• "المجتمع همّشنا بعد مغادرتنا الدراسة وبعد الفضيحة أعدمنا"
author-picture

icon-writer سألتهن: أمال رمضاني

أثارت قضية المتهم الفرنسي جون ميشال باروش الذي يقبع حاليا بسجن بوزعرورة بعنابة، بعد محاكمته منذ أيام في أكبر قضية فساد أخلاقي على الإطلاق موجة من التأويلات، خصوصا بعد التصريحات النارية التي أطلقها أحد محاميه، الذي اتهم الصحافة عموما و"الشروق اليومي" على وجه التحديد بتضخيم القضية وتسمية المتهم بالوحش قبل إثبات إدانته، وبقي الحديث عن الضحايا وعددهن، خاصة أن العشرات من البنات فضلن ابتلاع الفضيحة والصمت إلى الأبد.

"الشروق" خاضت رحلة بحث معقدة عن بعض ضحايا الوحش الفرنسي في مختلف أحياء عنابة بعد امتناع مفجرة القضية الآنسة ماجدة عن أية تصريحات لوسائل الإعلام يوم المحاكمة، التي شهدها مجلس قضاء عنابة، وقالت إن كل ما لديها قالته لقاضي التحقيق وأيضا أثناء المحاكمة، وبعد محاولات عديدة تمكنا من الولوج إلى أحد الأحياء الفوضوية بقلب المدينة، وهو حي المحافر الشهير، حيث تقطن الجارتان ندى وراضية، وهما ضحيتان من مجموع الفتيات اللواتي تفنن باروش في إغوائهن ببعض الماديات من مال وهدايا، من أجل النيل من شرفهن وتصوير لحظات الاعتداء عليهن في فيديوهات إباحية. 

 ترددت الفتاتان بادئ الأمر في الإدلاء بأي تصريح أو معلومات حول الماضي الذي جمعهما بباروش، غير أنهما اقتنعتا بنقل تجربتهما المرّة لكل شرائح الوطن، وقررتا البوح بما لا يعرفه غير جماعة الوحش وضحاياه.

.

هكذا وقعت ندى وراضية في الشباك

كانت ندى أول من افتتح جلسة المحادثة التي جمعتنا معها في بيتها العائلي البائس المتواجد في تجمع سكني فوضوي هش، وهو من أفقر الأحياء على الإطلاق ليس في عنابة وإنما في الجزائر، تنعدم فيه أدنى شروط الحياة الكريمة، أما عن بيتها فالصور التي نقلتها "الشروق اليومي" هي قليل من كثير، ومن هنا كانت انطلاقة ندى التي أكدت أن وضعها الاجتماعي الصعب هو الذي دفعها إلى الانسياق وراء إغراءات باروش وشركائه، وكانت البداية من اطلاعها على إعلان خاص بشركة عالمية، متخصصة في تكوين عارضات أزياء وتعليم اللغة الفرنسية، الذي وجدته سنة 2010 معلقا على السور الخارجي لـلفيلا التي كان باروش يسكنها بشارع وادي القبة الراقي، حينها اتصلت ندى بالعنوان المقصود، والتقت لأول مرة مع المتهم الفرنسي الذي قدّم لها المستقبل الزاهر على طبق من ذهب من دون مقدمات، فلم يسأل عن خبرة ولا عن مستوى تعليمي كما تفعل بقية الإدارات، لأجل ذلك سقطت ندى في الفخ بسهولة، تعترف ندى بأنها لم تتردد أبدا، وقبلت بكل الشروط، وكانت تبحث عن عمل بسيط في مدينتها منذ أن غادرت مقاعد الدراسة ليأتيها أمل الحصول على عقد عمل في فرنسا، وإمكانية أن تتحول إلى عارضة أزياء من الدرجة الأولى.

 ندى اقتنعت تماما بباروش الذي منحها أكبر مبلغ تسلمته في حياتها وعمرها 16 سنة وهو 15 ألف دج، وهاتفا نقالا من الطراز العالي ومبالغَ مالية أخرى بين الحين والآخر، باروش استغل فقرها وصغر سنها الذي لم يتعد آنذاك الـ 16 سنة ليوهمها أنه سيحول حياتها إلى جنة لم تحلم بها أبدا، بشرط أن تطيع أوامره وتبقى في بيته، فكان له ذلك، ولم تفكر ندى أبدا في العواقب التي قد تنجم عن هذه الخطوة، ولم يكن يهمها سوى تطليق حياة البؤس والشقاء التي كانت تحياها في كوخ والديها الذي ازدادت عتمته عندما انقطع عليه التيار الكهربائي، فكانت القطرة التي أفاضت الكأس ودفعت بـندى إلى المغادرة دون تفكير.. وقالت إن باروش كان يبدو في قمة الحنان والطيبة.

.

"نعم .. صرتُ أشرب كل أنواع الخمور"

8 أشهر قضتها ندى بين المبيت في كوخ والديها وفيلا باروش، الفارق كان شاسعا، فهي في بيت والديها، كانت تقضي ليلها في اصطياد البعوض ونهارها في مطاردة الجرذان، بينما تعيش مثل الأميرات أو هكذا تتوهم في فيلا باروش بين زجاجات العطور الباريسية وأيضا زجاجات الخمر، وكانت في كل مرة توهم والدتها بأنها ستقضي الليلة عند صديقتها أو بيت جدتها، الأمر الذي صدقه كل أفراد العائلة بحكم صغر سنها وكثرة ترددها على بيت صديقتها.

الأيام مرت وصارت شهورا، وانتقلت ندى إلى مرحلة أخرى وهي اصطياد بنات أخريات، تحت طلب باروش وإلحاحه في طريق بناء امبراطوريته فعرضت على جارتها راضية التي تقطن في نفس الحي معها، فاقتنعت بسهولة بالانضمام إلى "جنة" باروش، في عالم مختلف تماما عن الحياة البسيطة التي ألفتها الفتاتان، لقد تفاجأت القاصرتان آنذاك بجو مثل ذلك الذي لا نشاهده إلا في الأفلام الأمريكية الساحرة، سهر وسمر، غوغاء وضوضاء، موسيقى غربية صاخبة، خمور ومهلوسات وأدوية منع الحمل ثم ليال حمراء... هذا هو الواقع المرير الذي عايشته ندى، راضية، ميساء، وفاء وماجدة مفجرة القضية، وغيرهن من اللواتي قدرت ندى وراضية عددهن بحوالي 100 فتاة كن يترددن طيلة ما يقارب العام على فيلا باروش لتلقي دروس اللغة الفرنسية وتقنيات عرض الأزياء العالمية، وأشياء أخرى طبعا، ولكن العدد تقلص إلى خُمس المئة في يوم المحاكمة لأن الضحايا خفن من الفضيحة، وأغلب ضحايا الوحش الفرنسي كن قاصرات، غير أن باروش لم يكن ينتهك عرضهن، وكان يفضل تهيئتهن لليوم المشهود ويعدهن بممارسة الرذيلة معهن حينما يبلغن سن الرشد، وكان يكتفي فقط بممارسات سطحية.

وتعترف ندى أنه أجبرها على أمور غريبة وتعترف بأنها كانت من دون وعي تستجيب، فكان باروش ينام ليله بين الفتاتين ندى وراضية، وأحيانا يدعو فتاة أخرى إلى مشاركتهم السرير من أجل تهيئتها لممارسة الرذيلة، ولم يكن يتردد أبدا في تعنيف كل من ترفض له أمرا. أما الجنس بكامل تفاصيله فكان الوحش يمارسه مع الفتيات البالغات، وكأنه كان متحسبا جدا لحدوث أمر ضده، حيث لم يتورط أثناء المحاكمة في الاعتداء على قاصر وكانت الفيديوهات جميعا مع بنات بالغات وبعضهن في سن الثامنة عشر دون نقصان يوم واحد.

.

باروش افتضح أمره يوم عقد قرانه على وفاء

بدأت مشاكل الوحش الفرنسي جون ميشال باروش، عندما عقد قرانه على المسماة وفاء، وذلك بمساعدة النائب السابق لرئيس بلدية عنابة، وفي محاولة منه لإبعاد كل الشبهات التي بدأت تحوم حوله حسب ما أكدته ندى، ومن هنا أصبح باروش يحسب ألف حساب لزوجته التي لم تتردد يوما في تهديده بخنجر وهي تقول له إنها ستذبحه إن واصل خيانتها، وطلبت منه أن يكف نهائيا عن استدراج الفتيات إلى الرذيلة وصرف مبالغ مالية خيالية من أجلهن، على اعتبار أن كل ضحاياه كن يلبسن أفخم الثياب ويقصدن صالونات الحلاقة ويتسوقن ويقبضن الأموال، وهي تريد أخذ الجمل بما حمل، إضافة إلى تعلم اللغة الفرنسية على يد أستاذ من معارف باروش، في الوقت الذي كن يمارسن كل أشغال البيت من تنظيف وترتيب وطهي...

كل هذه الأمور لم ترُق وفاء التي بدأت في افتعال المشاكل، خصوصا عندما حملت إحدى ضحايا باروش منه، بعد أن انتهك حرمتها وقضى على عذريتها تحت تأثير المخدرات، وهي الحادثة التي كادت تفضحه عندما نقلت الفتاة إلى مصلحة طب النساء والتوليد بالمستشفى الجامعي ابن رشد بعنابة قصد الإجهاض، غير أن سائق باروش وذراعه الأيمن استطاع أن يخرجها من هناك بعد مكوثها 3 أيام كاملة، ثم جاءت حادثة سرقة ساعة الوحش التي كان يخبئ بداخلها مسحوقا لمؤثر عصبي، وهناك ثارت ثائرته وجمع كل ضحاياه في محاولة لاستنطاقهن تارة، ولإغرائهن تارة أخرى بمنح 5 ملايين سنتيم للفتاة التي تدله عن مكان الساعة التي أكدت ندى أنها لم تظهر حتى يومنا هذا على اعتبار أن باروش كان يملك ساعتين متشابهتين، وعلم بعد ذلك أن الساعة استقدمها من بلد إفريقي وبها مسحوق يثير كل من يشمه جنسياً... وعن السرقة اعترفت ندى وراضية إنهما حاولتا مرارا وتكرارا فتح الخزنة المشفرة التي كان باروش يحتفظ فيها بكل ما هو ثمين وسري، غير أن كل محاولاتهما كانت تبوء بالفشل باعتباره قليل الخروج وكثير الحرص والمراقبة.

.

زعم أن اسمه عبد الرحيم ورمى المصحف على الأرض

"الشيخ" المريض باروش الذي أكدت الفتاتان أنه كان يعاني من عجز جنسي ظاهر، لم يكن يمارس الرذيلة، إلا إذا اعتمد على بعض المقويات التي تساعده على النشاط لفترة قصيرة فقط، تكون كافية ليشبع باروش رغبته ويصور أِشرطة فيديو إباحية عن تلك الممارسات التي يستعملها فيما بعد كوسائل تهديد وضغط على ضحاياه، اللائي كان يرغمهن على احتساء الخمور كل يوم خصوصا "الفودكا" و"الروج"، وذلك على وقع الموسيقى والرقص وكل أساليب الإباحية، وكثيرا ما أفقد ضحاياه الجديدات وعيهن الذي لا يسترجعنه إلا على بقع دم وهن عاريات تماما، وعندما يواجهنه ويطلبن تفسيرا لما فعل يغضب وتثور ثائرته ثم يدخل غرفته ويغلق الباب على نفسه خوفا من غضبهن جماعيا حتى تهدأ الأمور بعد تدخل بعض المقربين منه، خصوصا سائقه رضا المتورط أيضا في علاقة جنسية مع المسماة مروى.

وذات يوم خرج باروش من غرفته ووجد بعض ضحاياه ومن بينهن إحدى المتجلببات التي أصبحت متبرجة من الدرجة الأولى، يقرأن آيات قرآنية من المصحف الشريف فلم يتردد في خطف المصحف وإلقائه على الأرض، كانت هذه إجابة ندى حول استفسارنا عما إذا كان جون ميشال باروش فعلا هو عبد الرحيم بعد إسلامه، كما صرح أمام هيئة المحاكمة، وهو الإسلام الصوري الذي تعمد زعمه حتى يتمكن من نيل رضا المجتمع العنابي الذي بارك الكثيرون منه هذا الزعم.

.

العدالة قضت بحكمها وحان موعدنا لمتابعته

هذا هو الوحش الفرنسي جون ميشال باروش حسب ما روته ندى وراضية اللتين أكدتا أن كل ضحايا الوحش هن فتيات متوسطات الجمال، وذوات مستويات دراسية متواضعة وصغيرات وقاصرات أو في الأيام الأولى من البلوغ، حيث لم تتمكن كل منهن من اجتياز عتبة الطور المتوسط، نظرا للظروف الاجتماعية القاسية التي نشأن فيها، رغم وجود جامعيات، والتي كانت الذريعة وراء انحراف ندى، راضية، ماجدة، ميساء، مروى، وسام ووفاء، والكثير من الفتيات اللائي رفضت الفتاتان الكشف عن أسمائهن أو أماكن إقامتهن، خوفا من المتابعات العائلية، أما المتابعات القضائية ضد باروش فقد استهلتها ماجدة بالفعل، والتي طالبت بتعويض لا يقل عن 100 مليون سنتيم، كما توّعدت راضية وندى أيضا برفع  شكوى لدى العدالة للمطالبة بالتعويضات المادية، على اعتبار أنهما كانتا أيضا ضمن قائمة المغرر بهن من أجل الظفر بمنصب عمل يغيّر مجرى الحياة التعيسة التي كانت أغلبية فتيات باروش يتخبطن فيها، لاسيما إذا علمنا أن الفتيات يعانين الأمرّين اليوم من نظرات المجتمع والكلام اللاذع الموجه إليهن في الذهاب والإياب حتى أن والد إحدى الفتيات لم يعد أبدا يخجل من المصير الذي آلت إليه ابنته، بل أصبح يشهّر بها في المقاهي والأماكن العمومية ويظل يردد أنا والد الطفلة التي تعدى عليها "الرومي"، وهو مالم يستطع جيرانه تفسيره سوى بالصدمة القوية أو الفخر.

.

الضحايا .. ما بعد مرحلة باروش

تقول فايزة التي جمعتها فيلا باروش بصديقات جديدات ومنهن ندى وراضية، بأنها الآن صارت تؤرخ لمرحلتين في حياتها، مرحة باروش ومرحلة ما بعد باروش: كنت صغيرة لا أثير اهتمام عائلتي ولا جيراني، منذ أن توقفت عن الدراسة أو بالتدقيق بعد أن أوقفوني عن الدراسة قبل أن التحق بالثانوي، لم يمنحني الله الجمال ولا الأهل الساهرين على تربيتي، ولا حتى المال والذكاء بالخصوص، كان سني 17 عاما عندما قرّرت التنقل إلى فيلا الوحش، في البداية كنت أجد منه الحنان الذي لا ألقاه في عائلتي ولا جيراني في حي بلاس دارم الشهير، كان يفتح أمامي أبواب المستقبل ويمنحني الأمل في الحياة، كنت أرى نفسي في باريس حينا وفي روما أخرى، أما في منزلي العائلي فكلهم يقولون عني إني عاجزة وغبية وحتى بشعة.

تبكي فايزة بحرقة وتقول: "حتى هذا الحلم الذي عشته وأنا مراهقة تحوّل الآن إلى كابوس، الكل يكرهني.. أعيش في بيتي ولا أحد اقتنع بأني ضحية لباروش وضحية للمجتمع، كانوا يقولون عني صغيرة ودون المسؤولية، وعندما أخطأت قالوا إني عاقلة ومسؤولة، مجتمع لا همّ له سوى جلد البنات، والأصعب قادم فالكل يشير نحونا بأصابعه، لم يرحمونا قبل الخطأ فما بالك بعده، فكرت مليا في أن أظهر على قناة "الشروق تي في" وأروي قصتي بالكامل وأوجه أصابعي للمجتمع كمتهم، فصراحة أحس أنهم قشروني أنا وغيري من البنات مثل البرتقال وقدمونا طعما لهذا الفرنسي.. ثم تنفجر بالبكاء وتصمت".

ندى لم تعد وحدها في الهمّ والمصائب فشقيقتها، عاشت مع شاب وعدها بالزواج فحملت منه وأنجبت مولودها الذي سيكون قدره كوخ من أكواخ حي المحافر، وتقول ندى صرت بعد تجربة باروش واعية وكبيرة، أنا الآن أتولى تربية ابن أختي العازبة، نصحتها بأن لا تجهض مولودها وترتكب جريمة لإخفاء جريمة أخرى، أما راضية فتحصلت على عمل في محل تجاري بمرتب 10 آلاف دج اعتبرته فاتحة لحياة غير متفائلة بها، ولكن قدرها كما قالت أن تُبقي الأمل إلى آخر العمر، بينما عادت فايزة إلى بيتها العائلي، تنتظر جديدا في مستقبل وصفته بالطلاسم، ومفتوح على كل الاحتمالات.

تحوّلنا إلى صالون الحلاقة والتجميل الذي أشارت له الضحيات الثلاث، والذي جعله باروش أول طعم لاصطياد البنات الصغيرات بتحويلهن بشكل يومي إلى مكان التزيين، فاعترف صاحبه بأنه كان يقوم بتزيين العشرات من البنات القادمات مع باروش الفرنسي، الذي قدم نفسه على أساس أنه مختص في عروض الأزياء، واختيار العارضات للمسابقات العالمية، ولكنه رفض الخوض في الموضوع بكل تفاصيله، واكتفى بالقول .. "أنا أديت عملي وتقاضيت أجرتي وانتهى الأمر بالنسبة لي، لا يهمني ما يشتغل الزبون عندي فلست رجل أمن حتى أسأل زبوني أو زبونتي عن أصله وفصله".