• الأبناء لم يتجاوزا مستوى السنة الأولى ابتدائي بسبب ظروفهم المأساوية
  • أكياس بلاستيكية وبرميل حديدي لقضاء الحاجة بدل المرحاض
author-picture

icon-writer راضية.م

بنبرات الحزن والأسى، ودموع تكاد تخنق نبرات صوتها، استقبلتنا السيدة سهيلة وهي أم لـ8 أطفال، شاءت الأقدار أن تشرد الحياة عائلتها، بعدما صفدت الابواب في وجهها، لتجد نفسها مجبرة على اتخاذ عربة "فورغون" من نوع "ماستر" مأوى لعائلتها وزوجها الذي يعاني من بطالة خانقة، مما زاد من تأزم وضعية العائلة التي تعاني من أمراض صحية متعددة، واضطرابات نفسية تكاد تعقد حياتهم، بعدما اضطرت الظروف أبناءها إلى ترك مقاعد الدراسة في سن مبكرة لا تتعدى السنة الأولى فقط.

كانت عقارب الساعة تشير الى الحادية عشر والنصف من صبيحة امس، عندما شددنا الرحال نحو مدينة الورود البليدة، بصعوبة كبيرة تمكنا من العثور على منزل عائلة بركان، القاطنة بمدخل الولاية وبالتحديد بخزرونة، وبإلحاح الزوجة علينا لكي نرفع آهاتها، انتظرناها مدة من الزمن لتلتحق بنا حتى توصلنا الى بيتها، وأي بيت ذاك الذي قضت به 5 سنوات كاملة، عانت فيه مختلف اشكال الشقاء والحرمان، فلا دورات مياه، ولا كهرباء ولا حتى مياه تعيد احياء عائلة جفت قلوبها، وتآكلت اجسادها من شدة المعاناة. السيدة سهيلة ذات 48 سنة، تروي ماساتها والدموع تنهمر دون توقف، بعدما سدت في وجه عائلتها كل ابواب المسؤولين، الذين طرقتهم الواحد تلو الآخر، لكن دون جدوى، في الوقت الذي اكدت ان الوضعية تلك اثرت على نفسيتها، حيث تتابع لدى طبيب نفسي رفقة 4 من أبنائها، في حين تشير الى تدهور حالتها الصحية، والدليل جسمها الذي يزيد في النحافة من يوم لآخر، نتيجة تعرضها لميكروب، حسبما اكدته التحاليل الطبية. دخلنا العربة الفورغون" المتواجد بحظيرة للشاحنات بخزرونة، لحمل آهات العائلة، فلم نجد يومها سوى الأم وابنها "مخلوف"، في حين كانت البقية ما بين التشتت لدى الأهل والأحباب، أما الصغرى دلال فالوحيدة التي ساعفها الحظ في مزاولة دراستها، حيث توسلت إلينا الأم ان نحمل صورا لها داخل العربة، كونها لم تعد تخشى الفضيحة او نظرة المجتمع الدونية إليها، تنظر الى آلة التصوير بنظرة قوية تحسب انها كاميرا تنقل صوتها وصورتها، وتحكي قصتها عن ظهر قلب، وكأنها كانت تحضر نفسها لزيارة صحفية منذ زمن بعيد، جسمها النحيف لم يكن عائقا امام تحركها يمينا ويسارا داخل وخارج العربة، حتى تظهر صور معاناة عائلتها، تتوقف قليلا ثم تنطلق في سرد قصتها المأساوية، فتقول سهيلة إنها ومنذ زواجها لم تعرف طعم الراحة والسعادة بسبب افتقادها لمسكن عائلي، حيث اضطرت وزوجها لاستئجار شقة تلو الاخرى، كلما انتهت مدة العقد بين الطرفين، آخرها تلك التي طردت منها شر طردة، بعدما اضطرت العائلة المستأجرة لرمي اغراضها إلى الشارع، فلم تجد العائلة وقتها سوى اللجوء الى فندق المدينة، حيث قبعوا باحدى غرفه ما يزيد عن عام ونصف، ليضطر صاحبه هو الآخر الى طردهم مجددا إلى الشارع، وهو الخبر الذي بلغ مسامع بعض الخيرين من ابناء المنطقة، الذي قرر منح عربته للعائلة كماوى مؤقت لها إلى حين ايجاد سكن لائق يحويها، وذلك منذ 5 سنوات ، غير أن اوضاع العائلة لا تزال على حالها منذ تلك الفترة الى يومنا، دون ادنى تدخل من أي جهة مسؤولة، بالرغم من الاضطرابات الطبيعية التي مرت بها المنطقة، والشكاوى والمراسلات المرفوعة.

صدمتنا تعدت كل التصورات عندما سألنا السيدة سهيلة عن مكان قضاء الحاجة، فأشارت باصبعها الى برميل حديدي بالقرب من العربة، مملوء بالفضلات، حيث يعمد الزوج حسبما اكدته الى انتظار مدة ملئه بالفضلات اليومية والبيولوجية لحرقه في مكان بعيد، اما عن الكهرباء والماء، فتقول الأم ان احد المحسنين يمنحهما لهم لفترة زمنية تنطلق من السابعة والنصف ليلا الى غاية السابعة والنصف صباحا من اليوم الموالي حتى يتمكنوا من استغلالها في أشغال يومية، في حين تضطر الأم إلى غسل الملابس في ساحة الحظيرة، ونشرها في اسلاك موصولة ما بين شاحنة واخرى، حتى تجف، سيما وأن العائلة لطالما اشتكت من القطرات التي تتشكل نتيجة الرطوبة، جراء انعدام دخول أشعة الشمس الى العربة، التي أضحت تشكل خطرا كبيرا على صحة العائلة. السيدة سهيلة وبعد يأسها من الوضعية، قالت لنا وبنبرة حادة في آخر لقائنا: "راني رايحة نهمل ولا أنتحر، ولا غير يضربني كاميون ونتهنا من الحالة لي راني عايشتها".