• صائغون في السجن بعد سقوطهم في مكائد دبرتها لهم عائلات
author-picture

icon-writer نادية سليماني

بعدما أصبحوا الفئة الأكثر استهدافا من قبل محترفي الإجرام، وبعضهم دفع أو كاد يدفع حياته ثمنا لمقاومته.. وجد بائعو المجوهرات في الآونة الأخيرة أنفسهم ضحايا لعائلات بأكملها، والتي امتهنت الإطاحة بالصائغين، حيث يعمد أفرادُها إلى حبك خطط جهنمية للنصب عليهم والاستيلاء على مجوهراتهم، وحتى جرّهم إلى العدالة عن تهم خيالية. وبهذا يجد الصائغون أنفسهم في دوامة بين ضحايا وهميّين، وقضاة متشددين.

 

رغم اتخاذ الصائغين أقصى تدابير الحماية والأمن وتنصيبهم كاميرات، ورغم تواجد محلاتهم في أماكن مليئة بالحركة، ومع ذلك لم يسلموا من هجمات عصابات السرقة، التي تداهمهم نهارا جهارا وباستعمال أسلحة بيضاء ونارية. والمأساوي أن المجرمين لا يتوانون عن قتل ضحاياهم وبأبشع الطرق إذا ما وجدوا مقاومة.

وتبقى حادثة السرقة التي تعرض لها مجوهراتيٌ منذ أشهر ببلدية دالي إبراهيم، والتي وثّقتها بالصوت والصورة كاميرا منصوبة بالمحل وهي الآن على اليوتيوب، خير دليل على الخطر اليومي الذي يعيشه الصائغون؛ فالضحية قاوم وبكل شجاعة لصا هاجمه بسكين داخل محله، رغم الضربات المتتالية التي تعرض لها وجعلت الدماء تنهمر على وجهه.  

 

ثقب الجدار والرش بالغاز  

وحسب ما عايشناه في أروقة المحاكم، تتنوع خطط العصابات لسرقة الصائغين، ومنها المهاجمة المباشرة داخل المحلات باستعمال الأسلحة خاصة أثناء قلة الحركة، ووقت القيلولة الصيفية ورشهم بقارورات الغاز المسيلة للدموع. وخطط أخرى غريبة ومنها إحداث ثقب في جدار محل المجوهرات، خاصة إذا كان السارق يقطن بالمكان نفسه، ليتسلل إلى الداخل ليلا، وآخرون من النسوة يدخلن جماعات إلى محل الصّياغة، وبينما ينشغل البائع في الحديث مع واحدة، تتولى الأخريات عملية السرقة بطريقة ذكية، وعصابات تستغل مغادرة الصائغ محله وتوجهه نحو سيارته، حاملا الذهب لتهجم عليه بشكل سريع. وهذا الأمر جعل كثيرا من الصائغين يقومون بالتمويه خاصة بالأحياء الشعبية، حيث يخبِّئون كميات من الذهب داخل قفف الخضر والفواكه عند مغادرتهم، ومع ذلك لم يسلموا لأن المجرمين تفطنوا إلى الحيلة، والدليل هو تعرض بائع مجوهرات يتواجد محله برويسو إلى عملية اعتداء، بينما كان يحمل كمية من الذهب داخل قفة خضر، وكان بصدد ركوب سيارته.

 

أطفال قصّر يحتالون على الصائغين

لكن قضايا سرقة عالجتها مؤخرا محاكم العاصمة أصابتنا بالذهول، وكشفت لنا نوعا جديدا من المجرمين من فئة الأطفال والنساء، والذين يحتالون على الصائغين ويسلبونهم ذهبا وأموالا بطرق احتيالية في منتهى الغرابة والذكاء.

الظاهرة تجعلنا ندق ناقوس الخطر، بعدما زجت كثير من النسوة براءة أولادهن القصر في قضايا سرقة خطيرة. والخطة تبدأ بتوجه سيّدة رفقة طفل قاصر إلى محل لبيع المجوهرات، وتعرض على البائع شراء ذهب تحمله، مدّعية حاجتها للمال، ومعظم الصائغين يشترون الذهب من المواطنين دون التأكد من مصدره.

وبعد مغادرة السيدة والطفل محمّلين بمبلغ مالي، تحضر إلى ذات المحل بعد فترة سيدةٌ أخرى وتدّعي أنها الوالدة الحقيقية للطفل، وتشرع في الصراخ والبكاء مدّعية بأن ابنها سرق ذهبها تحت تحريض امرأة مجهولة، وأنها علمت بأنه اشتراه منهما، أي الصائغ، وهنا تبدأ بمساومته وابتزازه، وإلا ستبلِّغ عنه مصالح الأمن. حيث تطلب استرجاع ذهبها، وكثير من الصائغين يخافون متاهة القضاء، فيعيدون الذهب إلى "صاحبته" المزعومة، وتكون النتيجة خسارة الصائغ للذهب الذي اشتراه، وأيضا للمبلغ المالي الذي دفعه ثمناً له. وهو لا يعلم أن الأمر مجرد سيناريو حبكته السيّدتان.

والأكثر غرابة أن كثيرا من المحتالات وبجرأة كبيرة، يتوجهن لإبلاغ مصالح الأمن، واتهام الصائغ بشرائه ذهبهن المسروق، وغايتهن الحصول على تعويض كبير من العدالة، فيجد الصائغ نفسه متابعا في تهمة "إخفاء أشياء مسروقة"، طبقا للمادة 378 من قانون العقوبات، وحسب المحامي عمر مهدي محام بمجلس قضاء الجزائر فإن "القانون الجزائري شدد العقوبات فيما يخص تهمة السرقة وقام بتوسيعها، في المواد 350، وفيما يتعلق بالصائغين، فقد تم ذكرُها في المادة 378 من قانون العقوبات، حيث تُوجه لهم تهمة إخفاء أشياء مسروقة، باعتبارهم يعلمون بالتأكيد أن الأشياء مسروقة". وتمكنت مصالح الأمن وبعد تحريات معمقة، من كشف الكثير من هذه الخطط، والتوصل إلى الفاعلين الحقيقيين، ومعظمهم قصّر شاركوا في الجريمة مع آبائهم وأمهاتهم.

 

عائلة تسترجع ذهبها المسروق

ومن القضايا التي عالجتها محاكم العاصمة، قصة بطلتها فتاة قاصر حرّضها صديقها، وهو في الـ 20 من عمره والذي وعدها بالزواج، على سرقة ذهب والدتها المقدر قيمته بـ70 مليون سنتيم، ما جعل والدتها تودع شكوى. وبفتح تحريات أمنية، ألقت الشرطة القبض على الفاعليْن، داخل سيارة "رونو" وبحوزتهما 20 مليون سنتيم وكمية من الذهب، وعند التحري تبين بيعهما المجوهرات إلى صائغ في حي الحياة بجسر قسنطينة. الأخير وعند استجوابه صرح أنه بعد شرائه الذهب، قصدته سيدة وأخبرته أن ابنتها سرقت ذهبها، وطالبت باسترجاعه وإلا سترفع ضده شكوى، فأعاد الصائغ المسروقات لصاحبتها. لكن السيدة لم تتنازل عن الشكوى وتم إدانة الصائغ الذي خسر أيضا أمواله بعام حبسا موقوفة النفاذ، وتم متابعة الفتاة وعشيقها بتهمة السرقة والمشاركة فيها.

وفي قضية أخرى، رفع رجلٌ شكوى إلى الشرطة يتهم فيها ابنته بسرقة مبلغ من المال، وكمية من الذهب تقدر بـ50 مليون سنتيم، ليتنازل لاحقا عن الشكوى بعد استرجاعه الذهب. لكن التحقيقات الأمنية كشفت أن زوجة الرجل قصدت الصائغ الذي اشترى الذهب من ابنتها، وهددته بإعادته مقابل سحب الشكوى من مركز الشرطة، ونتيجة لخوف المعني، أعاد الذهب. وتوصلت تحقيقات الشرطة أن هذه العائلة متعودة على رفع شكاوى ضد الصائغين، يتم التنازلُ عنها لاحقا بعد تهديدهم واسترجاع الذهب، واستفادتهم من مقابل مالي. وعوقب هذا الصائغ بـ 6 أشهر حبسا غير نافذ، وغرامة 20 ألف دج. في حين تم إدانة القاصرة بـ50 ألف دج غرامة، أما الأبوان فتم متابعتهما بتهمة التصريح الكاذب.