هل سكت 20 عاما ليحكم الجزائر 20 سنة أخرى، مرشحا مستقلا مسبوقا بـ"غايطة وبندير" في كل عهدة لأحزاب تقول أنها في الحكومة وليست في الحكم، وشعار حملتها الرئاسية "العزة والكرامة" واستكمال مشروع مليون سكن، في ظل ثنائية (أحمد أويحيي وعبد العزيز بلخادم) و(الانغلاق السياسي ثم الانفتاح الحزبي) و(الفشل والفساد) و(صحة الرئيس ومرضه) و(العسكر والمخابرات) وآخرها (الوزير الأول والأمين العام لجبهة التحرير)؟.

النكتة والابتذال السياسي

ارتبطت النكتة في الجزائر بالإعاقة اللغوية أثناء الأحادية الحزبية أو التعددية ومظاهر الفسيفساء الحزبية ومرشح وأرانب، بدءا من لجوء الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد إلى الارتجال بعد تخليه عن توجيهات محيي الدين عميمور واعتماده على نصائح المرحوم عبد المجيد مزيان أن ينطق الكلمة كما تناسبه (الشمس قد تنطق السمش)، فلم يعد هناك تفريق بين التأنيث والتذكير في خطب الرئيس، وفي عهد الرئيس عبد العزيز بو تفليقة سادت لغة "الشنفرى" خطبه في المحافل الثقافية العربية ولغة "فولتير" في المحافل الدولية، لكن تبقى لغة الرئيس الراحل هواري بومدين هي الأكثر تأثيرا في الشارع الجزائري فهو أول رئيس يفرق بين الثوروي (نسبة إلى الثورة ) والثوري (نسبة إلى الثور) فالكلمة في خطابه كانت كالرصاصة تصيب الهدف دون تأويل.

سئل أحد حفظة قصيدة المرحوم عبد الرحمن المغربي ( الصبر لله والرجوع لربي) لماذا كان الباشاغوات والقياد في عهد فرنسا تمنح لهم الآبار فرد: "حتى يغسلوا الذنوب التي يرتكبونها في حق اللغة الفرنسية أثناء ترجمة أوامر أسيادهم الفرنسيس"، وسئل رئيس حكومة سابق: "لماذا عين الرئيس بوتفليقة عبد المالك سلال وزيرا للموارد المائية ؟" فأجاب: "حتى يغسل عظامه من الذنوب التي يرتكبها في حق الشعر والشعراء والدين واللغة العربية والدارجة والفرنسية" فاستغرب السائل من هذه الإجابة وأعاد الاستماع لخطب سلال فتعجب من الابتذال اللغوي والفكري وتساءل: هل يعقل أن يكون الأمير عبد القادر الشاعر والمتصوف والأديب مؤسسا لدولة تنجب أمثال هؤلاء الذين يحكمون اليوم الجزائر؟، وهل يعقل أن يكون الشيخ عبد الحميد بن باديس شارح القرآن الكريم وراعي اللغة العربية في مدينة تنجب من يقول: "بماذا نعمل الدفاع الوطني، بالشعر، أي مجتمع لا يعتمد على العلوم والرياضيات لا يكون له مستقبل، لكن إذا أراد أن يبقى في الشعر فليبقى في قل أعوذ برب الفلق".

قد يقول البعض أنه يفكر بغير اللغة التي يتحدثها لكن هل يعقل أن يصبح الفقراء "فقاقير" وأن يصبح الطلبة مجرد "عتاريس" وأن يتم التراشق بالجدة والأم في ثنائية (سلال - سعداني) بالقول "ناناك اللي تروح . بوتفليقة ما يروحش"، وتتداول مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأخطاء بحيث انها صاغت دعاء يقول: "ياربي ما تصبش المطاطير يوم 19نوفابيير باش يلعبوا الخضاضير ويفرحوا الفقاقير"؟.

إن الاعتقاد السائد عندي أن الشعبوية لا تعني استخدام المفردات السوقية، فاللغة وسيلة تواصل بين الحاكم والمحكوم والنكتة تعني إدخال البهجة والسرور على الآخرين وليس المساس بمشاعرهم وقيمهم ففي المغرب العربي يلجأ المواطنون إلى اختزال الأسماء فيختصرون عبد الحفيظ في "حقه" وعبد القادر في "دقه" وهو دليل على رقي التعبير الشعبي، وإذا كان من يتحدثون "الدهاليز" أقل مني سنا وخريجي المدرسة الجزائرية، فبأية لغة سيتحدثون لو كانوا في سني؟ .

 

الإشاعة من أجل استقرار الجزائر؟

من الصعب على المتتبع للشأن الجزائري أن يدرك ما يجري بين أصحاب القرار، فالمعلومة تتجدد يوميا والتحليل الذي يبنى عليها يكون متجاوزا إذا لم يغير صاحبه رأيه ليكون مسايرا للمستجدات والإشاعة تكاد أن تكون الخبر الأكثر تداولا، فالحديث عن العهدة الرابعة وتصريحات رؤساء الأحزاب والشخصيات المساندة أعطت انطباعا عاما بأن الانتخابات الرئاسية لعام 2014م ستكون مغلقة والحقيقة التي لا تقال هي أن دعاة العهدة الرابعة هم ممن يواجهون مشاكل داخل أحزابهم فيلجؤون إلى إقحام اسم الرئيس للانتصار على خصومهم حتى يوهموا الرأي العام بأنهم مقربون منه، وحتى الآن لا توجد إشارة واحدة من الرئيس بأنه عازم على الترشح، ومن يقبل بأن تلتقط له صورة وهو على كرسي متحرك وخلفه حكومته من الصعب أن يفكر في غير العناية بصحته.

أذكر أن الرئيس رفض عام 1994م أن يكون مرشحا للمجتمع المدني فلماذا يصر البعض على أنه يدعم هذا المجتمع على حساب السلطة العسكرية التي جاءت به عام 1999م رئيسا للجزائر في الدور الأول من انتخابات وصفتها بالتعددية؟ وهي التي افتعلت مشكلة مع أوراق توقيعات الدكتور طالب الإبراهيمي حتى لا تتكرر عملية التزوير التي وقعت في العهدة الأولى وأدت إلى انسحاب المنافسين، وحتى عملية تعديل الدستور التي سمحت بالعهدة الثالثة كانت باتفاق مع المؤسسة العسكرية.

إن الدور الحالي الذي يؤديه الوزير الأول والأمين العام لجبهة التحرير يأتي في سياق "ابتذال "العهدة الرابعة والإشاعة بأن الرئاسيات ستكون مغلقة هو بمثابة ضمان للاستقرار السياسي وتهدئة الرأي العام الجزائري حتى لا تتحول رئاسيات 2014م إلى مجرد حلبة صراع "ديكه" على من يخلف الرئيس، فالمقربون من محيط الرئيس يستبعدون تعيين نائب له في حال تعديل الدستور أو تزكية من يخلفه بالرغم من أن استقباله للأخضر الإبراهيمي في بيته فسر على أنه بحث عن مخرج للصراع الوهمي بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، وهو ما سماه البعض الآخر بالطرف الثالث والاحتمال الوحيد لبقاء الرئيس في الحكم هي اندلاع حرب - لا قدر الله - بين الجزائر والمغرب وهو أمر تستبعده الدوائر الأمريكية والفرنسية وإن وردت إشارات إليه في خطاب الأمين العام لجبهة التحرير أثناء المقارنة بين روزفلت وبوتفليقة وأخرى على لسان وزير الداخلية والتستر على تبادل رسائل بروتوكولية في وسائل الإعلام الرسمية المغربية بمناسبتي أول نوفمبر وذكرى عودة الملك محمد الخامس من منفاه.

إن التقارير الفرنسية تصف الانتخابات الرئاسية القادمة بالغامضة، وهو ما دفع مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى اختيار أحمد أويحيى (رئيس حكومة سابق وحزب التجمع الوطني الديمقراطي) لرئاسة بعثتها لمراقبة الانتخابات التشريعية في موريتانيا المقررة يوم 23 نوفمبر الجاري وكأنها تريده "شاهد زور" عليها وتسعى إلى تسويقه إعلاميا بعد أن أبعده بوتفليقة سياسيا.

وفي انتظار تقديم حصيلة حكم بوتفليقة في البرلمان لتزكيتها وإجماع الأحزاب السياسية على "استجدائه" لعهدة رابعة يكون النظام الجزائري قد حقق انتصارا على دعاة التغيير فهو الذي جاء بالرئيس وهو الذي أبقاه 15 سنة في الحكم وهو يعطيه اليوم الضمانات ليعلن عن عدم ترشحه ويشكر الشعب على دعمه له في الاستفتاءات الخاصة بالوئام المدني والمصالحة ويعتذر لمن زكوه لعهدة رابعة متمنيا نجاح الرئاسيات القادمة.

 

ربما يقول البعض أنها مجرد تمنيات، فالرجل متشبث بالحكم حتى النخاع لكنني متأكد أن الجهة التي تقف وراء إشاعة العهدة الرابعة هي الجهة نفسها التي تفاوض معها الرئيس قبل مجيئه ووضعه الصحي لا يتحمل ما قد يلحقه من أذى خلال الحملة الرئاسية في حال دخوله ووجوده في السلطة لا يضمن له الاستقرار النفسي ولا الصحي ولا يستطيع حماية محيطه.