بالإضافة إلى الأزمة الأخلاقية المتفشية التي نعاني منها في كل القطاعات والتي أدت إلى انهيار القيم والمبادئ والتراجع الرهيب في عديد المجالات فإنه يحدث أن تستوقفنا كل مرة مشاكل نفسية وفكرية واجتماعية واقتصادية تؤدي إلى التذمر واليأس وفقدان الثقة، وتقودنا إلى تشخيص الأمور وتوجيه أصابع الاتهام إلى المسؤولين المباشرين والحقد عليهم وتحميلهم كل الهموم عوض انتقاد السياسات والممارسات وتقديم البدائل، وهي ثقافة تفشت بيننا حتى ساد الانطباع بأن مشكلتنا مع الأشخاص وفي الأشخاص وليست في السياسات وانعدام الأخلاق وروح المسؤولية‮ ‬ونقص‮ ‬الكفاءات،‮ ‬وساد‮ ‬الاعتقاد‮ ‬بأن‮ ‬مشكلة‮ ‬الجزائر‮ ‬الوحيدة‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬المسؤول‮ ‬وكأن‮ ‬مصير‮ ‬البلد‮ ‬وتطوره‮ ‬أو‮ ‬تراجعه‮ ‬مرتبط‮ ‬بفلان‮ ‬أو‮ ‬علان‮..‬

صحيح أن استمرار بعض المسؤولين في مناصبهم يثير الاشمئزاز والاستفزاز، وأن بعض المسؤولين تجاوزهم الزمن وليس لهم علاقة بالقطاعات التي يديرونها، وقد جاءوا إلى مناصبهم صدفة أو لغاية في نفوس من نصبوهم.. ولكن مشكلة الجزائر ليست في ذهاب أو بقاء الرئيس والوزير والمدير، بل هي في غياب الرؤية السليمة والاستراتيجية  الملائمة وفي الممارسة الأخلاقية للمسؤولية، وغياب سلطة القانون واعتمادنا على الولاءات وليس الكفاءات، وهي أيضا في المحيطين بالمسؤولين من المدبرين والمطبلين الذين لا همّ لهم سوى بقاء الحال على ما هو عليه حفاظا على‮ ‬مناصبهم‮ ‬ومصالحهم‮.. ‬

مشكلتنا ليست في بقاء أو ذهاب بوتفليقة الذي يصنع الحدث قبل سنة من موعد الرئاسيات بين مؤيد لاستمراره ومعارض، بل هي في مدى قدرته على الاستمرار، وهي في غياب رؤية واستراتيجية وطنية شاملة للنهوض بالوطن، والمشكلة في منظومة لم تعرف كيف تستثمر في الموارد المالية والكفاءات والقدرات البشرية التي نزخر بها، وتركيزنا على التفاهات وتصفية الحسابات. المشكلة في تشخيصنا للمشكل بأنه مرتبط بشخص الرئيس فقط في وقت تجاوزت باقي الأمم قضية من يدير ومن يترأس، وراحت تناقش المشاريع والأفكار والقوانين بغض النظر عن الأشخاص وعن الشخصيات، وتجاوزت‮ ‬مشاكلها‮ ‬بفضل‮ ‬مجتمع‮ ‬مدني‮ ‬قوي‮ ‬وحر‮ ‬ينتج‮ ‬الأفكار‮ ‬والرجال‮ ‬ويناقش‮ ‬الخيارات‮ ‬والاستراتيجيات‮..    ‬

مشكلتنا في منتخب الكرة ليست في بقاء أو ذهاب حاليلوزيش، لأنه سيذهب يوما مثلما ذهب من سبقوه، والمنتخب معه ومع غيره كان يفوز ويخسر، ولكن المشكلة في النفوس المريضة التي تحصر المشكلة في المدرب البوسني وتتغاضى عن نقص المدربين الأكفاء واللاعبين المتميزين والمرافق اللازمة ونقص التكوين على مستوى النوادي وعدم الاهتمام بالفئات الشابة، وتنسى بأن المشكلة في ضعف نوادينا وبطولتنا وضعف المؤطرين والمدربين. نفس الأمر ينطبق على رياضات ومنتخبات أخرى، وينطبق على قطاعات عديدة لن يصلح حالها حتى لو ترأسها مثل عمر بن الخطاب في عدله‮ ‬وحزمه‮!!   ‬

المشكلة الكبرى عندنا ليست شخصية وليست في الأشخاص أو المؤسسات، وليست كذلك سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، بل هي فكرية وأخلاقية، وقد أدت إلى اليأس وفقدان الثقة بين المدير وموظفيه، والوزير وقطاعه، والرئيس وشعبه، بسبب الإخفاقات المتعددة وعدم تجسيد الوعود والقدرة على حل المشاكل المطروحة، وبسبب غياب الاستراتيجية والرؤية الواضحة لمستقبل الوطن والأجيال في ظل فساد متفشٍ وغياب للقيم،  وتغييب للمعايير التي على أساسها نفرق بين الرئيس المناسب، والوزير الملائم والمدير الجدير.