• صدام قال عن الشاذلي: "هذا الرجل لم يكذب معي ولو مرة"
  • السوريون هم من أعدوا مسار طائرة محمد الصديق بن يحيى
author-picture

icon-writer حاوره: فؤاد.ع

يحلل الدكتور أحمد شوتري تسيير العراقيين لحرب الخليج الثالثة، على مستوى الإعلام، ويتوقف مطولا عند شخصية الصحاف، الذي احتك به لما عمل تحت إشرافه سنة ونصفا في قيادة الحزب. وينتقل عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، في الجزء الأخير من الحوار الذي أجرته معه "الشروق"، إلى الحديث عن العلاقات الجزائرية ـ العراقية في زمن حكم البعث، فينفي بشدة رواية تسميم العراقيين الرئيس هواري بومدين، وإسقاط وزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى، ويسوق عددا من الحجج لنفي التهمة عن صدام، الذي ينقل عنه إكباره مواقف الجزائر، وإشادته بالرئيسين بومدين والشاذلي. وينوه الدكتور بدور الجزائر، في التخفيف من عبء الحصار عن العراق في عهد الرئيس السابق اليمين زروال.

.

ما معلوماتكم عما يجري من تصفية للعلماء والطيارين العراقيين ومن الجهات التي تقف وراءها؟

لما دخل الاحتلال دخل معه الإسرائيليون، وصاروا يتعقبون العلماء العراقيين، ولحد الساعة قتلوا 300 عالم في كل الاختصاصات من النووي إلى الزراعة وغيرها، هدفهم تصفية أسس التقدم للعراق لمنعه من تكرار تجربته الفريدة.

أما الطيارون فيتعقبهم الإيرانيون، أينما كان طيار عراقي فالإيرانيون وراءه، يريدون الانتقام من الطيارين لدورهم في الحرب مع إيران، وليس الطيارون فقط، ففي أكتوبر الماضي اغتيل اللواء الركن خالد حاتم الهاشمي، قائد الفرقة 51 بالجيش العراقي، في العاصمة اليمنية التي لجأ إليها بعد الاحتلال، وهو لعب دورا كبيرا في التصدي للاحتلال في البصرة، واغتاله الإيرانيون للانتقام من دوره في الحرب مع إيران.

.

توصف حرب الخليج الثالثة بكونها حربا إعلامية بامتياز، لاسيما مع دور الصحاف المثير للجدل، ما رأيكم في شخصية الصحاف وأدائه؟

الصحاف عرفته مثقفا كبيرا، وهو شيعي من بابل، ومن عائلة مثقفة فخاله علي الوردي يأتي بعد ابن خلدون في علم الاجتماع، حتى بوش كان يشهد له بهذا.

والصحاف مناضل كبير وقديم في البعث، وفي 1968 كان على رأس المجموعة التي سيطرت على الإذاعة، لأنه كان ضابط احتياط، وهو ذكي جدا ومنضبط، وهو في غاية الأدب واللباقة.

وحدث أن أصيب مسؤول الإعلام والثقافة في قيادة الحزب الدكتور إلياس، وهو سوري، بجلطة ولازمه المرض سنة ونصف سنة، فرشحني لخلافته في إدارة المكتب، الذي يعد أخطر مكتب، ويضم خيرة المثقفين العراقيين والعرب من بينهم السيد الصحاف لمدة سنة ونصف سنة.

.

هناك انتقادات كبيرة للصحاف، واتهامات له بممارسة التضليل والدعاية الكاذبة، كما أن ثمة من قال إنه كان يتخابر مع الأمريكيين، ويوجه لهم رسائل مشفرة في ندواته الصحفية بدليل أن الأمريكيين أخلوا سبيله. ما رأيكم في هذه الانتقادات والتهم؟

أصحاب القلوب المريضة هم من يسخرون من الصحاف، في حين أن أول من أشاد به هم العدو، بوش نفسه قال إنه معجب بالصحاف، وكان يقطع الاجتماعات لمتابعة ندواته الصحفية، الصحاف قائد في حرب ولم يكذب، الصحاف كان يذكر ما هو حاصل فعلا، ويقول نترك الأفعى تتمدد ثم نقطعها، يقصد (القوات الأمريكية)، وهذا ما كان، الصحاف كانت له طريقته الإعلامية، فهو في الأصل صحفي وعمل مديرا للإذاعة.

.

لم لم يتم اعتقاله على غرار باقي كبار المسؤولين؟

لقد حدد الأمريكان قائمة بـ 55 شخصية، من كبار القادة السياسيين والعسكريين، ممن اعتبرتهم أصحاب القرار، والصحاف كان وزيرا منفذا ولم يكن مقررا، ومعظم الوزراء الذين أوقفوهم، استجوبوهم ثم أطلقوا سراحهم، والصحاف أحدهم، كما أنهم خافوا من التعرض للصحاف، نظرا لشعبيته في أرجاء العالم وهو شخص محبوب في العالم أجمع.

.

في مجال الحرب الإعلامية دائما، البعض يتهم العراق بالإفراط في الدعاية، مثل قصة الفلاح العجوز، الذي أسقط طائرة أباتشي ببندقية تعود إلى الحرب العالمية الأولى ما تعليقكم؟

قصة الفلاح علي عبيد المنقاش حقيقية، وأسقط فعلا الطائرة والعراقيون نقلوها على متن شاحنة، وبندقية "البرنو" قوية جدا رغم قدمها، حتى أن من يطلق منها النار، قد يسقط أرضا لقوة ارتدادها.

.

هل فعلا ابتهج العراقيون بسقوط بغداد مثلما شاهدناه في ساحة الفردوس مثلا؟

ما حدث في ساحة الفردوس مجرد فلم، جرى الإعداد له في إحدى دول أوروبا الشرقية، باعتراف المخرج الذي أشرف على تلك المشاهد، ومن ظهر في ساحة الفردوس هم عراقيون عملاء تدربوا على تلك المشاهد، والرجل الذي كان يضرب تمثال صدام بالحذاء، هو حارس شخصي لأحمد الجلبي.

.

ما صحة الأنباء التي تحدثت عن مشاركة قوات عربية في الحرب على العراق؟

ثبت مشاركة كويتيين وربما سعوديين أو أردنيين مع الجيش الأمريكي كأدلاء، وشخصيا عندما كنت في رحلة مغادرة العراق، استوقفنا حاجز للجنود كان معهم رجل بزي عسكري يحمل رتبة عقيد، تعرف المرافقون على أنه كويتي.

.

وأنتم دكتور أين كنتم ساعة سقوط بغداد؟

كنت في شمال بغداد في بيت عادي وسط المواطنين أجرته، من ضابط عراقي متقاعد، وفي الرابع أفريل استدعاني طه ياسين رمضان أنا وباقي أعضاء القيادة القومية إلى مدرسة اتخذها مقرا له، فذهبنا هناك تحت القصف، وكنت أحمل سلاحي الكلاشنكوف ومسدس، وأرتدي الزي العسكري، لما وصلنا أبلغنا الأستاذ طه اعتذار الرئيس عن الحضور، وقال لنا على لسانه "إننا مقبلون على مرحلة لم يعد لكم دور فيها، ومن استطاع منكم الخروج فليفعل". فغادرت برا إلى الأردن رفقة عائلتي بعد 6 أيام من الاحتلال قاطعا مسافة 500 كلم داخل الأراضي العراقية، وصادفتني العديد من الحواجز العسكرية الأمريكية، ولو عرفوا هويتي لاعتقلوني ويعلم الله ما كان مصيري ساعتها.

.

هل حزن العراقيون على صدام؟

أعطيك الجواب على لسان شيخ لا يعرفني، التقيته صدفة في متجر كان يقول "صدام قدرنا بسلبياته وإيجابياته". غالبية العراقيين تحب صدام، وحتى الذين لا يحبونه يحترمونه، ويكبرون فيه شجاعته وعنفوانه.

كما أن العراق كان على مر التاريخ مضطربا، ولم يعرف العراقيون الأمان والاستقرار إلا في عهد البعث والرئيس صدام. صحيح أنهم كانوا يتطلعون، مثل باقي الشعوب، إلى عيشة أفضل. وفيهم من كان يريد حرية أكثر، لكن كما أسلفت الغالبية مع صدام والباقي يحترمونه.

.

لعل دائرة تأييد صدام تنحصر وسط العرب السنة فقط وليس باقي مكونات المجتمع العراقي من شيعة وأكراد وغيرهم؟

البعث 60 بالمائة من مناضليه وكوادره من الشيعة، والعملاء من حزب الدعوة يقرون بذلك، والذين يقاومون اليوم هم من الشيعة، والذين قاتلوا إيران الخمينية هم من الشيعة.

كما أن القيادة القطرية للحزب، تضم 18 عضوا 11 منهم شيعة، وهم من كانوا يقررون مصير العراق، فلا يمكن للشيعة أن يضطهدوا أنفسهم.

وكان منهم الوزراء وكبار القادة، مثل سعدون حمادي والصحاف وغيرهم كثيرون.

.

ننتقل الآن إلى العلاقات الجزائرية ـ العراقية، في عهد صدام، ماذا تقولون لنا في هذا الباب بناء على صفتكم الحزبية وإقامتكم في العراق، فضلا عن كونكم جزائريا؟

صدام كان كثير الإشادة بالرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد، ويتحدث عنهما باحترام شديد، وقال لي عن الشاذلي: "هذا الرجل لم يكذب معي ولو مرة"، كما كان يقدر موقف الرئيس زروال وقت الحصار، والعلاقات وصلت إلى أحسن مستوياتها في عهد الرئيس زروال، يومها قدمت الجزائر خدمات كبيرة للعراق المحاصر، بعضها لا يمكن ذكره، أما ما هو معروف منها ومتداول، نجد منه تبادل البعثات الطلابية، ما كان يعد كسرا للحصار ورفعا للمعنويات، وفي إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، استورد العراقيون سلعا كثيرة من الجزائر، كما أن الجزائر كانت في كل المحافل الدولية، ترافع لرفع الحصار عن العراق.

كما أن العراقيين يحفظون للجزائر، موقفها في القمة العربية الطارئة لما كانت ضمن مجموعة الثمانية، التي اعترضت على تسويغ العدوان الثلاثيني على العراق.

.

لكن هناك من يتهم صدام باغتيال بومدين، ومنهم وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، كما أن صدام متهم أيضا بإسقاط طائرة وزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى، لأنه، حسب أصحاب هذه الاتهامات، كان منزعجا من الوساطة الجزائرية بين العراق وإيران. ما رأيكم في هذه الاتهامات؟

هي افتراءات باطلة، ما الفائدة التي كان صدام سيجنيها من اغتيال بومدين؟ وهما صديقان حميمان حتى أن بومدين كان لما يزور العراق يقيم في المنزل الشخصي لصدام. كما أنه ثبت أن المادة التي استخدمت في تسميم بومدين هي نفسها التي استخدمت في تسميم عرفات وقبله وديع حداد وهذان الأخيران فلسطينيان، هذا معناه أن الجهة التي قتلت الثلاثة واحدة. وما يروجه طلاس وعملاء عراقيون مجرد "تهويش"، نتاج عن حقد دفين ولا ندري لمصلحة من يروجون هذه الأكاذيب.

وبالنسبة لإسقاط طائرة بن يحيى نطرح السؤال نفسه : ما مصلحة العراق في ذلك؟ بل على العكس العراق كان يسعى لإنهاء الحرب منذ أسبوعها الأول وكان مرتاحا للوساطة التي يقودها بن يحيى، وإسقاط طائرة بن يحيى يضر بمصلحة العراق.

من أسقط الطائرة له مصلحة في إطالة أمد الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبن يحيى قبل وفاته قضى الليلة في سوريا والسوريون هم من أعدوا مسار الطائرة، وبخصوص ما قيل عن ضرب الطائرة بصاروخ روسي فتلك الصواريخ لا توجد عند العراق وحده بل موجودة عند سوريا وحتى إيران التي زودها بها القذافي.

.

ختاما ما الذي قدمه صدام للعرب والفلسطينيين خاصة؟

أفضاله على الأمة العربية، لا تعد ولا تحصى، الرئيس المدير العام السابق لسوناطراك السيد عطار، روى مؤخرا كيف أن الجزائر احتاجت في التسعينيات لأموال، فقال صدام للمسؤولين الجزائريين، نحن محاصرون، لكن إذا استطعتم إخراج النفط وبيعه فتفضلوا خذوا ما شئتم وبيعوه. الأردن كان يقدم لها 50 بالمائة من حاجياتها النفطية مجانا، والـ 50 بالمائة الباقية بأسعار تفضيلية. وعندما اندلعت ثورة الخبز في الأردن في العام 1986، كان صدام يطوف بالهيليكوبتر على القرى ويهدئ الناس، ومنح الملك حسين أموالا طائلة حل بها مشاكله وقتها، ولا نحكي عن العمالة المصرية والعربية الأخرى التي كانت تجربة فريدة في العلاقات العربية العربية.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فحدث ولا حرج، ومن ذلك أنه شكل لجنة أناط رئاستها بطه ياسين رمضان، وأمره بصرف تعويض لعائلة كل شهيد وجريح، وتعويض عن كل بيت يهدم وكل شجرة تقطع، وحدث انه توفي طبيب ألماني كان متطوعا لعلاج الفلسطينيين، فأمر صدام بصرف تعويض لعائلته. وذات مرة حدث موقف كنت شاهدا عليه، حيث جاء الأستاذ طه وقال للرئيس إن ميزانية اللجنة تكاد تنفد، فرد عليه الرئيس "دونك وزارة المالية والبنك خذ منها ما تريد من دون العودة إلي ولا تأتيني إلا إذا كنت ستطلب مني بيع ثيابي لأجل فلسطين، ويكفي أنه استشهد وهو يهتف بحياة فلسطين. ولا ننسى أنه أول من ضرب تل أبيب بإطلاق 44 صاروخا على إسرائيل وصلت 39 منها، مما غير من استراتيجية الحرب، وجعل إسرائيل تنسحب بعدها من جنوب لبنان، وبعدها دخل سلاح الصواريخ المعركة فكانت تجربة حزب الله وغزة، وصارت إسرائيل تدرك أن الاحتفاظ بأراضي الغير باهظ الثمن وغير مجد.