لا شيء يمكن أن يبرر إقدام بعض الليبيين على مهاجمة السفارة الجزائرية في طرابلس وحرق العلم الجزائري وكتابة عبارات مسيئة للشهداء، وهي مشاهد للأسف أعقبت مقابلة في كرة القدم كنا نحذر جميعنا من استغلالها لتشويه العلاقات بين البلدين.

مبرر الذين هاجموا السفارة الجزائرية وأحرقوا العلم الجزائري أنهم إنما يردون على بعض الشعارات التي سمعوها من المناصرين الجزائريين في ملعب تشاكر والتي اعتبروها إساءة للشعب الليبي، وحتى إن كانت كذلك، لا يجب على الأشقاء الليبيين أن يأخذوها مأخذ الجد ويردون بتهديد حياة البعثة الجزائرية الدبلوماسية وحرق العلم الجزائري، لسبب بسيط هو أن تلك الشعارات صادرة من جمهور الملعب وكلنا يعرف كيف يفكر ويتعامل جمهور الملاعب مع الفرق المنافسة حتى وإن كانت جزائرية، وذلك يحدث في كل ملاعب العالم، ولا يمكن القياس عليها أو اتخاذ ردود فعل جدية بناء عليها، ولو أن الخضر لعبوا مقابلة الذهاب في طرابلس لسمعوا من الشعارات ما يستحق الغضب، لكن ذلك لن يبرر للجزائريين - مثلا - مهاجمة السفارة الليبية وتهديد حياة الدبلوماسيين، غير أن ذلك حدث في طرابلس، وكاد يتحول إلى مأساة، خاصة مع الانفلات الأمني الحاصل في ليبيا بدليل مقتل السفير الأمريكي بتلك الوحشية، وهنا نتساءل عن مسؤولية الحكومة الليبية الجديدة في الحفاظ على حياة الدبلوماسيين، لأنه من المفزع أن ترى بعض المتعصبين في ليبيا يعتلون أسوار السفارة الجزائرية ويحرقون العلم الوطني دون أن تتحرك الحكومة الجديدة‮.‬

كل هذا الغضب وهذه الثورة من أجل جملة شعارات أطلقها جمهور الملعب الذي أثبتت التجارب أنه لا يعترف بالخطوط الحمراء في استقبال المنافسين، وهو سلوك يحدث في أغلب ملاعب العالم ولا يجب أن تحاسب عليه الشعوب والحكومات، لكن مهاجمة السفارات وقتل السفراء أو تهديد حياتهم،‮ ‬سلوك‮ ‬مشين‮ ‬تحاسب‮ ‬عليه‮ ‬الشعوب‮ ‬والحكومات،‮ ‬خاصة‮ ‬عندما‮ ‬يتعلق‮ ‬بضيوف‮ ‬أجانب‮ ‬أعطوا‮ ‬الأمان‮.‬

جمهور الملاعب لا يسلم منه أحد حتى الوزراء والرؤساء والمشاهير، وعندما يتعلق الأمر بالجزائر، فإن من يدخل الملعب من هؤلاء يجب أن يتحمل فاتورة حصيلته في التعامل مع الشعب، وليعلم الأشقاء الليبيون أن جمهور ملاعبنا لم يرحم أبناء جلدته، يوصل لهم رسائل الغضب والاحتجاج‮ ‬حتى‮ ‬بطرق‮ ‬ووسائل‮ ‬غير‮ ‬مقبولة،‮ ‬ولكن‮ ‬في‮ ‬النهاية‮ ‬هو‮ ‬جمهور‮ ‬امتلك‮ ‬الحرية‮ ‬المطلقة‮ ‬على‮ ‬مدرجات‮ ‬الملاعب‮ ‬ولا‮ ‬يملك‮ ‬أحد‮ ‬الحد‮ ‬منها‮ ‬أو‮ ‬مصادرتها‮ ‬وهي‮ ‬قناعات‮ ‬تعبر‮ ‬عن‮ ‬فئات‮ ‬من‮ ‬المجتمع‮ ‬وليس‮ ‬المجتمع‮ ‬كله‮.‬

الجميع مقتنع بأنه لا مجال لإهدار العلاقات بين الجزائر وليبيا من أجل مقابلة في كرة القدم، ونحن كجزائريين اكتوينا بإساءات وحماقات النظام المصري البائد ندرك جيدا من الدروس ما يجعلنا أحرص الناس على علاقاتنا مع الأشقاء العرب، بدليل أننا ومنذ لقاء الذهاب ندفع في اتجاه قتل كل براثن الفتنة، بينما سمعنا أمس من مدرب المنتخب الليبي أن وزير الشباب والرياضة الليبي وتحت ضغط شعارات الجماهير أوعز للاعبين بالانسحاب من الملعب، وهو سلوك إن صح دليل على قصر نظر هذا المسؤول وافتقاده لثقافة الدولة، لأن الوزير الحقيقي هو الذي يحتوي المشكلة، ويحرص على المواقف الدبلوماسية ولا يتحول إلى وقود للتحريض. والمهم لنا في الأخير أن المدرب واللاعبين الليبيين كانوا أعقل من حكومة الثوار التي تصرف وزيرها هكذا وعجزت هي على حماية السفارة الجزائرية في طرابلس ومنع إحراق العلم الجزائري.

الشعب الجزائري حر في أن يساند القذافي أو يعاديه، وحر في أن يدعم الثوار أو يتوجس منهم خيفة على ليبيا ومستقبلها، مثلما كان حرا في دعم ثورتي تونس ومصر ومثلما هو حر في رفض التدخل الأجنبي في سوريا، وهو يفرق بين واجب الضيافة في مقابلة كرة قدم وبين مواقفه من قضايا الأمة، حتى وإن عبّر عن ذلك مشجعو الملاعب بطرق تمس بالمشاعر، لكن أبدا لن يكون ذلك مبررا لخلق عداوات جديدة مع الإخوان والجيران والأشقاء، لأن الموقف لا يباع ولا يشترى... ومثله تماما حق الجوار والأخوة.