• كيف‮ ‬تسلّلت‮ ‬هذه‮ ‬الجماعات‮ ‬بسهولة‮ ‬مرعبة‮ ‬في‮ ‬عمق‮ ‬التراب‮ ‬الوطني‮ ‬دون‮ ‬مواجهة؟
author-picture

icon-writer حاوره‮: ‬لخضر‮ ‬رزاوي‮ ‬

دقّ محمد شفيق مصباح، الضابط السامي السابق والخبير في العلاقات الدولية والقضايا الإستراتيجية، ناقوس الخطر بخصوص تداعيات موافقة الجزائر على فتح مجالها الجوي أمام الطائرات الفرنسية للتصدي للجماعات الإرهابية في شمال مالي، وأكد أن عملية عين امناس ليست إنذارا للأطراف‮ ‬الغربية‮ ‬فحسب‮ ‬بقدر‮ ‬ما‮ ‬هي‮ ‬إنذار‮ ‬للجزائر،‮ ‬متسائلا‮ ‬عن‮ ‬تسلل‮ ‬منفذي‮ ‬العملية‮ ‬بتلك‮ ‬السهولة‮ ‬من‮ ‬دون‮ ‬أدنى‮ ‬مواجهة‮ ‬من‮ ‬مصالح‮ ‬الأمن‮.‬

‬ما‮ ‬هي‮ ‬قراءتكم‮ ‬الأولية‮ ‬للعملية‮ ‬الإرهابية‮ ‬التي‮ ‬استهدفت‮ ‬قاعدة‮ ‬بترولية‮ ‬بعين‮ ‬أمناس؟‮ ‬وهل‮ ‬ستتوقف‮ ‬بعين‮ ‬أمناس‮ ‬أم‮ ‬أنها‮ ‬ستستهدف‮ ‬مواقع‮ ‬أخرى‮ ‬في‮ ‬الشمال؟

ما يجري حاليا في عين أمناس هو بيّنة عن احتمال وارد لانتشار الفوضى في التراب الوطني، وتغلغل الجماعات الإرهابية في الصحراء الجزائرية، وهذه العملية ليست إنذارا بالنسبة للأطراف الغربية وحدها (فرنسا، بريطانيا)، ولكن هذا الإنذار الدموي موجه للجزائر كذلك بعد أن فتحت مجالها الجوي للطيران الحربي الفرنسي للتصدي للجماعات المسلحة في شمال مالي. من جهة أخرى شاهدوا كيف تسلّلت هذه الجماعات الإرهابية بسهولة مرعبة في عمق التراب الوطني، واعتدت على منشآت استراتيجية من دون أن تواجهها بالفعالية المتوقعة القوات الأمنية المختصة،‮ ‬وما‮ ‬يمكن‮ ‬قوله‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الباب،‮ ‬هو‮ ‬تأكيد‮ ‬الخطر‮ ‬الذي‮ ‬خيّم‮ ‬على‮ ‬الجزائر‮ ‬‭-‬‮ ‬حذار‮.. ‬حذار‮.. ‬حذار‮.‬

‭ ‬ما‮ ‬هي‮ ‬التطورات‮ ‬العملياتية‮ ‬التي‮ ‬تتوقعونها‮ ‬بعد‮ ‬التدخل‮ ‬العسكري‮ ‬الفرنسي‮ ‬في‮ ‬مالي؟

اعتمادا على تدابير عسكرية تقليدية، يبدو لي مستحيلا توصل فرنسا إلى حل مشكل تواجد الجماعات الإرهابية في شمال المالي، لا الجوار البشري ولا المناخ بتحولاته المفاجئة ولا الجغرافيا بأوصافها الفنية تسمح بالوصول إلى حل عاجل ودائم لانتشار أعمال العنف في شمال مالي،‮ ‬ما‮ ‬يتطلبه‮ ‬الوضع‮ ‬الميداني‮ ‬هناك‮ ‬هو‮ ‬الالتحام‮ ‬بسكان‮ ‬المنطقة‮ ‬والعمل‮ ‬الاستخباراتي‮ ‬عن‮ ‬كثب،‮ ‬ويبدو‮ ‬أن‮ ‬تلبية‮ ‬هذا‮ ‬المطلب‮ ‬أمر‮ ‬مستبعد‮ ‬على‮ ‬المدى‮ ‬القريب،‮ ‬والأرجح‮ ‬إذن‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬تتّجه‮ ‬الأوضاع‮ ‬إلى‮ ‬التعفن‮.‬

‭‬كيف‮ ‬تتصورون‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬الجزائر،‮ ‬عواقب‮ ‬هذا‮ ‬التدخل‮ ‬العسكري؟

إذا اتجهت الأوضاع الميدانية إلى التعفن، فلن يكون من المستبعد امتداد العنف إلى التراب الجزائري، مع احتمال المساس بالوحدة الترابية وتماسك المجتمع الجزائري، في هذا السياق، يمكن أن يلاحظ المراقب للأوضاع الداخلية في الجزائر، أن الرأي العام الجزائري متخوف من تطورات‮ ‬الوضع‮ ‬على‮ ‬حدود‮ ‬البلاد‮ ‬الساحلية،‮ ‬على‮ ‬أية‮ ‬حال،‮ ‬أعتقد‮ ‬أن‮ ‬المؤسستين‮ ‬العسكرية‮ ‬والأمنية‮ ‬لا‮ ‬تنظران‮ ‬بعين‮ ‬الرضى‮ ‬إلى‮ ‬تطور‮ ‬الأزمة‮ ‬المالية،‮ ‬سواء‮ ‬من‮ ‬الجانب‮ ‬السياسي‮ ‬أو‮ ‬من‮ ‬الجانب‮ ‬العمالياتي‮.‬

‭‬هل‮ ‬تعتقدون‮ ‬أن‮ ‬الموقف‮ ‬الجزائري‮ ‬من‮ ‬أزمة‮ ‬مالي‮ ‬قد‮ ‬عرف‮ ‬حقيقة‮ ‬تحولا‮ ‬جذريا‮ ‬مع‮ ‬التدخل‮ ‬العسكري‮ ‬الفرنسي؟‮ ‬وما‮ ‬هي‮ ‬الاعتبارات‮ ‬التي‮ ‬أدّت‮ ‬إلى‮ ‬هذا‮ ‬التحول؟

اعتقد شخصيا أن التحول الذي تشيرون إليه قد بدأ يفرض نفسه منذ زمن، لا يخفى عليكم أن عهد القطبين المتصارعين قد ولى، كما اضمحلت حركة عدم الانحياز، في ظل ذلك الاتجاه، بدأت الدبلوماسية الجزائرية تتراجع عن مواقفها الصلبة لا سيما ما تعلق منها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، فيما يتعلّق بالمالي، أصبحت الجزائر غير قادرة على فرض مواقفها الإستراتيجية كقوة رائدة في المنطقة، في المقابل تعفُّن الوضع في شمال المالي وبروز الخطر الأمني على مالي ومنطقة الساحل بل وحتى بالنسبة للمعسكر الغربي، جعل الوضع لا يطاق. هذا من زاوية الأمن القومي، أما بالنسبة للوضع السياسي الداخلي، بعض أصحاب القرار في الجزائر اعتبروا أن مسايرة متطلبات المعسكر الغربي في الساحل له مبرراته ما دام المسعى يخدم ترشح السيد عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة رئاسية جديدة من دون المرور بإصلاحات مؤسساتية جذرية‮.‬

‭‬هل‮ ‬تعتبرون‮ ‬أن‮ ‬الموقف‮ ‬الجزائري‮ ‬الحالي‮ ‬من‮ ‬أزمة‮ ‬مالي‮ ‬جاء‮ ‬مقابل‮ ‬تنازلات‮ ‬فرنسية‮ ‬خاصة‮ ‬بالوضع‮ ‬السياسي‮ ‬الداخلي‮ ‬في‮ ‬بلادنا؟‮ ‬

يمكن أن يؤدي بنا التحليل إلى مثل هذه الفرضية، لا بد وأنّكم لاحظتم كيف أن زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، احتل فيها مدح الرئيس بوتفليقة، حيزا معتبرا إلى حد أن بعض التصريحات الفرنسية كانت تبدو نفاقا، كما أنه لا شك أنكم لاحظتم أن بعض القرارات الحساسة أعلنت عنها الجهة الفرنسية، مثلما كان الحال في ما يخص الترخيص للطائرات الحربية الفرنسية بعبور المجال الجوي الجزائري إلى مالي، فليس وزير الخارجية الجزائري هو الذي أعلن عن ذلك بل نظيره الفرنسي فابيوس، لعل هناك شيئا من التواطؤ بين الطرفين: للطرف الفرنسي أن يمرر موقفه بخصوص الوضع في مالي، على أن يحصل الطرف الجزائري على تجاهل فرنسا لسوء وضع الحريات الديمقراطية في الجزائر، فهل يتعلق الأمر باحتمال ترشح السيد بوتفليقة إلى عهدة رئاسية رابعة دون معارضة المعسكر الغربي وفي مقدمته فرنسا؟ السؤال مطروح.. على أية حال الرئيس الفرنسي‮ ‬هو‮ ‬الأخر‮ ‬مستفيد‮ ‬شخصيا‮ ‬من‮ ‬تطور‮ ‬الأوضاع‮ ‬في‮ ‬مالي‮ ‬لأن‮ ‬نسبة‮ ‬شعبيته‮ ‬كانت‮ ‬منخفضة‮ ‬وبدأت‮ ‬تستقيم‮ ‬في‮ ‬نتائج‮ ‬عمليات‮ ‬سبر‮ ‬الأراء‮ ‬التي‮ ‬تجرى‮ ‬لقياس‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮ ‬الفرنسي‮.‬

‭‬لو‮ ‬طلب‮ ‬منكم‮ ‬تشخيص‮ ‬المرض‮ ‬الذي‮ ‬تعانيه‮ ‬الدبلوماسية‮ ‬الجزائرية،‮ ‬ووصف‮ ‬الدواء‮ ‬لهذا‮ ‬المرض،‮ ‬ماذا‮ ‬يمكنكم‮ ‬أن‮ ‬تقولوا؟‮ ‬

هناك ثلاثة عوامل يمكن أن تفسّر العجز الذي تعانيه الدبلوماسية الجزائرية، العامل الأول يتمثل في فقدان الدبلوماسية الجزائرية لقدرة الاستباق الاستراتيجي، إن الدبلوماسية الجزائرية تفتقر إلى آليات التحليل والاستكشاف والتنظير. العامل الثاني خاص بعدم وجود إجماع وطني حول السياسة الخارجية، رئيس الجمهورية الذي يحتكر القرار الدبلوماسي بين أيديه، لا يهمه بتاتا الوقوف على رأي المتعاملين السياسيين ولا القوى الاجتماعية الحية، العامل الثالث خاص بفقدان الدبلوماسية الجزائرية لنجاعتها المألوفة بحيث أصبحت وكأنها جهاز أصابه الشلل، لا شك أن عجز الدبلوماسية الجزائرية له علاقة بتراجع أداء نظام الحكم في الجزائر بصورة عامة سواء من ناحية الجدية -أي الحصول على النتيجة المحددة سلفا - أومن ناحية الشرعية -أي التوافق والتواصل بين الشعب والحكام-.