• شبح "الفراطس" يُطارد المواطنين، وجماهير الملاعب تنتفض "أولاش صابون" .. جبولنا الباسبور.
author-picture

icon-writer حاورته: فضيلة مختاري

.. يُصر الرجل أن تنتبه إليه، وتنظر في عينه، حتى يتأكد أنك تسمع منه الحقيقة، وعبثا تحاول أن تسرق قلمك وتسجل بعض الشهادات، وكأنه يطلب منك أن تكون معه بكل حواسك، في الحلقة الثانية يكشف عمي أحمد شبح "الفراطس"، ومُلاحقتهم للمواطنين زمن العشرية السوداء، يكشف أيضا عن معاناته وهو يرى مناصري كرة القدم يصرخون ويُغنون "الأفلان سراقين" فما هي الحكاية؟ يتحدث عن رجلي الفيس عباس مدني وعلي بلحاج وكيف كانا يخاطبان أنصارهما؟ ويكشف أيضا سر أغاني جماهير كرة القدم "عمي أحمد جبولنا الباسبور" .. تابعوا معنا.

"الشرطي غارسيا" وشعار باب الواد الشهداء

راح يتابع حادثة اقتحام "المديرية العامة للأمن الوطني" في الخامس من أكتوبر قائلا: كان في جهاز الشرطة عون أمن أذكر أننا كنا نلقبه "غارسيا" بسبب ضخامة جثته، حيث تمكن من القفز فوق "الجرار " ومنعه من الاقتراب نحو المديرية العامة للأمن الوطني .

كما أحبطنا تلك المسيرة وقمنا بتغيير اتجاه سير المحتجين، وكان ذلك اليوم واحدا من أصعب الأيام التي مرت في حياتي.

بعدها انفجر صوت مدويا بالقرب من "السونترال" لم نكن ندري من أين جاء الصوت، ومثلما كان صوت الشيء الذي انفجر مجهولا، سمعنا أيضا لأول مرة شعارا لم تسمعه الجزائر من قبل، لم أسمعه أنا في كل مسيرتي كشرطي ولا حتى سمعته في مباريات كرة القدم كان هذا الشعار - باب الواد الشهداء - وأصبح هذا الشعار يدوي في كل المسيرات ودخل بقوة ميادين كرة القدم ولا يزال لحد الآن الشعار الأكثر رواجا، بل تحول إلى شعار يُردده كل الأنصار دون استثناء ومنهم مناصرو مولودية واتحاد العاصمة.

"الأفلانالسراقين ".. لا أحد أصبح يجرأ أن يقول أنه من الحزب العتيد

وأنت مع عمي احمد تشعر أنك مع كتاب تاريخ مفتوح لدرجة أنك تجد نفسك تتابع تفاصيل كل صغيرة وكبيرة، وما أجمل التاريخ عندما تسمعه ممن كانوا على أرض الميدان.

يستمر قائلا: ظهر في الميدان السياسي الذي أتاحه المجال السياسي والتعددية الحزبية وفي ظرف زمني قصير 60 حزبا سياسيا، توجه أصحابه كلهم إلى صف المعارضة، تصوروا 60 حزبا يعارضون السلطة، وعوض الحديث عن التنمية والعمل والمستقبل، كانت الأحزاب التي تم إنشاؤها حديثا تركز خطاباتها أساسا على الانتقاد اللاذع للسلطة وتشويه صورته ليس إلا، وبدأنا نسمع ونرى انتقادات لم نعهدها من قبل، كان وقتها نوع من التنافس بين الشباب من يجذب بصوته أكثر عدد من الجماهير، وكأننا أمام حمى الخطابات السياسية والشعارات الرنانة.

وبرز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كأكثر الأحزاب السياسية التي وظفت الخطاب الديني.

يتوقف ثم يسألني قائلا: وكأنه يحاول أن يعرف إن كنت أتابعه ثم يسألني قائلا: أتدرين أول شعار ظهر معاديا للحزب "العتيد" إنه شعار" الأفلان السراقين"، كان المُسمى وقتها إبراهيمي عبد الحميد المكنى بعيد الحميد "لاسيانس" الذي طلب اللجوء إلى دولة أجنبية هو أول من اتهم آنذاك جبهة التحرير الوطني بالتلاعب بأموال الشعب ومنذ ذلك الوقت بدأنا نسمع شعار "جبهة التحرير الوطني أو الأفلان سراقين".

كنت أغار على الحزب وعلى جبهة التحرير، لم أكن لأوافق على أن أسمع في ميادين كرة القدم مثل هذه الشعارات وكنت أصعد إلى الشباب في المدرجات وأنا أقول لهم: أقبل أن تلعبوا وتغنوا وتفعلوا ما تشاؤون، لكن بالله عليكم أرجوكم لا تتهجموا على جبهة التحرير الوطني فبفضلها أنتم اليوم تنعمون بالحرية.

لكن المدعو عبد الحميد إبراهيمي، استطاع أن يكسر الحزب وأضحى الكل يخشى مند ذلك الوقت من العقاب والثأر أو المتابعة والملاحقة، إلى درجة أن لا أحد أضحى يجرؤ على التصريح أو الجهر بأنه ينتمي إلى هذا الحزب العتيد والمجيد.

أول شرطي يُغتال "بمزهرية" رميت على رأسه من شرفات باب الواد


بعد الخامس من أكتوبر 1988 أصبح كل شيء مفتوح على كل الاحتمالات أصبحنا نسمع ونطفئ هجمات مُنسقة كانت تجري في زمن واحد وهو ما يعني أنها كانت مُتعمدة ومخططا لها.

واستهدفت العديد من محافظات الشرطة في كل من "باش جراح " و"بئر خادم" وحي "البدر" و"بلفور" و"رياض الفتح" وباختصار في العديد من الأماكن.

لقد كان الأمر يتعلق بطوفان بشري وسيل جارف من المتظاهرين على مختلف محافظات الشرطة، و بلغ الأمر ببعض المتظاهرين الى حد المطالبة بتسليم عدد من العناصر والأعوان والإشارة إليهم بالأسماء، متهمين إياهم بالتعسف في استخدام السلطة أو بتوقيفهم وتعنيفهم والاعتداء عليهم بعد توقيفهم، وكان وقتها أعداد الشرطة غير كافيا.

هنا يتوقف عمي احمد والدموع في عينه وكأنه يتذكر شيئا آلامه، حاولت أن أغير السؤال ثم راح يقول لي: تدرين كيف اغتيل أول شرطي في العشرية السوداء شعرت وكأنه يقول للتاريخ اكتب ثم يجيب نفسه ويجيبني قائلا: لقد رمو من أعلى الشرفات في باب الواد" مزهرية" أو إناء ورد على رأس شرطي، وكان وقع سقوطها العالي كافي ليموت هذا الشرطي المسكين يموت دون ذنب، وكان هذا أكبر دافع لأستمر في عملي كشرطي حتى لو بقيت أنا "عمي أحمد" آخر شرطي يدافع عن هذا الوطن.

أربعة أيام من المواجهات الساخنة .. الجيش يتدخل

بعد مرور أربعة أيام من المواجهات أصبحت عدد من المنشآت مثل قصر الحكومة ومنطقة الرئاسة "غابة بولون" و"ساحة الغول " في حاجة إلى تدعيم أكثر.. فأفراد الشرطة غير كاف للسيطرة على الوضع.

التقيت "بلحاج صدوق" يتوقف وهو يقول لي: هذا الرجل عظيم جدا في مواقفه هذا سيد من أسياد الجزائر ويستمر قائلا: كان مكلفا وقتها بتسيير كافة العمليات ما بين التاسعة ليلا والعاشرة وكان في طريقه إلى رئاسة الجمهورية، كنت أنا وقتها في مفترق الطرق بساحة "موريتانيا" وأعلمني بأنه سيحظى باستقبال على مستوى عال وأنه سيقوم بطرح كافة الانشغالات ويطرح الوضع، خاصة فيما يتعلق بنقص تعداد أعوان الأمن والوسائل الكفيلة بمواجهة مثل هذه الأوضاع، وبقيت أنا في نفس المكان انتظر عودته إلى غاية منتصف الليل عاد لرؤيتي، أعلمني بأن الجيش سيتدخل لوضع حد للفوضى السائدة.

وتماما مثلما أعلمني لم تكن لتمر سوى ستة أيام في العاشر من أكتوبر من سنة 1988 تموقعت دبابات الجيش على مستوى كل النقاط الإستراتيجية للعاصمة لتعيد الهدوء، سمح ذلك للعاملين في سلك الأمن بأن يستعيدوا أنفاسهم المنهكة والمتعبة جراء أعمال الشغب التي كانت تحدث هنا وهناك.

ملعب 20 أوت ...عمي احمد "أولاش صابون أولاش طماطم جبولنا الباسبور"

كنت أحاول أن أفهم كيف كان الوضع وقتها من رجل شرطة كان في الميدان كان وسيطا بين السلطة والشعب وأنا أفتش في ذاكرته شعرت بأنه يريد أن يحكي كل شيء وهو الذي كان يريد أن يتكتم عن بعض الحقائق.

يتحدث قائلا: في ملعب 20 أوت ظهرت شعارات سياسية لأول مرة أثناء مباراة لكرة القدم جمعت بين رائد القبة وشبيبة القبائل، في تلك الفترة لم يكن متاحا إجراء المقابلة في ملعب القبة لعدم صلاحية وجاهزية الملعب، لذلك قررت الفيدرالية الجزائرية لكرة القدم برمجة المقابلة الرياضية في ملعب 20 أوت، تم استدعائي على وجه السرعة من قبل المسؤولين المباشرين عني، حيث تم إشعاري بضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية والمناسبة لضمان أن تجري المباراة في ظروف أمن قصوى وتفادي حدوث أية اضطرابات أو اعتداء.

وعشية إجراء المباراة توجهت إلى ملعب 20 أوت ونظمت هنالك اجتماع عمل مع مدير الملعب، وقد قررت أن أتولى مهمة حماية وفد شبيبة القبائل بنفسي وأضمن تأمين دخول الوفد لدى وصوله وبعد استئناف المقابلة وبينما كان كل شيء على ما يرام، بدأت أسمع شعارات وأهازيج ذات نبرة سياسية لم أعهدها من قبل، وبدأت الأصوات تتعالى مرددة بالخصوص "أولاش طماطم أولاش صابون حجرة، ما كان والو" وشعار آخر أضحكني وأخافني أيضا "عمي احمد أعطينا الباسبور".

هزتني هذه الشعارات التي أصبحت أسمعها لأول مرة، وأخافتني أيضا، وبدأت أدرك أن شيئا ما يلوح في الأفق، وبدأت تلك الشعارات يرددها المحتجون والمواطنون في كل المسيرات.

عباس مدني وعلي بلحاج كانا يأمران أتباعهما بكلمة "انصرفوا"


يندهش عمي أحمد وهو يروي ويتحدث عن مسيرة لقاءاته برجلين غيرا مسار الجزائر علي بن حاج وعباس مدني يتحدث قائلا: لن أنسى في حياتي المسيرات التي أتعبتني والتي كان يقودها أمراء الفيس، في رمضان كانوا يقومون عمدا بإطالة صلاة التراويح إلى ما بعد منتصف الليل، وتزداد الصلاة طولا كلما سمعوا بحفلة موسيقية أو غنائية، فلا أزال أذكر، عندما حضر أحد فناني الغرب، ولحظتها بدأ أنصار الفيس: بحملة إزعاجات وتصفير، ورمي بالحجارة.

يقول عمي احمد : كان عباس مدني وعلي بن حاج يشعلون نار الفتة ثم يأتون لإطفائها، كثيرا ما التقيت بهذين الرجلين ومن بين المحادثات التي حدثت بيني وبين عباس مدني أذكر حادثة قاعة "الأطلس" وكيف حاول أنصار الفيس منع إقامة إحدى الحفلات التي كانت مبرمجة.

لحظتها لم نستطع التحكم في الوضع، فكان أنصار الفيس، تجتاحهم حمى الغضب كلما سمعوا بحفلة غنائية، وبدأ رواد قاعة الأطلس يهربون من القاعة، لحظتها اقتربت من عباس مدني وطلبت منه أن يُهدأ الجماهير الغاضبة، وفعلا وبكلمة واحدة قال لهم "انصرفوا" وإذ بالجماهيير وكأنها تدخل تحت الأرض وتبتلعها، تسمرت واقفا مستغربا.

أتذكر جيدا أن أنصار الفيس، كانوا يؤمرون، أتباعهم بكلمة "انصرفوا"، وكنت أستغرب كيف لرجل واحد مثل عباس مدني، أن يهدئ جماهير غاضبة وثارة، وليس عباس مدني لوحده فحتى علي بن حاج كان يأمر أتباعه بكلمة واحدة وهو يقول لهم "انصرفوا...".

لهذا تعلمت مخاطبة هذين الرجلين، لما من تأثير عليها في أنصارهما.

وطيلة العشرية السوداء كنت أصلي في مساجد يحضرها "علي بن حاج" أو" عباسي مدني"، حتى أستخبر الأمر، لأن كل مسيرات العشرية كانت تنطلق من المساجد بدعوة من هذين الرجلين.

حرب الفراطس ..وشبح الخوف في براقي والكاليتوس.. ومجزرة بن طلحة

في واحدة من أصعب مُهمات الخوف يتحدث عمي أحمد بعد أن يقف من مكانه ثم يعود إلى كرسيه، متحدثا عن الإشاعات التي كانت تلاحق الجزائريين وقتها وكيف واجهها أفراد الأمن وفي مقدمتها رجال الشرطة.

حرب "الفراطيس" يتحدث عمي أحمد قائلا: أصبح الخوف يتربص بالجزائريين في كل مكان وأصبحت مجرد إشاعة صغيرة، تصنع ليالي من الرعب الأسود، فأول ما ظهر "الفراطيس" في براقي، سمعنا بمواطنين يطالبون بتأمينهم وإعطائهم السلاح للدفاع عن أنفسهم أو حراستهم من قبل الشرطة، فانتقلت إلى عين المكان إلى براقي وجدت الناس مرعوبين، سألتهم فقالوا لي أن هناك إرهابيين حليقي الرؤوس وأصابع شواهدهم مُقطعة، وسرعان ما انتشرت هذه الإشاعة في كل مكان.

وأصبحنا في مواجهة، هذه الإشاعات، وسرعان ما أصبح المواطنون يطالبون بتسليحهم، خوفا من "الفراطيس" وكثيرا ما بتنا نحن رجال الشرطة في الشوارع والأزقة لحماية المواطنين، يتنهد ويستغفر الله ثم يضيف قائلا: يا لها من أيام سوداء ...

لا يزال عمي أحمد يتذكر مجزرة بن طلحة، وجثث الموتى، والناس وهم متسمرون فوق السطوح، يروي قائلا: صورة أحد المواطنين وهو يحمل آجورة بناء بين يديه فوق السطح لا تزال راسخة في ذهني، جثث مئات الموتى، عندما وصلنا بن طلحة كانت رائحة الموت تفوح من بعيد.

لم نجد مكانا ندفن فيه الجثث، سوى قطعة أرضية، استعنا بمعدات أحد المواطنين وبقينا ندفن الموتى إلى غاية ساعات متأخرة من الليل، أذكر أني قمت بتوجيه أضواء سيارات الشرطة حتى نتمكن من حفر القبور.

في هذه اللحظات يجمع يديه على جبهته، ينحني برأسه وتسمع منه هذه العبارة "ربي يحرمهم ربي يرحمهم ثم يصمت مطولا.... وللحكاية بقية.

يتبع

تتابعون في الحلقة الثالثة

الفيس وحرب "الطواغيت" على رجال الشرطة

زروال قال لي لا تبك يا عمي أحمد التاريخ سيعطيني الحق

هكذا هربنا المنتخب المصري من غضب أنصارنا.

لغز سحر الفريق السنغالي في ملعب 5جويلية ضد شبيبة القبائل.

منحوني منصبا لا يليق بي في قيادة الأركان فدفعت ملف تقاعدي.

علي تونسي خذلني والهامل أنصفني منحني حجة وأعاد لي مكانتي.