• جزائريون يسألون عن الميراث في السعودية والطلاق في مصر
  • فرنسا تركت 25 مفتيا في الجزائر هي من نصّبتهم
author-picture

icon-writer عبد الناصر

"مفتي للديار الجزائرية؟ ليس من أولوياتنا" .. هذا آخر ما قاله وزير الشؤون الدينية رقم 12 في الجزائر المستقلة السيد غلام الله، وهذا ما جعل الجزائر تبقى بدون مفت رسمي، وفي نفس الوقت بلد المليون مفت، فلكل قناة تلفزيونية ولكل جريدة خاصة مفت، ولكل قناة إذاعية محلية مفت، واقتنع الكثيرون بما يأتيهم من الخارج، دون التأكد من علم ومن تقوى الذين يمارسون الفتوى، التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: »أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار«.

 

مجرّد متابعة حصة الفتاوى على الفضائيات العربية، خاصة في القنوات الدينية، نلاحظ أن الأسئلة العابرة للقارات والقادمة من الجزائر تكاد تشكل نسبة ثمانين بالمئة من طالبي الفتوى، سواء كانت هذه الفضائيات سلفية أو وسطية أو حتى شيعية، والغريب أن أسئلة الجزائريين تكاد تدور في نفس الفلك، وهو فوائد القروض وصندوق التوفير وقضايا الميراث والطلاق، ويحتار أحيانا المفتي في نوعية الأسئلة المطروحة، التي توحي أن المتصل إما أنه جاهل أو يعيش في بلاد لا مفتيَ فيها، وربما حساسية الجزائر من المفتين لها أبعاد تاريخية، حيث إن المستعمر الفرنسي ورث عن الحكم العثماني للبلاد تنصيب مفتي المدينة أو المذهب، فلعب غالبية المفتون دورا سلبيا خلال الثورة وما قبلها، فتمّ نسف هذا المنصب مع أول وزارة أوقاف في عهد الرئيس أحمد بن بلة، عندما حمل الحقيبة الكاتب والمؤرخ الراحل، توفيق المدني، ورغم تداول اثنتى عشر وزيرا للأوقاف على هذه الوزارة الدينية، إلا أنه لا أحد دعا لبعث مفت للديار الجزائرية، من تيجاني هدام إلى الوزير الحالي، وكان الرئيس أحمد بن بلة قد عرف وزيرين للأوقاف، هما توفيق المدني وتيجاني هدام، كان همّهما أن تبقى الفتوى حبيسة المساجد، وتتغير من مدينة إلى أخرى  .

 

  وفي زمن الراحل هواري بومدين، حمل الحقيبة الشيخ العربي سعدوني، ثم مولود قاسم نايت بلقاسم، الذي اهتم بملتقيات الفكر الإسلامي، وكان يرى منصب مفت للديار الجزائرية على الطريقة التونسية أو المصرية أو اللبنانية والسورية لا جدوى منه، رغم أن صديقه الشيخ أحمد حماني كان يمارس الفتوى إعلاميا وفي المساجد، وحتى في زمن الشاذلي بن جديد، بالرغم من أن غالبية الذين تولوا وزارة الشؤون الدينية كانوا من كبار العلماء، من أمثال بوعلام باقي أو عبد الرحمان شيبان أو السعيد شيبان،  إلا ان المفتي بقي فعلا آخر الاهتمامات، وكان واضحا أن المرحوم عبد الرحمان شيبان ترك المنصب من دون ترسيم وتأكيد، لصديق مسيرته العلمية المرحوم أحمد حماني، وبعد اندلاع الأزمة الأمنية وخروج الشاذلي بن جديد من الحكم، حدث تسييس منصب وزير الأوقاف أو الشؤون الدينية، من خلال تعيين وزراء من أمثال امحمد بن رضوان وساسي لعموري الوزير المثير للجدل، الذي حمل ذات الحقيبة مرتين في زمن الرئيس محمد بوضياف، ثم عاود حملها في زمن اليمين زروال، وتسيّست أيضا مع عبد الحفيظ امقران وأحمد مراني، وانتهاء بوزير منتم للتجمع الوطني الديموقراطي، هو بوعبد الله غلام الله، وهو الذي بقي أطول فترة في هذه الوزارة، من عهد اليمين زروال عام 1997 إلى غاية الآن، وكانت أطول فترة قبل ذلك للراحل نايت بلقاسم، حيث دامت تسع سنوات كاملة، من 1970 إلى 1979، ولكنها كانت ثرية بملتقيات الفكر الإسلامي والإصدارات الدينية التي مهّدت للصحوة الإسلامية، وأيضا لبعث الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر، واستقطاب كل علماء الإسلام، ومنهم بالخصوص الشيخ محمد الغزالي الذي مكث ست سنوات كاملة في الجزائر، ورفض دائما ان يفتي للناس، واكتفى بتقديم درس فقط، وكان يقول إن الجزائريين أدرى بشؤون دنياهم وأعفوني من الفتوى.

وتاريخيا، فإن أشهر مفت عرفته الجزائر هو الشيخ عبد الحميد بن باديس، ولكنه للأسف توفي في الخمسين من العمر، ومع ذلك بقيت الشهاب شاهدة على فتاواه العلمية الراقية، التي كانت تصله أسئلتها من الجزائر ومن خارجها عبر البريد، وخاض الشيخ ابن باديس في قضايا عصرية مازالت مطروحة لحد الآن، مثل تمثيل المرأة على المسرح، والاحتساب الملكي في متابعة هلال شهر رمضان.

 

سؤال محرج أجبر الشيخ حماني على إطلاق لحيته

وقد تصدر الشيخ عبد الحميد بن باديس الفتوى، رغم أن مدينة قسنطينة كان فيها مفتيان إثنان، أحدهما للمذهب المالكي، وآخر للمذهب الحنفي، وكانا من تعيين السلطات الفرنسية، ويبقى الشيخ أحمد حماني وهو تلميذ العلامة ابن باديس، وهو أكثر الجزائريين من لهم علم وفير ومعترف بفتاواه في كل الأمصار، ولسوء حظه أنه في أواخر سبعينات القرن الماضي، خاصة في عهد وزير الأوقاف بوعلام باقي بدأت الصحوة الاسلامية تهبّ على الجزائر، حيث اعتبر شباب الصحوة من إخوان ذاك الزمن الذين أخذوا من أبو الأعلى المودودي وعبد المجيد الزنداني، الشيخ حماني تابعا للدولة، رغم أن له فتاوى لا تتماشى مع الدولة، إذ قال دائما إن فوائد صندوق التوفير حرام، واعتبرها ربا، وسأله مرة شاب مستفز في مسجد الشنتلي بقسنطينة عام 1980، إن كانت اللحية سنّة نبوية، فرفض الرد على السؤال، وقال للسائل سأجيبك الأسبوع القادم، وعاد بعد ذلك إلى قسنطينة، ولكنه كان هذه المرة ملتحيا، فكانت الإجابة على وجهه.

وبقي أرقى منصب عمل فيه الشيخ أحمد حماني هو رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وبعد رحيل الشيخ أحمد حماني بقيت الأسئلة الدينية من دون إجابة، ثم ظهرت الفضائيات الدينية، فلجأ إليها الجزائريون الذين يحفظون أسماء وهواتف والعناوين الإلكترونية لكل المفتين، وحتى الذين يزعمون الفتوى في كل بلدان العالم العربي.

ويوجد خلاف فقهي حول ضرورة إقامة مفت للديار، إذ لم يعرف الحكم الإسلامي في زمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وحتى في العصرين الأموي والعباسي منصب المفتي، ويقال إن منصب المفتي بهذه الطريقة الرسمية بدأ في عهد الخلافة العثمانية، وكان منصبا تابعا لوزارة العدل، ويلجأ الخلفاء والحكام والقضاة للمفتي لأجل تأكيد حكم الإعدام بالخصوص، إضافة إلى قضايا الميراث، وسارت مصر وتونس وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية على ذات النهج إلى حد الآن، واعتبرت المنصب مهما جدا، رغم أنه دخل دائما عالم السياسية، كما حدث في مصر في زمن المفتي السابق السيد علي جمعة.

أما في الجزائر، فإنها ورثت عام 1962 خمسة وعشرين مفتيا في مختلف المدن الكبرى، لم يكن بإمكانهم سوى الفتوى وتقديم دروس دينية، قبل صلاة العشاء والتراويح في المساجد، ولكن السلطة الفرنسية كانت تٌعرّف المفتي بأنه المدير الحقيقي للمسجد، حيث يتبع له الإمام والمؤذن ومعلمو القرآن الكريم، فكان في الجزائر العاصمة مفتيان، أحدهما مالكي في الجامع الكبير، والآخر حنفي في الجامع الجديد.

ويكاد يكون الشيخ فركوس الوحيد في الوقت الحالي من تلقى فتاواه الاهتمام من شريحة عريضة من المجتمع، سواء للأخذ بها أو من باب الفضول وانتقاد هذه الفتاوي، رغم أن الوسيلة الوحيدة التي يستعملها الشيخ فركوس هي الوسيلة الإلكترونية، وتوجد في المكتبات الجزائرية العشرات من كتب الفتاوى، هي في الغالب ما جمعه كبار العلماء على مدار سنوات من الفتاوى، وتغيب فتاوى الجزائريين، وحتى القليل منها لا يلقى رواجا كبيرا، مع سيطرة الفتاوى العابرة للقارات.

والغريب أن بعض الجزائريين والجزائريات يأخذون من شبه فتاوى من دعاة لا أحد يعترف لهم بالفتوى، وهم أنفسهم يقولون إنهم ليسوا مفتين، مثل عمرو خالد، ويرفضون فتاوى دكاترة متخرجين من الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر، وتبقى السيرة الذاتية لأي مفت في الجزائر لا معنى لها، إذا لم يكن قد مرّ عبر جامعة أم القرى وغيرها من الجامعات السعودية، حسب طالبي الفتوى طبعا.