلقى حتفه
author-picture

icon-writer نسيم عليوة

في الوقت الذي يقضي الكثير من الصائمين وقتهم في النوم طوال ساعات النهار ويمضون الليل في لعب الأوراق والدومينو حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يوجد آخرون يعملون في ظروف قاهرة لا تحتمل وسط حرارة تبلغ أرقاما قياسية تصل إلى 42 درجة تحت الظل وقرابة الستين في الشمس الحارقة، دون كلل أو ملل حتى يصل موعد الإفطار... إنهم الفلاحون الذين لا زالوا يجنون محاصيلهم الفلاحية من القمح والشعير في هذه الفترة من السنة والذين باغتهم شهر رمضان ولا حل لهم سوى جني ما عرقوا لأجله طوال السنة.

الشروق تنقلت إلى صاحبة الرقم القياسي في إنتاج الحبوب هذا العام وهي ولاية ميلة وبالضبط المناطق الجبلية الوعرة حيث وجدنا فلاحين لا يزالون لم يكملوا بعد حصاد سنابلهم وهم بصدد عملية الدرس، توجهنا إلى منطقة درع لحمر الواقعة أقصى بلدية تيبرقنت غرب ميلة، اقتربنا من المنطقة ونحن نجهل تماما تضاريسها وكيفية الوصول إليها، سمعنا صوت آلة الحصاد تكسر سكون المكان، ثم وجدنا طفلا عمره 15 سنة وهو يهم بإدخال قطيع غنمه إلى شبه الإسطبل بعدما بدأت الحرارة تشتد، طلبنا منه أن يرشدنا إلى الطريق التي توصلنا إلى مكان الدرس فركب معنا وتوجهنا عبر طريق ترابية جبلية وعرة تم فتحها بواسطة الجرافة مؤخرا لكي تستطيع آلة الحصاد الوصول إلى حبات القمح ودرسها، لأن التقلبات الجوية الأخيرة عزلت المنطقة.

قارورة ماء للطوارئ

فور وصولنا وجدنا الحاصدة وحولها 7 أشخاص يقومون بتقديم السنابل المكدسة على شكل قمم صغيرة وهي تدرس الزرع ، غير أن الشيء الذي لفت انتباهنا هو قارورة المياه ذات سعة 5 لترات معلقة على عمود الحاصدة، سألنا إبن صاحب الحقل البالغ من العمر 26 سنة إن كان هؤلاء الفلاحين صائمون، فأجاب اليوم نعم لكن لا أستطيع أن أضمن إكمال النهار صائما أو أفطر على الماء، فقد أفطرت في الأسبوع الأول من رمضان، حيث اضطررت للإفطار لمدة 3 أيام، مبررا ذلك بقوله نحن ننهض منذ الساعة السابعة ونبدأ عملية الدرس في حدود الثامنة والنصف ولا نتوقف حتى الخامسة مساء دون انقطاع وهذا طبعا ليس هذا بالشيء الهين، هم 5 أشقاء و2 منهم أبناء عمومة يقومون بدرس غلتهم التي يقومون بحشها ونقلها من الأماكن الوعرة التي لا تصلها الحاصدة إلى المنطقة التي تصلها نمشي بها أكثر من 30 مترا ، ومنذ شهر جوان ونحن ننتظر دورنا كي تصلنا الحاصدة ولم يأت الدور سوى اليوم.

قصعة شخشوخة أنقذتنا من الهلاك

تحدثنا مع صاحب آلة الحصاد المدعو رشيد صاحب الـ 52 سنة، الذي وجدناه منهمكا في العمل فاعترف: أول أمس أفطرت على شرب الماء، لم أستطع تحمل العطش، أحسست أن حلقي جفت وشعرت بالدوران وبأن صدري يحترق، وأصبحت لا أميز بين السنابل المحصودة من غيرها فشربت، ويضيف: عندما تشرب الماء وبكثرة تحس بألم كبير في المعدة مما يحتم عليك الأكل بعدها، ليتدخل محمد من هناك مازحا: الحمد لله لم تجدنا نأكل، قبل البارحة فقط اجتمعنا على قصعة شخشوخة ونحن حوالى 6 أفراد إلا أننا لا نأكل حتى نحس بأننا سنهلك وأننا على مشارف الموت خاصة اليومين الماضيين حيث كانت درجة الحرارة مرتفعة جدا، مضيفا: أمس سقط شيخ بالقرب منا يبلغ من العمر 70 سنة مغشيا عليه وهو بصدد تقديم السنابل للحاصدة وكاد أن يهلك من العطش وكادت آلة الحصاد أن تلتهمه عوضا عن السنابل التي سقط أمامها لولا تفطن أحد أولاده وجره بعيدا عن الآلة وسارع إليه ببعض الماء وتم تحويله إلى المستشفى.

سألناهم لماذا لا يؤجلون عملهم الشاق هذا إلى غاية انقضاء الشهر الفضيل، فردوا: سوف تأكلها الحيوانات والطيور ولا يبقى منها شيء وهذا المحصول هو خدمة عامين، العام الأول نميل الأرض ونتركها ترتاح والعام الثاني نزرعها، فكيف نتركها، سوف نحصدها ولو كلفتنا حياتنا، البعض من أصحاب آلات الحصاد بميلة سكنوا إلى الراحة حتى لا يفطروا وتركوا غلة المواطنين في العراء، سألنا أحدهم فرد: أنا لا أستطيع العمل وأنا صائم خصوصا هذه الأيام لا أريد المال رغم أن ساعة واحدة تتراوح بين 3500 و4000 دج، أفضل البقاء بالمنزل على إفطاري الشهر كله وربما لا أستطيع أن اقضيه بعدها.