• تعرّف عن قرب على إسلاميي الجزائر على مدار ربع قرن
  • مالك بن نبي أدخله الجزائر وعباسي مدني هاجمه
author-picture

icon-writer عبد الناصر / ن. بن عيسى / عبدالسلام.س / آسيا شلابي / عبد المنعم شيتور

في التاسع من شهر مارس القادم، تمر الذكرى السابعة عشرة لرحيل أحد أقطاب العالم الإسلامي المعاصر الشيخ محمد الغزالي، الذي رافق أجيالا من الإسلاميين ومن رجالات التوجه الإسلامي في الجزائر، من زمن المفكرين الكبيرين نايت بلقاسم ومالك بن نبي في زمن ملتقيات الفكر الإسلامي في بداية سبعينات القرن الماضي، ومرورا بالصحوة الإسلامية في بداية الثمانينات تزامنا مع قضية الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران والغزو السوفياتي لأفغنستان، وانتهاء بإشرافه على بعث الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر في قسنطينة حيث ترأس المجلس العلمي للجامعة الإسلامية، وعاش الشيخ في عاصمة الشرق الجزائري لمدة قاربت الست سنوات عايش فيها الكثير من الأحداث في المدينة وفي الجزائر، مثل هوس الجزائريين بمنافسة كأس العالم في المكسيك عام 1986 وزلزال قسنطينة الذي بلغت شدته 6.2 على درجة ريشتر وأحداث أكتوبر 1988 .

وكانت له وقفات في كل هاته المحطات من خلال حديث الإثنين الذي كانت تقدمه القناة التلفزيونية الجزائرية، وكان في زمن تواجده في الجزائر كل الإسلاميين الجزائريين قد أينعوا من علي بلحاج إلى عبد اللطيف سلطاني ومحفوظ نحناح والشيخين سحنون وشيبان، وخاصة أبو جرة سلطاني الذي انتقل في تلك الفترة من مدينة الشريعة بولاية تبسة إلى قسنطينة حيث باشر خطبه في مسجد الفتح بحي سيدي مبروك وباشر أيضا خطّ كتيباته، كما أنهى الشيخ عبد الله جاب الله دراسته كطالب في تلك الفترة في نفس المدينة في قسم الحقوق، وبدأ دروسه في جامعة منتوري خاصة في إقاماتها الجامعية مثل زواغي والفيرمة ومحمود منتوري والقصبة. 

.

هكذا بدأت قصة الغزالي مع الجزائر 

كان يقهقه كلّما التقى نايت بلقاسم ويذهله فكر بن نبي 

أول زيارة قادت الشيخ محمد الغزالي إلى الجزائر كانت خلال فعاليات ملتقى الفكر الإسلامي في الجزائر العاصمة في عام 1972 وكان قد بلغ حينها من العمر 55 سنة، حيث كان يشغل الإدارة العامة للدعوة في جامعة الأزهر الشريف .

وانتظمت التظاهرة الفكرية تحت شعار ألفية الجزائر العاصمة مزغنة وبمناسبة الذكرى العاشرة للاستقلال، وهو الملتقى الذي استمع فيه الشيخ الغزالي، لإلياذة الجزائر بصوت شاعر الثورة مفدي زكريا وأدهشته الإلياذة الألفية الرائعة وحفظ بعضا من أبياتها التي رددها بعد ذلك في زيارات لاحقة إلى الجزائر، لأن الشيخ كان من محبي الشعر العربي الفصيح ومن حافظيه، وكانت أول دعوة تلقاها من المرحوم نايت بلقاسم بإيعاز من مالك بن نبي، ورغم أن الشيخ لم يصاحب كثيرا المفكر مالك بن نبي الذي كان ضيفا مثله على الملتقيات السابقة وتوفي بعد ملتقى العاصمة بسنة وبضعة أشهر أواخر سنة 1973، إلا أنه عبّر عن ذهوله من فكر مالك بن نبي وكتب عنه في عدة مناسبات معتبرا إياه أحد أنوار العالم الإسلامي على مدار السنين، كما كان لا يفارق المرحوم نايت بلقاسم في أيام الملتقى وكثيرا ما يظهر يضحك ملء فاه، بسبب الروح المرحة للمفكر نايت بلقاسم، وأذهلته الثقافة الكبيرة للراحل وأيضا إتقانه لسبع لغات كاملة.

وأحبّ الشيخ محمد الغزالي الجزائر وراح يدرس عن رجالاتها، وتوقف طويلا عن سيرة العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكتب عنه في التسعينات الكثير، فكان يقول أنه لا يندهش لزهرة يانعة في بستان كما هو الحال في المشرق العربي، ولكن ما يدهشه أن تزهر في صحراء قاحلة وذاك شأن العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، واعتبر الصحوة الإسلامية في الجزائر الأكثر براءة في العالم العربي. 

.

حصوله على وسام الأثير اعتبروه "عمالة" للشاذلي

الشيخ الغزالي: "لو كنت أبحث عن الجاه والمال لاخترت الخليج العربي"

إذا كان التاريخ يشهد للراحل هواري بومدين بوضع حجر الأساس، وللشيخ أحمد بن عبد الرحمان بمتابعة مشروع الجامعة وجامع الأمير عبد القادر بقسنطينة، فإن الجامعة الإسلامية تدين لشخصين ضمن قافلة الذين بعثوا صرحها وهما الراحل الشاذلي بن جديد الذي دشنها عام 1984 وللراحل الشيخ محمد الغزالي الذي رأس مجلسها العلمي لمدة خمس سنوات كاملة عاشها في مدينة قسنطينة، بعد أن وجد الدعم الكامل من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد، ولولا المرض المركب الذي أصابه لأكمل مشواره في الجزائر، وجمعنا من الطلبة القدامى وبعض الأساتذة بعض الطرفات عن العلاقة الخاصة التي جمعت الشيخ الغزالي والرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وأيضا بعض الأوجاع، ومنها ما حدث في أواخر أكتوبر من عام 1988 عندما كان الشيخ الغزالي يقدّم دروسا كعادته في قاعة مالك بن نبي بالجامعة الاسلامية إذ سأله أحد طلبته من المتشددين السلفيين، عن سرّ العلاقة التي تجمعه مع السلطة في الجزائر.

ورغم أن الشيخ الغزالي حاول التهرّب من السؤال الخارج عن نطاق الدرس الفقهي، إلا أن الطالب قام وبعصبية وقال للشيخ الغزالي: "كلنا نعلم أنك عميل للرئيس الشاذلي بن جديد" وكانت الجزائر في تلك الفترة تعيش فترة ما بعد أحداث أكتوبر، فطأطأ الشيخ الغزالي رأسه ثم ردّ بالحرف الواحد: "لو كنت أبحث عن المال وملازمة الحكام لما رفضت العروض المغرية من ملوك وأمراء الخليج العربي"، مع الإشارة إلى أن الغزالي عندما جاء إلى قسنطينة وقبل بعرض الشاذلي كان حينها رئيسا للمجلس العلمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة وكان قد جاوز سن السابعة والستين.

وهي الحادثة التي قال بعض تلامذة الشيخ بأنهم لم يروه على مدار تدريسه في قسنطينة، أبدا، غاضبا كما حدث خلال هذه المحاضرة حتى أنه غادر المدرج والدمعة تهرب بخفية من جفنيه، ومع ذلك لا الجامعة ولا الدولة عاقبت هذا الطالب، مما يدل على هامش الحرية الكبير في فترة الشاذلي وأيضا في تعامل الشيخ الغزالي مع الأحداث الطارئة، فكان يسامح ويقول أحيانا أن ما يعجبه في الجزائريين هو صراحتهم وتلقائيتهم ولو كانت فيها بعض القسوة، ولاقى الشيخ محمد الغزالي الكثير من الانتقاد من المتشددين، خاصة أن الرئيس الراحل خصّه بوسام الأثير وهو من الأوسمة النادرة التي تُمنح للأجانب، حيث تحدث بعد ذلك الشيخ الغزالي للتلفزيون الجزائري خلال نشرة الأخبار عن الجزائر.

وعن الرئيس الراحل معتبرا إياه من كبار العالم الإسلامي، وذرف الدموع في مشهد ذكّر الجميع بما عاشه الشيخ في الجزائر لمدة خمس سنوات عندما قال له الشاذلي: أريدك أن تحوّل جامعة الأمير عبد القادر إلى أزهر جديد، كما أن الرئيس طلب من الشيخ أن يقدم للجزائريين حديثا أسبوعيا وهو حديث الاثنين الذي فرض توقيته الرئيس على التلفزيون قبل نشرة الثامنة، وواجه الحديث انتقادات المتشددين الذين رأوا نشاط وتعامل عالم دين في تلفزيون دولة عمالة، وربطوا ذلك بالمسلسل الأمريكي دالاس الذي كان يقدمه التلفزيون الجزائري في تلك الفترة حيث تحصلت عليه الجزئر هدية نظير دورها في تحرير الرهائن الأمريكيين من سفارة طهران.

.

لهذه الأسباب غادر الشيخ الغزالي الجزائر

السلفيون انتقدوا وسطيته والعلمانيون اعتبروا صمته تعاطفا مع الفيس

هل غادر الشيخ محمد الغزالي الجزائر عام 1989 بعد أن  ساءت أحوالها السياسية بعد أحداث أكتوبر وقرب موعد رحيل الشاذلي من السلطة؟ هذا ما نفاه الدكتور حسيني علي رضوان وهو صديق الشيخ في سنواته القسنطينية في حديث سابق للشروق اليومي عندما قال: "بلغ سن الغزالي 72 عاما وصار يعاني من آلام في المعدة وأصيب بجلطة دموية، فاستأذن الرئيس ومنحه حق الاختيار، فغادر بالدموع البلد الذي أحبه وودّع بالدموع في حفلة خاصة أيضا الرئيس الذي أحبه"، وللأسف لم تكن علاقة الإسلاميين مع الشيخ الغزالي جيدة، فقد كانوا يحضّرون لبعث أحزابهم السياسية وكان ينادي بالاعتدال ورآه البعض منهم عدوّا لهم ما دام قد صاحب الرئيس.

 .

باقي شيوخ الحركة الإسلامية لم يستفيدوا من علمه

جاب الله كان يسافر من سكيكدة إلى قسنطينة لحضور دروس الغزالي

باستثناء الشيخ عبد العزيز ثابت أحد أشهر الأئمة الشباب في زمن الصحوة الإسلامية في الجزائر من جمعته علاقة أخوية بالشيخ الغزالي وكان يشجع على قراءة كتبه ويستشهد بأقواله، فإن بقية الشيوخ كانوا إما يتفادون الحديث عنه أو ينتقدونه مباشرة، وحضر الشيخ عبد الله جاب الله من سكيكدة عدة مرات للاستماع إلى الشيخ الغزالي، ثم توقف بعد أن زجّ به في زمن الشاذلي بداية الثمانينات في السجن، وبقي الشيخ جاب الله في خطبه ودروسه في جامع الباطوار بحي بني مالك بسكيكدة يتحدث عن علماء المشرق وعلماء الجزائر أيضا مثل الشيخ مرزوق، ولكنه لا يذكر الشيخ الغزالي إطلاقا، وحتى الشيخ أبو جرة سلطاني رغم أنه كان محسوبا على الوسطيين إلا أنه كان يحضر لدروس الشيخ وينهل منها دون أن يقدم ذلك سواء في كتيباته الكثيرة ولا في خطبه في جامع الفتح بقسنطينة.

ولأن الشيخ علي بن حاج اختار علماء السلفية من الشيخ الألباني إلى الشيخين بن باز وصالح العثيمين فكان بعيدا عن فكر محمد الغزالي، وكان الشيخ عباسي مدني يرى الغزالي عالم أنظمة، ورماه بسهامه في عز أيام الحزب المحظور عندما قال أن شيوخ الفيس يقدّرون كل العلماء الأحرار وليس الذين يسيرون في أفلاك الزعماء مثل الشيخ الغزالي، وعاد بعد ذلك ليقول إن الناس أساؤوا فهمه.

والغريب أن الشيخ مكث في قسنطينة مدة جاوزت الخمس سنوات، ولم يكن يغادرها سوى لبضعة أيام في العطلة الصيفية، كما تواجد إلى جانبه الشيخ القرضاوي من سنة 1984 إلى غاية 1986 في نفس المدينة، ومع ذلك لم يكن شباب الصحوة والشيوخ يلتقون بالشيخ محمد الغزالي، وأصبح تلامذته في الجامعة الإسلامية يدرّسون حاليا في نفس الجامعة، بينما انقسم الذين فضلوا اختيار طرقا أخرى دون وسطية الشيخ الغزالي، شيعا بين مهاجر خارج الوطن ومحبوس وغارق في الفتنة.

.

الغزالي نصح الجزائريين بعدم الخوف من الزلزال فثار ضده المتشددون

أثناء تواجد الشيخ محمد الغزالي في قسنطينة، وقع زلزال عنيف في أكتوبر عام 1985 رأت الدولة من خلال قناتها التلفزيونية أن تتجاهله رغم قوته 6.2 على سلم ريشتر، وجعل سكان الصخر العتيق في غياب أي توعية إعلامية يبيتون لمدة قاربت الأسبوع في الشارع في عز الخريف، إلى أن أطل الشيخ محمد الغزالي من خلال حديث الإثنين، وكان في شدة الغضب وهو يقول إنه عرف الجزائريين منذ القدم، شجعانا قدموا الملايين من الشهداء من أجل الحرية، وأنه أحب المدينة برجالاتها مثل الشيخ بن باديس والمفكر مالك بن نبي، وأنه شعر بالألم وهو يرى المواطنين والمواطنات ينامون في الشوارع خوفا من الزلزال.

وكان الشيخ يقطن في مسكن فردي قرب مقر الإذاعة الجهوية وتحيط به عمارات منطقة السيلوك التي يبلغ علوها 14 طابقا، وأثار حديثه جدلا كبيرا في مساجد المدينة التي كان يؤمها شباب من خارج وزارة الشؤون الدينية، وقال أحدهم إن الشيخ يخاف الأنظمة الجائرة ومنها النظامان الجزائري والمصري، ويريد من الأطفال والنساء أن لا يخافوا من الزلزال الذي يدمّر.

.

بعد أن عزله عميد الجامعة عمّار طالبي

هكذا أهين الشيخ الغزالي في قسنطينة

في أكثر المواقف إثارة وحساسية من تاريخ الشيخ محمد الغزالي في الجزائر ما أكّده مصدر مطّلع لـ"الشروق" بأنّ الروح التنافسية التي كانت بين عميد جامعة الأمير عبد القادر عمّار طالبي ورئيس المجلس العلمي فيها الشيخ محمد الغزالي بلغت ذروتها سنة 86 عندما أُعلم الأخير شفويا من طرف طالبي بأنّه تم تقرير إعادة تشكيل المجلس العلمي للجامعة وما يقتضيه ذلك من تغيير لرئاستها، في إشارة إلى إنهاء دور الشيخ محمد الغزالي وخلعه من منصبه، وعلى إثر ذلك- يتابع المصدر- اتّصل الشيخ محمد الغزالي بالشيخ شيبان باعتباره ضامنا لمكانة الغزالي في الجزائر ولأنّه كان هو من قدّمه إلى الرئيس الشاذلي قبل أن تفتح الجامعة، وهناك عرض عليه الرئيس الالتحاق بها وأنّه سيكون صاحب دور فعّال فيها عندما تفتح في العام القادم، وساعتها تلكأ الشيخ الغزالي- يكمل المتحدّث- بسبب التزاماته مع قطر، إلا أنّ الشاذلي كانت إجابته قويّة، حيث وضّح له بأن الأمر إذا كان يتعلّق بشخصه وأنّه لا يريد الجزائر فله ذلك أمّا إذا تعلّق الأمر بالتزاماته في قطر فليترك المجال له- أي الشاذلي- وأنّه سيكلّم أميرها في ذلك، وزاده بأنّه إن لم يقتنع فلن تفتح الجامعة حتّى يكمل التزاماته، وساعتها قبل الشيخ الغزالي بذلك من دون تردد وأنّه لن يكون سببا في تعطيل فتح الجامعة.

الشيخ الغزالي امتعض من هذه اللغة التي واجهه بها طالبي واشتكى منها إلى شيبان بأنّها تعدّ إهانة له وأنّهم إذا كانوا ابتداء لا يريدونه فلِم ألحوا عليه في المجيء وكان بإمكانه البقاء بمنصبه في قطر معززا مكرّما؟ وهناك رفع الشيخ شيبان الشكوى إلى رئيس الوزراء في ذلك الوقت عبد الحميد الإبراهيمي بعتبار أنّه كان مشرفا على هندسة وإنجاز الجامعة ما جعله يتدخّل مباشرة بفاكس إلى عميد الجامعة يخبره فيها برفض هذا التعديل وأنّ المجلس سيبقى على حاله، ما أراح الشيخ محمد الغزالي الذي واصل العمل في رئاسة الجامعة إلى 89 أين اتّصلت به ابنته لتقترح عليه العودة إلى مصر تزامنا مع وفاة زوجته، ما جعله يقبل بذلك، ويعود إلى مصر، إلا أنّ البعض يقول بأنّ هذه العودة بدورها كانت بسبب خلافات بينه وبين عمّار طالبي.

.

.

الدكتور علاء نجل الشيخ محمد الغزالي لـ"الشروق"

رفضنا مسلسلا عن حياة الغزالي .. ولن ننشر حرفا من مذكراته

يروي علاء الغزالي رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية في القاهرة تفاصيل علاقة والده، الشيخ محمد الغزالي، بعائلته، وسبب عدم نشر مذكراته إلى حد الآن. وتحدث في هذا الحوار مع "الشروق" عن الحالة النفسية السيئة للشيخ أيام العشرية السوداء في الجزائر.

كيف تعاملت العائلة مع إرث الشيخ محمد الغزالي؟ وهل نجحت في المحافظة على انتشار مؤلفاته؟

كانت أياما سيئة قضاها وهو يسترجع ذكرياته بالجزائر

الحمد لله، كل العائلة حرصت منذ وفاة الوالد على أن تتوزع كتبه في مختلف بقاع العالم. ونجحنا في إيصالها إلى كل العالم العربي وإلى عدد من الدول الغربية حيث ترجمت إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية، وكل كتبه مقروءة إلى حد الساعة، ولا يزال عليها الطلب من أكبر وأفخم دور النشر العربية والأجنبية. فمؤخرا فقط، نفدت طبعة "قضايا المرأة" من معرض القاهرة، بل إن كتب الشيخ ترجمت إلى اللغة التركية.

حمل بعض العلمانيين الشيخ الغزالي جزءا من مسؤولية عشرية العنف التي عاشتها الجزائر.. كيف تعاملتم مع هذه الاتهامات؟

لم نرد أصلا، لأنها أفكار تيارات معينة ومعروفة لم تتابع خطب وحصص الشيخ محمد الغزالي يوما. ومن طالع  كتبه لن يساوره أدنى شك في اعتدال ووسطية الوالد. كان يعبر بصدق عن سماحة الإسلام وقيمه النبيلة والسامية في حياته قبل كتبه، وآراؤه ثابتة لا تتغير بتغير الرؤساء. وكان أبعد ما يكون من التطرف، ومن يقول عكس ذلك فحتما لم يقرأ كتبه، وهي خير دليل على أن فكره لم يكن يوما متطرفا. والدليل الآخر وليس الأخير هو تعلق الشعب الجزائري بفكره إلى يومنا هذا وتأثر المجتمع بمختلف أطيافه بخطبه. ووقفت شخصيا على حب الشعب الجزائري عندما دعتني جامعة الأمير عبد القادر منذ سنوات وعشت تفاعل أبناء قسنطينة مع التكريم.

هل حاول الشيخ الاتصال بشخصيات معينة من حزب الفيس المحل للمساهمة في إيقاف العنف؟

كانت أياما سيئة قضاها الشيخ متكدرا وهو يسترجع ذكرياته في الجزائر وحب شعبه الطيب ولم يكن ليغادر الجزائر لولا ظروفه الصحية. قد يكون أجرى اتصالات في إطار السعي لوقف إراقة الدم ولكني شخصيا لم أعش مواقف مماثلة ولم يحدث وأن أجرى اتصالات أمامي. والأكيد أنه بذل جهوده من خلال الكتابات لوقف العنف في الجزائر.

لماذا لم ترافق العائلة الشيخ الغزالي إلى أي من الدول التي استقر فيها؟

الشيخ أجرى اتصالات في إطار السعي لوقف إراقة الدم

الوالد كان محبا للعائلة ومتفهما إلى أبعد الحدود، كان يحترم اهتمامات أبنائه ولم يتدخل يوما في تخصصاتهم الدراسية فتخرج منا المهندس والمتخصص في التجارة ودارسة الأدب الإنجليزي، وكان يرفض أن ترافقه أسرته إلى الدول التي أقام فيها لأنه لم يكن يحب أن يستفيد أبناؤه من أي امتيازات. فلم أؤد العمرة حتى بعد وفاته في السعودية بسنوات.

هل اقترحت على العائلة مشاريع أفلام أو مسلسلات تتناول حياة الشيخ الغزالي؟

تلقينا عروضا لإنتاج مسلسل عن حياته ولكننا كأسرة رفضنا العرض ولم نحب المقترح. كلنا أجمعنا على رفض أي مشاريع فنية عن حياته، سواء مسلسلات أم أفلام. من يريد أن يتعرف على الشيخ الغزالي فليقرأ كتبه لأنها تعبر عنه.

هل كان الشيخ الغزالي سيبارك وصول الإخوان إلى السلطة في مصر؟

والدي مواقفه ثابتة يقول كلاما واحدا ولا يغيره أبدا وهو عالم من علماء الأمة الإسلامية المعروفين بذلك. ولا أظن أنه كان ليغير مواقفه بعد الثورة المصرية لأنه أكيد لم يغير مواقفه قبلها وكان سيحافظ على رسالته بالمحاضرات والكتب والخطب.

من كان أهم أصدقاء الشيخ المقربين؟

كان من أصدقائه المقربين الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور محمد العوا والدكتور محمد عمارة والصحفي فهمي هويدي. كانت علاقاته متنوعة وكان منفتحا على مختلف الأطياف والأفكار.

ترك الشيخ مذكرات مكتوبة بخط يده ولكنها لم تنشر إلى حد الآن؟

الوالد، رحمه الله، كتب مذكرات مفصلة وهي موجودة الآن في العائلة كمخطوطات قيمة نحرص كل الحرص على ألا يتسرب منها حرف واحد. هو من طلب منا شخصيا قبل وفاته عدم نشرها، واحتراما لطلبه لن ننشرها، وهو الأدرى بسبب وصيته هذه.  

.

الدكتور عمار طالبي للشروق:

الشيخ الغزالي كرّس حياته كلها لمحاربة التطرف

رغم اعتدال الشيخ محمد الغزالي، ووسطيته ونبذه للعنف والتطرف، إلا انه رُمي في الجزائر بالتطرف من جهتين، أولاهما السلفيون الذين كانوا يرون في الشيخ الغزالي "الاخواني" الذي يستمع للأغاني ولا يحرمها ويتساهل في كثير من المسائل الخلافية، ولكن أخطر التهم التي ألصقت به كانت من أعلى هرم في السلطة، ونعني به علي كافي، لما كان رئيسا للمجلس الأعلى للدولة.

أرجع الرئيس السابق علي كافي، ظهور وانتشار التطرف في الجزائر الذي ولّد العنف والإرهاب بداية التسعينيات إلى الشيخ محمد الغزالي، وقال علي كافي، لما سئل من طرف الصحافة المصرية عن أسباب التطرف في الجزائر، أنها راجعة إلى فكر محمد الغزالي، بعدما أمضى سنوات يدرس في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، كما رأى الرئيس علي كافي في مسلسل جمال الدين الأفغاني، الذي بثه التلفزيون في الثمانينيات احد أسباب التطرف.

ويرفض الكثير ممن عرفوا الشيخ الغزالي تلك الاتهامات، ويقول في هذا الصدد الأستاذ عمار طالبي، الذي كان عميدا لجامعة الأمير عبد القادر، وكان الغزالي رئيسا للمجلس العلمي بها "لقد كان الشيخ الغزالي -رحمة الله عليه- ضد التطرف مئة بالمئة"، ويذكر الأستاذ طالبي للشروق "أنا أقول شهادة لله عن شخص عرفته لسنوات تعاملنا وبقينا مع بعض، لقد كان ينكر التطرف أيا كان مصدره، لقد عانى هو من المتطرفين لقد كانوا يعرقلونه لما كان يدرس في جامعة الأمير عبد القادر، ولما أصدر كتاب السنة بين أهل الحديث وآهل الفقه، رد عليه من لا يوافقونه الرأي بـ 12 كتابا"، أما الأستاذ محمد الهادي الحسني، فكذّب ما جاء على لسان الرئيس علي كافي، واكد قائلا "الحسني يكذب تكذيبا قاطعا من نسب للشيخ الغزالي من أنه سبب التطرف، لقد كان عنوانه الصدق والإخلاص ولهذا أحبه الشباب وحتى تاركي الصلاة ومن كان إسلامه معوجا".

.

كان يرفض المبالغة في الرقية

الغزالي طرد شابا قال له إني مسكونا بالجن

تزامن تواجد الشيخ محمد الغزالي في الجزائر مع انتشار الرقاة، وحكايات المسكونين بالجن، وكان انتقاد الشيخ الغزالي للمبالغة في اتهام الجن في كل المشاكل قد جعله أمام فوهة الانتقاد، خاصة عندما طرد شابا ضخم الجثة طرق بابه في عام 1986 وطلب منه أن يرقيه، فلما سأله الشيخ الغزالي عن السبب أخبره بأنه مسكون بالجن، فارتفع صوت الشيخ الغزالي وقال له أن ضخامتك تسمح لك بأن تسكن في الجن وليس العكس.

وانتشرت الحكاية في الأوساط الشعبية التي قالت أن الغزالي يُحرّم الرقية، وأكدها الشيخ في حديث الإثنين، وقدّم عددا من الدروس يدعو فيها للتعلم، وأن لا تترك الفرص لكل من يريد أن يرقي دون شروط شرعية، وقال أن القرآن الكريم يشفي القلوب من الهوس والأمراض المعنوية ويبني الأمم، ولم ينزل على رسول الله لأجل منح الفرصة للدجالين، ورفض أن تفتح عيادات للرقية وكان ينصح كل سائل عن الرقية بالذهاب إلى الطبيب وزار عيادات قسنطينة لرقية، وكان يقول أن بالقرآن نبني أمة وبالعلم والطب نبني أجساما قوية، وفي المقابل وفي نفس المدينة كانت الرقية قد انتشرت ومارسها عدد من الأئمة ومنهم الشيخ أبو جرة سلطاني عندما كان أستاذ أدب في جامعة منتوري.

كان الشيخ محمد الغزالي قد فقد زوجته في السنة الأولى التي قدم فيها إلى الجزائر فحضر جنازتها في القاهرة، وعاش وحيدا على مدار تواجده في قسنطينة إلى أن قرر مفاجأة الجزائريين في عام 1989 بقرار عودته إلى مصر وتم ربط قراره بإصابته بمرض في القلب وآخر في المعدة، ولم يعد بعدها إلى أن رحل عن الدنيا في عام 1996 وكان الجزائريون لا يحطون رحالهم في القاهرة إلا ويزورون الشيخ الغزالي الذي عاش معهم فترة طويلة من عمره فتواصل التلاقي قرابة الربع قرن.

.

المتشددون انتقدوا تعامله مع النساء

اتهموه بالدعوة إلى الاختلاط والتساهل مع حجاب المرأة

إن أكثر المشاكل لاقاها الشيخ في قلب الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر، رغم أنها جميعا لم تبلغ درجة الخطورة والفتنة بسبب حِلمه وحكمته، حيث انتقد المتشددون معاملته الخاصة للطالبات الجامعيات، وكان يسميهن بالملائكة، وقد روت لنا مرة سكريتيرة تدعى فيروز وكانت كاتبة المدير السابق عمار طالبي بأنها لم تكن محجبة أبدا عندما وصل الشيخ الغزالي إلى الجامعة الإسلامية عام 1984، وكانت كلما تراه تختفي عن ناظره، ولاحظها المرحوم مرة وهي تختفي من طريقه، فسألها عن السبب فردّت عليه باستحياء بأن سفورها هو الذي يجعلها تتفادى ملاقاته فقال لها باسما: "سيأتي اليوم الذي تتحجبين فيه"، وغادرت السيدة فيروز الجامعة إلى بيتها وقرّرت ارتداء الحجاب ولم تكن قد فكرت في الحجاب من قبل مما فاجأ عائلتها، وفي اليوم الموالي، بادرها الشيخ الغزالي بالقول: ألم أقل لك أنك ستتحجبين، يوما ما؟

وحضر مرة قراءة فاتحة زواج في مسجد مالك بحي المنظر الجميل، كضيف شرف، ولكنه رفض أن تٌقرأ الفاتحة أمام الرجال فقط ونصح بإحضار النساء إلى المسجد مستشهدا بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومنكّتا أيضا بالقول "ربما التفت أحدكم يمينا عندما يسلّم بعد الصلاة، فوجد امرأة أعجبته فكان الزواج عدة زيجات"، وهو ما أغضب بعض المتشددين واتهموه بالدعوة للاختلاط في المساجد.

وفشل الشيخ على مدار تواجده في الجزائر في جعل النساء يحضرن مختلف الصلوات في المساجد ويحضرن قراءة الفاتحة في المساجد لعقد قران رجل وامرأة، ولكن جامع الأمير عبد القادر هو الوحيد تقريبا حاليا في الجزائر الذي يفتح مصلاه النسائي في صلوات الظهر والعصر والمغرب ويصلي فيه نساء وطالبات جامعيات.

.

الغزالي صافح زوجة سفير النمسا فانقلبت عليه الدنيا

ظل الشيخ على مدار أكثر من خمس سنوات تحت مجهر المتشددين، وكانت الجامعة قد خطفت أنظار السواح الأجانب والديبلوماسيين، فزارت الجامعة مرة زوجة سفير النمسا في الجزائر وكانت سيدة حسناء شقراء في منتهى الأناقة والزينة، وعندما أنهت زيارتها مدّت يدها فصافحت مدير الجامعة الدكتور عمار طالبي ثم مدّت يدها نحو الشيخ فصافحها، وهو ما أنطق أحد الطلبة استغفارا وتأففا أيضا، فالتفت نحوه الشيخ الغزالي وقال له بلهجة مصرية: "يا ابني إحنا مالناش في الحاجات دي، إحنا كبار بقى" وحدثت هذه الزيارة في ربيع 1987 عندما كان الشيخ في سن السبعين.

وفي اليوم الموالي قام عدد من الطلبة بإخراج فتاوي ملامسة الرجل للمرأة وكراهية المصافحة وغيرها من الفتاوي التي تحرم الدنو من الأجنبيات، التي لم يرد عليها الشيخ محمد الغزالي، الذي تلقى بعد ذلك الكثير من الانتقاد بعد اندلاع الأزمة الجزائرية حيث التزم الصمت عندما كان في القاهرة، واندلعت أحداث العنف في الجزائر إلى أن توفي في التاسع من مارس من عام 1996، واعتبر العلمانيون صمته بطاقة خضراء ورضا عما فعلته الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهناك من يرى أن تواجده في الجزائر هو من ساعد على نمو بذرة الإرهاب.

.

دفن بالبقيع بين أهل الفقه وأهل الحديث

الشيخ الغزالي مات بالطريقة التي طالما تمنّاها

كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، يدعو طوال عمره ويقول "اللهم ارزقني الوفاة في بلد حبيبك المصطفى"، وكان أهل بيته يستغربون وكذلك تلامذته ويقولون هذا صعب للغاية.

وفي 9 مارس 1996، دعي للمشاركة في مؤتمر بالسعودية، حول الإسلام وتحديات العصر المنظم من قبل الحرس الوطني، في فعالياته الثقافية السنوية المعروفة بـالمهرجان الوطني للتراث والثقافة ـ الجنادرية، وبعد تلقي الشيخ محمد الغزالي، الدعوة ترجاه تلامذته ألا يذهب لئلا يتطاول عليه أحد من الأدعياء، وكان الأطباء قد منعوه من السفر ومن الانفعال ولكنه صمم على السفر.

أصيب بذبحة صدرية وهو يردد: "نريد أن نحقّق في الأرض لا إله إلا الله"

وألقى الشيخ الغزالي كلمة خلال أشغال المؤتمر، وقام إليه أحدهم واتهمه بمعاداة السنة فانفعل الشيخ وعلا صوته وهو يدافع عن موقفه من السنة، وكان آخر كلامه "نريد أن نحقّق في الأرض لا إله إلا الله" وأصيب بذبحة صدرية وخر ميتا.

وبأمر من الأمير عبد الله - ولي العهد حينها - وبتوصية من الشيخ عبد العزيز بن باز، مفتي المملكة الذي ربطته علاقة قوية معه، ويقول الغزالي عن ابن باز لما زاره "رأيت رجلاً يكلّمني من الجنة!"، ونقل جثمان الشيخ إلى المدينة المنورة وحضر الآلاف المؤلفة من المشيّعين من كل أصقاع العالم، ويقول الدكتور زغلول النجار، الذي حضر الجنازة "لما حضر جثمان الشيخ إلى المدينة فوجئنا أن هناك طائرات خاصة أتت من جميع أنحاء العالم، تقل ناسا كثيرين أتوا للصلاة على الشيخ الغزالي في المسجد النبوي، وازدحم المسجد عن آخره وخرجنا بالجثمان إلى البقيع وكنا ندفنه وما زال الناس في المسجد من كثرتهم".

وتنقل مراجع مؤكدة، عن الشخص الذي يتولى دفن الأموات في البقيع قوله "إن صاحبكم هذا أمره غريب كلما شرعت في حفر حفرة أجد الأرض لا تلين معي، حتى جئت هنا ولانت معي الأرض بين قبري نافع مولى عبد الله بن عمر، ومالك بن أنس صاحب المذهب المالكي"، ولهذا سمي "صاحب الميتة المخرصة"، فقد دفن -رحمه الله- بين أهل الفقه وأهل الحديث فكأنه يرد على من أعلنوا براءة أهل الفقه والحديث منه.