author-picture

icon-writer محمد مسلم

أعادت أزمة الكهرباء التي تعصف بالبلاد هذه الأيام، قضية مشروع "ديزيرتيك" إلى الواجهة، وفجّرت سيلا من التساؤلات حول الخلفيات الحقيقية التي تقف وراء سلبية تعاطي السلطات الجزائرية مع هذا المشروع، والذي كان تجسيده يمكن أن يقبر أزمة الكهرباء في الجزائر نهائيا.

و"ديزرتيك" هو أكبر مشروعات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية طموحا في العالم، وهو يستهدف الاستفادة من الطاقة المتجددة في صحراء الجزائر وبالضبط في أدرار، وتصديرها إلى دول أوروبا بطاقة أولية تصل إلى 15 بالمائة من حاجة دول القارة العجوز، من الكهرباء بحلول عام 2050، ولكن بعد ضمان الحاجيات الجزائرية.

وكان الجميع يعتقد أن حلقات المشروع قد اكتملت بحصوله على الضوء الأخضر من السلطات السياسية في كل من الجزائر وبرلين، في نهاية العام 2010، خلال زيارة الرئيس بوتفليقة إلى ألمانيا، وما تبع ذلك، مثل توقيع مذكرة تفاهم بين شركة سونلغاز مديرية ديزيرتيك، غير أن المشروع لم ير النور حتى اليوم.

وأطلق مشروع "ديزيرتيك" في العام 2009 من مدينة ميونيخ الألمانية، على يد مستثمرين ألمان بغلاف مالي قدر بـ400 مليار أورو، قبل أن ينضم إليهم مستثمرون أوروبيون وأمريكيون، وقدمت الجزائر يومها على أنها الدولة الأوفر حظا للظفر بأكبر أجزاء هذا المشروع الموزع بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بالنظر إلى شساعة أراضيها وتوغلها في عمق الصحراء مقارنة بدول الجوار.

وجاءت أزمة انقطاع التيار الكهربائي، لتكشف عورة القائمين على قطاع الطاقة في الجزائر، وتضعهم أمام مسؤولياتهم في الأخطار التي تهدد استقرار البلاد، جراء الاحتجاجات التي انفجرت في أكثر من منطقة من مناطق البلاد، التي تشهد حرا شديدا.

ويرجع ابراهيم بلال، الباحث والخبير في الطاقات المتجددة، أزمة الكهرباء هذه الأيام إلى "غياب التخطيط لدى القائمين على قطاع الطاقة في البلاد، الذين لم يقدروا حاجيات الجزائريين المتزايدة للطاقة"، وعبر عن استغرابه من تحول الجزائر من مصدّر للطاقة الكهربائية نحو تونس إلى مستورد منها.

وأكد الخبير أنه كان مع الوفد الألماني الذي تنقل إلى أدرار في جنوب البلاد، لمعاينة قدرات المنطقة من الطاقة الشمسية، وذكر أنه لمس من الألمان حرصا على إقامة مشروعهم في الجزائر، بعد أن سمع منهم تأكيدا على أن الطاقة الشمسية في الجزائر، تكفي لتموين كافة الدول الأوروبية بالطاقات المتجددة.

وأشار المتحدث إلى أن جدية الطرف الألماني وحرصه على إقامة المشروع في الجزائر، دفعته إلى تنصيب إطار جزائري مديرا للمشروع، غير أن تماطل المسؤولين الجزائريين في التعاطي مع مشروع ديزيرتيك، دفع القائمين عليه إلى نقله إلى المغرب، تماما مثلما حصل مع مصنع "رونو" للسيارات الذي أقيم أيضا بمدينة طنجة المغربية.

وانتقد ابراهيم بلال، آليات إسناد المناصب السامية، وقال إنها تقوم على المحاباة والمحسوبية والجهوية، مع إقصاء عامل الكفاءة، مشيرا إلى أنه اقترح على الرئيس المدير العام لمجمع سونلغاز في وقت سابق، مشروعا لإنتاج الطاقة المتجددة، غير أن بوطرفة، يقول المتحدث، لم يول المقترح الاهتمام المطلوب، متسائلا: كيف لمسؤول غير متحمس بل لا يؤمن أصلا بالطاقات المتجددة، أن ينجح في معادلة إنتاج وتوزيع قطاع الطاقة الكهربائية؟

وذكر المتحدث أن الرئيس الراحل هواري بومدين، كان قد فكر منذ السبعينيات في الطاقة الشمسية، وكان قد أرسى مشروعا نموذجيا لتزويد مدينة الشراقة بهذا النوع من الطاقة المتجددة، غير أن المسؤولين دفنوا المشروع بعد وفاته، وهو ما دفعه إلى القول بأن مشروع ديزيرتيك، ليس الأول ولن يكون الأخير على طريق قتل المبادرات، في وسط صار مقبرة لكل الأفكار الخلاقة، يضيف المتحدث.