وسط السَّيل العارم من المُتناقضات، تَتيه القِيَم وتَنعدم جدوى الكلمات، وكأنَّ القومَ يُساقون سراعًا بمنطق اللَّكمات، وكأنَّ البَسيطة أضحت حَلْبةَ صراعٍ بعدما هاجت وماجت فيها الأزمات، وبين دوِّي اللَّكمات وأنين الكلمات، تاهت ــ للأسف ــ أجملُ المُفردات.

ومما يثير العجب، أنه مع نعومة الحياة غابت المُفردات الجميلة التي تُخبرنا بصفاء سريرة قائلها، وحلَّت نقيضتها مظاهر باليات.شيءٌ مثيرٌ للخجل من النفس، أن نذكر كيف كان يعيش آباؤنا، وكيف نعيش نحن الآن، وشيءٌ يبعث على المرارة، أن ترتبط مظاهر التقدم الآن بتراجع القِيَم!

إذًا، غابوا فغابت! كيف حافظ آباؤنا على مُفردات القِيَم رغم خشونة العيش، وقسوة الحياة؟ ولماذا تاهت المُفردات نفسُها عند الأبناء، رغم نعومة العيش، ورفاهية الحياة؟ لِنتأمل ــ بعين الحكمة ــ ذلك الأمرَ المُثير للتفكير والعَجَب، ولنبحث عن سر غياب تلك المفردات.

لننظر ماذا كان يسمع آباؤنا؟ وماذا كانوا يرون ويعملون؟ وأين كانوا يسكنون؟ وكيف كانوا يحصِّلون قُوتَهم وشرابهم؟ وماذا كانت رؤيتهم للحياة؟ وما هي حكمتهم في الوجود؟

إنهم كانوا يسمعون للطبيعة، ويرونها بجمالها وأصالتها، ويعملون بآليَّة تتفق وكل الكون، فالنهار نهار، والليل ليل، بفطرةٍ سويَّة وكانوا يأكلون من أرضه، وكانت رؤيتهم للحياة، فامتلكوا الحكمة في كل أمورهم، فركبوا الحياة ــ رغم قسوتها ــ وما لانت عريكتهم، وخبَروا حقيقتها فخبرت حكمتهم وثباتهم، وما حدث يومًا أن استَهوتهم، فكانت مَرضاة الله غايتَهم، فاعتلوا أعتى الأمواج وما أغرقتْهُم.

أفلا أدري لماذا لا يجاريني القلمُ، فأراه مُجبرًا على التوقف بعد (نحن) ليلتقط أنفاسَه ــ إن وُجدت ــ كي يستطيع التعبيرَ عما يرى ويسمع، وما هي رؤيتنا للحياة؟ وما هي حكمتنا في الوجود؟

عُذرًا! فقد تلوثت الأسماع، فسمعتْ ما لا يليقُ وجمالَ وعظمة ديننا، واهتزت الصورة فتاهت وسط تفاصيلها المشوَّهةِ مفرداتُ القِيَم ــ وكأنها تسخر منّا ــ وغابت مبادئُ كثيرة تمامًا كما غاب آباؤنا!

اللَّهم اغفر لأبي وارحمه ــ وكل من يرى حرفي ووالديه ــ واحشره مع النبيين والصدّيقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

عيسى فراق

 

..نعم، لقد تلوثت الأسماع وكلّ الحواس الخمس، يا عيسى يا فراق، لكن دعني أقول لك أنه الحمد لله، أن أثر وآثار آبائنا مازال مؤثرا فينا، وإلا "خلات علينا وعليهم" والعياذ بالله!

نحن جميعا مسؤولون عن التلويث والتشويه والتنصـّل عن مبادئ كنا نتنفسها، ونحيا بها ونموت من أجلها، لكن من واجبنا اليوم، أن نبكي حالنا وأحوالنا، عن هذا التقليد الأعمى والفنتازيا والتفكير البهلواني للأشياء وحلّ المعضلات!، لكن علينا أن نعترف اليوم وغدا، أن آباءنا خلقوا لزمان غير زماننا، وخلقنا نحن لزمان غير زمان آبنائنا.