• عندما فزنا بكأس إفريقيا مع الوفاق منحونا 2 مليون وتلفزيون وكأننا شاركنا في ما بين الثانويات
  • المصريون قالوا لي "خربت بيوتنا يا عنتر"
author-picture

icon-writer حاوره سمير مخربش

بحيائه المعهود وهدوئه الذي يعد عاملا في نجاحه، استقبلنا عنتر عصماني، الحارس الوحيد الذي فاز بكأس إفريقيا رفقة الخضر، فكان لنا معه لقاء مطولا تحدثنا فيه عن بدايته مع الكرة، وعن وفاق سطيف الذي يعد من أفضل الأندية الجزائرية. كما حدثنا عنتر عن تجربة الوفاق الإفريقية وملحمة الفريق مع الأهلي المصري والكأس الإفريقية للأندية، وقد ركزنا خلال هذا اللقاء عن بعض الحقائق التي تحدث عنها عصماني لأول مرة وتتعلق بنجاته من الموت بعد اعتداء خطير في ملعب قسنطينة، وحديثه السري مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بالإضافة إلى علاقته مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة وتعامله مع أهل الشيعة في السعودية. وقضية التزامه الديني وخلافه مع كرمالي بسبب الصلاة، بالإضافة إلى حقائق أخرى يتحدث عنها عنتر بكل صراحة في هذه الحلقات.

.

بداية أين أنت يا عنتر؟

أنا متقاعد منذ سنتين بعدما عملت في شركة البلاستيك والمطاط التي بقيت فيها لأكثر من 20 سنة، وحاليا أنا أشرف على تدريب الحراس في مدرسة الوفاق.  

 .

حسب علمي أنت موظف ولديك شهادة عكس ما هو معروف عن أغلبية اللاعبين؟ 

نعم، أنا موظف ولدي شهادة تقني سامي في الرسم الصناعي، وهي الشهادة التي دخلت بها إلى الشركة الوطنية للبلاستيك والمطاط بسطيف، وبفضلها دخلت مرحلة التقاعد، والحمد لله فأنا مرتاح لأداء واجبي تجاه الرياضة الجزائرية وتجاه الاقتصاد الوطني، وأما عن الشهادة، فأنا أفتخر بها وإني أستغرب للاعب لا يملك أي شهادة ويتقاضى أفضل من الطبيب الجراح الذي يجري عمليات دقيقة على المخ. فنحن كنا نتقاضى أجرة موظف ونلعب أفضل من الذين يتقاضون الملايير حاليا. 

  .

لما نسمع أن هناك لاعب كرة قدم متقاعد وعامل في شركة، يبدو الأمر غريبا في الوقت الحالي؟ 

نعم، لكن بالنسبة إلينا الأمر عادي، فنحن كنا نعمل بالشركة ككل العمال، ودخلنا الوحيد هو الأجرة الشهرية التي كنا نتلقاها من الشركة، لكن الفرق الوحيد بالنسبة إلينا أننا كنا نعمل في الصباح ونتدرب في المساء وفق قوانين الإصلاح الرياضي.

  .

نفهم من هذا أنكم استفدتم من الإصلاح الرياضي؟

أنا شخصيا أعتبر الإصلاح الرياضي أهم منظومة رياضية أنجزت في الجزائر ويعتبر ثورة في تاريخ كل الرياضات الجزائرية، وقد خدم كل الرياضيين من مختلف الأصناف، كما أن الإصلاح الرياضي كان له الفضل في وقوف الفرق الرياضية على رجليها بعد دمجها في الشركات العمومية التي قدمت لها يد المساعدة، ولم يكن يومها المشكل المالي مطروحا إطلاقا، وقد أعطت هذه السياسة ثمارها في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات، وخير دليل على ذلك مشاركتنا المشرفة في المنافسة الإفريقية وفي المونديال.

  .

هل أنت مع عودة النوادي إلى الشركات؟

بالفعل، هذا الحل الأمثل للفرق حتى تتخلص بصفة نهائية من المشكل المالي وتتحصل على مصدر واضح دون الحاجة في كل مرة إلى البحث عن ممول جديد، كما أن هذه السياسة تسمح بتكافؤ الفرص بين النوادي حتى تكون في نفس المستوى ولها نفس الموارد، وهنا تكون المنافسة شريفة، فمن غير المعقول أن يصرف ناد ما 80 مليارا في الموسم، بينما يصرف ناد آخر 10 ملايير، وننتظر منهما أن يحققا نفس النتائج فهذا لا علاقة له بالعدل والإنصاف.

  .

نعود للحديث عن عنتر عصماني والمداعبات الأولى للكرة؟

ككل اللاعبين الجزائريين البداية كانت في الشارع والأحياء الشعبية بالإضافة إلى المدرسة، فأنا كنت أدرس بمدرسة بن يحيى بحي بوعروة، وكنا نشارك في دورات محلية بين المدارس والأحياء ومن خلالها يقوم المختصون بانتقاء ألمع العناصر. مع العلم أنني مارست عدة رياضات وقبل أن ألعب كرة القدم كنت حارس في كرة اليد.

  .

وهل يمكن لحارس في كرة اليد أن يصبح حارسا في كرة القدم؟

ولما لا، ما عليه إلا أن يطور مهاراته وبإمكانه أن ينجح مثل العديد من اللاعبين الذين كانوا يمارسون رياضات أخرى ونجحوا في ميدان كرة القدم.

  .

لكن من الذي اكتشفك في ميدان كرة القدم؟

 اكتشفني حينها المدرب بوعلام سنوساوي، حيث تنبأ لي بمستقبل زاهر وطلب مني اللعب مع اتحاد سطيف وكان ذلك في بداية السبعينيات، حيث انخرطت في صفوف الأصاغر، رفقة اللاعب بولحجيلات ورحماني وبعدها التحقنا بوفاق سطيف.

  .

أغلبية اللاعبين بسطيف بدأوا في الاتحاد ثم تنقلوا إلى الوفاق هل هناك سر؟

لا يوجد أي سر، كل ما في الأمر أن أبواب اتحاد سطيف كانت مفتوحة للجميع والاتحاد كان معروفا بطابعه الشعبي ويستقبل اللاعبين من مختلف الأحياء الشعبية، بينما الوفاق كان بمثابة الطموح الذي يحلم به الجميع والذي لا يمكن الوصول إليه بسهولة.

   .

في رأيك لماذا لم ينجح الاتحاد بالرغم من أنه الأقدم بسطيف؟

اتحاد سطيف لم ينجح بسبب مشكل في التسيير، فالذين تداولوا على رأس النادي لم يكونوا في المستوى، ولم تكن لهم أي إستراتيجية للنهوض بالفريق. كما أن الاتحاد تراجع إلى الأقسام الدنيا قبل انطلاق الإصلاح الرياضي وبالتالي لم يستفد من هذا البرنامج وظل يتخبط في مشاكل عديدة.  

   . 

فزت مع الوفاق بكأس إفريقيا سنة 1988 وحققتم فوزا تاريخيا على الأهلي وحينها قال المعلقون المصريون بأنك "خرّبت" بيوت المصريين، كيف عشت ذلك الحدث ولم أطلقوا عليك هذا الوصف؟

ينبغي التأكيد أننا فزنا على الأهلي المصري الذي يعد من أكبر الأندية الإفريقية ويومها نحن لم نكن نملك التجربة الكافية بل كانت بدايتنا مع التجربة الإفريقية. وكنا الجيل الذي اكتشف إفريقيا بمشاكلها وصعوبة اللعب في ميادينها، وأما بالنسبة للمصريين فيمكن القول بأنهم قللوا من قيمتنا، خاصة أننا كنا نلعب في القسم الثاني، فكانوا يقولون بأنهم سيفوزون علينا برباعية أو خماسية والصحافة المصرية صغرّت صورتنا، وقالت بأن الأهلي سيتجاوز عتبة الوفاق بسهولة، لكن في نهاية المطاف فزنا عليهم بضربات الجزاء وأمسكت حينها ضربتين وتأهلنا على حسابهم رغم الضغط الكبير الذي مارسوه علينا، فالمهمة كانت صعبة للغاية، حيث رحبوا بنا في البداية، لكن سرعان ما حاولوا استفزازنا، كما أن ضغط الجماهير كان رهيبا، فالمدرجات كانت مملوءة عن آخرها بحضور 100 ألف مناصر، وكانوا يستعملون مكبرات الصوت لإزعاجنا وترهيبنا، لكن الحمد لله نجحنا في امتصاص كل هذا الضغط بفضل حنكة اللاعبين والطاقم الفني، ومن جهتي كنت خصمهم الشرس فقد أنقذت عدة أهداف محققة وأمسكت ضربتي جزاء، كما تعمدت استفزازهم بتضييع الوقت، والمشي ببطء عند جلب الكرة من خارج الميدان ولذلك قالوا عني "عنتر زمانو" وأني خرّبت بيوتهم. ولما فزنا عليهم دخلوا في أزمة كبيرة، حيث تمت إقالة الطاقم الفني الذي كان يضم مدربين من ألمانيا ودخل الأهلي، في نفق مظلم لم يخرج منه إلا بعد مدة.

  .

نفهم من هذا أن الحساسية بين الجزائريين والمصريين موجودة منذ القدم؟

بالفعل الحساسية موجودة منذ القدم، وستبقى لأن المصريين يعتقدون بأن بلادهم هي أم الدنيا، في كل شيء حتى في كرة القدم ولكن بالمقابل وجدوا الجزائريين يحبون التحدي ويرفضون الحڤرة والفرق الجزائرية دوما تفسد عليهم فرحتهم. مع العلم أن الأهلي فريق كبير وكان يضم عناصر لامعة، وكل من فاز عليه في التصفيات نال كأس إفريقيا، الأمر الذي تحقق معنا ومع شبيبة القبائل ومولودية الجزائر ولم تكن المهمة سهلة في كل الحالات. 

  .

لكن رغم ذلك لم يبلغ الأمر حد ملحمة أم درمان؟

نعم الأزمة الأخيرة كانت أكثر حدة بعد دخول العامل السياسي بقوة وتدخل نجل الرئيس السابق حسني مبارك الذي كان يطمع في وراثة الحكم، وكان يبحث عن الشعبية بتهييج جماهير كرة القدم والتطاول على الجزائر، وهي أمور لم تكن متوفرة في السابق.

  .

لوقارنا بين طريقة فوزكم على الأهلي وفوز أم درمان أين يكمن الفرق؟

ينبغي التأكيد أن الحساسية نفسها، لكن في أم درمان فاقت كل الحدود والإعلام المصري بالغ في تعكير الأجواء، غير أنه من حيث اللعب هناك فرق، فالوفاق لما فاز على الأهلي كان ذلك بالنتيجة والأداء وحنكة اللاعبين والمدرب لعريبي رحمه الله، بينما في أم درمان الجماهير الجزائرية هي التي لعبت دورا كبيرا في تحقيق الفوز، كما أن تعرض اللاعبين للاعتداء في حادثة الحافلة بمصر زاد في حرارة الفريق، ودفعه ذلك إلى الثأر بطريقته الخاصة. لكن لو تحدثنا من الجانب الفني المنتخب المصري كان أحسن، لأنه عبارة عن فريق محلي وعناصره اعتادت على اللعب مع بعضها، ولو أنهم تجنبوا تلك المسرحية والاعتداء على اللاعبين لفازوا علينا وتأهلوا إلى المونديال بصفة عادية.

  .

في رأيك كيف نجح الوفاق في تلك الفترة؟

الوفاق حينها كان يضم عناصر لامعة مثل عجاس وسرار ورحموني والأخوين بن جاب الله وعجيسة وزرقان وغريب وغيرهم، وهي المجموعة التي كانت بمثابة الجيل الذهبي بقيادة المدرب لعريبي رحمه الله، وكنا بمثابة عائلة واحدة وكل العناصر من مدينة سطيف، ولعبت مع بعضها لعدة سنوات ولذلك تحقق الانسجام وكوّنا فريقا قويا بفضل المرحوم لعريبي الذي كان لنا بمثابة الأب، فكان يملك شخصية قوية وكنا نحترمه كثيرا إلى درجة أننا كنا نتجنب الالتقاء به في المقاهي أو وسط المدينة.

  .

هل نفهم من هذا أن الوفاق أخطأ عندما استقدم لاعبين من خارج الولاية؟

والله أنا أستغرب هذه الطريقة التي يتم بها استقدام 30 لاعبا من خارج سطيف، وكأن المدينة ليس فيها لاعبين، هذا غير معقول لأنه المعروف عن سطيف أنها ولاية كرة قدم وتعد خزانا للاعبين، بدليل أنها أنجبت أحسن اللاعبين عبر الوطن، سواء في الماضي أو في الوقت الحالي، وآخر مثال على ذلك جابو الذي يعد أحسن لاعب حاليا.

  .

هل يمكن اعتبار هذا نوع من الجهوية؟

لا أبدا لا علاقة لكلامي بالجهوية، بل لا ينبغي باسم العولمة والانفتاح أن نهمش اللاعبين المحليين، ومنهم من يتمتعون بقدرات أحسن بكثير.

  .

بعد فوزكم على الأهلي تأهلتم إلى النهائي وتحصلتم على كأس إفريقيا رغم أن الوفاق كان حينها يلعب في القسم الثاني؟

نعم هذا الذي حيّر الجميع، وحيّر حتى المصريين الذين كانوا يعتقدون بأنهم سيفوزون علينا بسهولة، لكن رغم أن الوفاق نزل إلى القسم الثاني حينها، لكنه كان يملك فريقا متماسكا ويضم عناصر قادرة على رفع التحدي وتجاوز أكبر الفرق.

  .

كيف كان تكريمكم بعد فوزكم بالكأس الإفريقية وكم كانت منحة كل لاعب؟

(يبتسم) تصور بعد فوزنا بكأس إفريقيا للأندية تم استقبالنا من طرف السلطات المحلية بسطيف وأعطوا لكل لاعب 2 مليون وتلفزيونا، هذا كل شيء مقابل إنجاز كبير مثل كأس إفريقيا.

  .

ولما استقبلكم الرئيس الراحل الشاذلي رحمه الله بن جديد؟

أعطانا حافلة للنادي وكفى.

  .

يبدو أن الهدية كانت مخيّبة بالنسبة إليكم؟

بالفعل، فاللاعبون كانوا ينتظرون أكثر من ذلك، ولنَقل كانوا يريدون منحة معتبرة لكل لاعب، لكن خيبتهم كانت كبيرة لأنهم على المستوى الشخصي لم يتحصلوا على أي شيء، فقد أفرحوا الجماهير ومثلوا الجزائر أحسن تمثيل، وفي نهاية المطاف لم ينالوا أي شيء.

  .

وربما هذا هو السبب الذي أدى إلى تراجع الفريق فيما بعد؟

بالفعل الخيبة كانت كبيرة، فرغم المجهودات الجبارة التي بذلها اللاعبون فقد أحسوا يومها أن المسؤولين لم يهتموا بهم، ولا بإنجازهم، بل أهانوهم بجهاز تلفزيون وكأنهم شاركوا في مسابقة ما بين الثانويات.


..يتبع