• بومدين رفض تزويد جيش الداخل بأيّ رصاصة إلى غاية الاستقلال
  • استشهاد بن بولعيد وبن مهيدي وجًَّه ضربة موجعة للثورة
author-picture

icon-writer حاوره: بلقاسم عجاج

يكشف الحقوقي والمجاهد والمحافظ السياسي في الولاية الثالثة التاريخية حسين زهوان، في الحلقة الرابعة من شهاداته لـ"الشروق" عن التغيرات التي أحدثتها الوقائع الميدانية إبان الاستقلال، والتي غيرت تطبيق اتفاقيات إيفيان، وإلغاء المأساة التي كان سيعيشها الفرد الجزائري تحت سيطرة "الأقدام السود". كما يحمِّل المتحدث الرئيسَ الراحل هواري بومدين مسؤولية عدم تزويد ولايات الداخل بالسلاح، عقب اشتداد المعارك مع العدو الفرنسي.

 

 ما هو دافع تظاهر "الأقدام السوداء" عقب وقف القتال؟ 

 عقب وقف القتال في 19 مارس 1962 بدأ الشعب يحضّر للمشاركة في استفتاء 3 جويلية من نفس العام والتصويت بـ"نعم" لاستقلال الجزائر، وقد شرع "الأقدام السوداء" في التظاهر، بعدما اشتدّ الحصار عليهم يوميا من طرف الشعب ومناضلي الجبهة وانطلقوا في الهروب نحو الخارج، وهو ما لم يكن يعكس مضمون اتفاقيات ايفيان التي كانت تنص على بقائهم في الجزائر والمحافظة على كافة امتيازاتهم و"أملاكهم    ".

 

 هل حقيقة أن الاتفاقية الأصلية لإيفيان لم تحسم في قضية السيادة؟ 

 فعلاً لو طُبقت اتفاقية ايفيان حرفياً كما جاءت في مضمونها لما كانت الجزائر كما هي عليه اليوم، وكنتَ سترى "الأقدام السوداء" تتمتع بحقوق وامتيازات كثيرة تحت سلطة جزائرية .

 

 هل هذا معناه أن المفاوضين تنازلوا عن جوانب من السيادة؟

 الضرورة اقتضت ذلك، وكذا موازين القوة، بحكم أن الجيش الفرنسي كان يتشكل من مليون جندي، ولو طُبقت فعلاً بحذافيرها لما كان للجزائري أن يتمتع بما هو عليه اليوم، ولكانت الجزائر بصورة مغايرة لما هي عليه حاليا، وستجد المواطن الجزائري فرنسياً والجزائر مقيدة في يد "الأقدام السوداء"، وكان نزول القوات الجزائرية من الجبل ودخولها من الخارج سيعمل للحفاظ على المصالح الفرنسية، لكن جاءت انتفاضة القوى الشعبية.

 

 هذه الفترة لم يُسلط عليها الضوء، فكيف كانت الوقائع بالضبط؟

 لما لجأت منظمة "أو آ س" إلى العنف والتفجيرات لإفشال اتفاق وقف إطلاق النار، جاء رد جيش التحرير وحصلت مخاوف وسط الشعب، وأحسّ "الأقدام السود" بالخطر فلجؤوا بدورهم إلى العنف، ولم تبق بذلك شروط إيفيان قائمة، وأصبح الواقع يتجسد في الصدام، والحسم لمن يتفوق ميدانياً، فهرب المعمّرون الفرنسيون غداة الاستقلال، واسترجعنا السيادة والأرض والبيوت، وفتحت فرنسا جسرا جويا لتسهيل انسحاب "الأقدام السوداء" الذين هربوا وتركوا سياراتهم.

 وهذه الفترة لم يُسلّط عليها الضوء فعلا، وهذه الوقائع شاهدتها في العاصمة، ثم وقع استفتاء 3 جويلية لنيل الاستقلال، والذي أعلن عن نتائجه في 5 جويلية، واعتبر المجاهدون رمز استرجاع السيادة هو تاريخ دخول فرنسا في 5 جويلية سنة 1830.

 

 هل استفاد "الحركى" من الهروب ضمن المرحّلين؟ 

 أخذوا البعض وتركوا الآخرين الذين لحقوا بهم فيما بعد، ووقعت صدامات مع الشعب.

 

 من نجا "الحركى" من الهلاك؟

 الجيش وجبهة التحرير؛ فقد وضعوهم في السجون، لأن الشعب انتفض ضدهم وتجاوز الجيش وأراد تصفيتهم بحكم أنه يعرف جرائمهم ضده أثناء الثورة.

 

 وماذا وقع لهم بعدها؟

 أُطلق سراحهم لاحقاً، وأدخل بومدين بعضهم إلى الجيش.

 

 كم كان عددهم؟

 نحو 200 ألف.

 

 الرائد بورڤعة يقول إنهم في حدود مليون شخص؟

 يستحيل ذلك، ومعناه أن 15 بالمائة من الشعب هم "حركى"، وإذا لم نعد النساء والأطفال فمعناه أن نصف الشعب كان "حركيا" وهذا غير معقول.

 

 لماذا أدخلهم بومدين إلى الجيش؟

 استعملوهم في وحدات عسكرية لشقِّ الطرقات وبناء الجسور للجيش.

 

 هل صحيح أن "الحركى" أخروا الاستقلال بثلاث سنوات؟

 فرنسا أحضرت مليون عسكري من نخبة قوات جيش الناتو، ومليون من الأقدام السوداء كانوا مسلحين و754 ألف آخر، وكذا القوات الإضافية، وقد حدث اشتباك في سيد علي بوناب فجاءت طائرات من تولوز وقصفت المتطقة وعادت إلى القاعدة العسكرية هناك، ففرنسا كانت على بُعد ساعة من الزمن جوا، وفعلا أخّر "الحركى" فعلاً الاستقلال، لكن لو تقارن في كل الحروب طويلة المدى فإن نسبتهم قليلة مقارنة بالشعب، وحتى الفيتناميون تفاجؤوا وقالوا لبعثة الجبهة هناك: "كيف لم يجد المستعمِر على من يرتكز من أوساط الشعب لتأسيس حكومة موالية له؟"، فمقارنة بالفيتنام فقد جنّدت أمريكا مليون فيتنامي كجيش مضاد للحركة القومية، وهذا المليون انهار مثل قصر من الورق يوم فشل الأمريكان.

 

 برأيكم لماذا اندلعت "حرب الولايات"؟

 الشرارة بدأت في الخارج منذ أزمة طرابلس، ولما دخل القادة الخمسة إلى الوطن، ازداد الخلافُ بين الحكومة المؤقتة وهؤلاء القادة، الذين انقسموا على اثنين؛ البعض مال مع قيادة الأركان والبقية مع الحكومة المؤقتة، أو الحياد وأدخلوا البلاد في أزمة، فتخندقت الولايات الثانية والثالثة والرابعة مع الحكومة المؤقتة، والأولى والخامسة والسادسة والأركان والقيادة العامة مع ما يُسمى معسكر المكتب السياسي تحت قيادة بن بلة.

 

 هل صحيح أن بومدين خاف على الوحدة الترابية بسبب ما أشيع عن محاولة انفصال الولايتين الرابعة والثالثة؟

منذ مؤتمر الصومام، برز ما يُسمى بتقسيم الولايات، وفي البداية كانت الأوراس، وبعد استشهاد بن بولعيد دخلت الولاية في أزمة داخلية، أما الولايات الرابعة والثالثة والخامسة والقاعدة الشرقية فلم يعد لديها انسجامٌ ولم تبق قيادة مركزية، ولكن لما عُقد مؤتمر الصومام حدث الخلاف بين ما يُسمى جماعة الخارج وجماعة الداخل، والآخرون اتهموا بأن مؤتمر الصومام لا يمثل كل القوات الوطنية الموجودة، فجماعة الخارج قالوا إن اللقاء وقع دون مشاورة، وبعضهم قال إن البربر هم من نظموه وهذه التهمة أخرجها محساس وكذا بن بلة.

وفي أكتوبر 1956، ألقي القبضُ على الخمسة في الطائرة، وكانوا يقصدون عقد مؤتمر مضاد وبورقيبة موافق على ذلك.

 

 يقال إن بورقيبة وافق على ذلك في إطار مهمة القضاء على الوحدة القومية التى أرادها عبد الناصر؟

 بن بلة يعترف ويقول: جئنا إلى طرابلس وانتظرنا فتح الطريق لنا لحضور المؤتمر ضد مؤتمر الصومام، وقد تدخل آيت احمد أخيرا في قناة " بربر تي في"، وقال: "كنا سنقيم مؤتمرا مضادا، واعتقالنا أصبح فرصة غير منتظرة لإنقاذ مصير الثورة"، ويقول إن الثورة كانت ستُشنق لو انعقد المؤتمر المضاد لمؤتمر الصومام.

 

 مع من يمكن لبن بلة عقد المؤتمر المضاد؟

 مع الولاية الأولى والقاعدة الشرقية والقوات الموجودة في تونس وطرابلس ومصر، والشبكة التي كان يشرف عليها بن بلة ومن عليهم النفوذ جهة المغرب، ولم ينجحوا وفرنسا اعتبرت أنها قامت بعملية ناجحة ضد القادة الخمسة، غير أنها أغرقت نفسها.

 

 هناك من يعتقد أنها أرادت جعلهم زعماء؟

 لا.. هذا اعتقادٌ خاطئ، لأنها أنقذت الثورة واعتقدت أنها قامت بعملية جوية ناجحة وقضت على قادة كبار للثورة، ولكنها زادت في وهج الثورة، وأول كتاب لمبروك بلحسين عن القاهرة والجزائر وما بين عبان وخيضر، يقول: "القيادة الفرنسية كانت عمياء، اعتقدت أنها نجحت، لكنها أنقذت الثورة من الانفجار".

 

 أين يكمن لب الصراع؟

 استشهاد بن بولعيد شكَّل كارثة، لأن كريم بلقاسم كان يملك معه سر اشتعال الثورة، وكارثة ثانية استشهاد بن مهيدي، فأصبح كريم القائد التاريخي، لأنه محكوم عليه بالإعدام ثلاث مرات، ومن مجموعة الحركة الوطنية لسنة 1947، محاصَراً بإشاعة الجهوية التي استغلتها جماعة بوصوف ضده، بعدما برز كقائد. وبعدما أزاحوا أمحمدي السعيد وصعد بومدين، سايره علي منجلي على أساس جهوي، ثم أرجعوها باسم قيادة الأركان للتحكم في الولايات، ليتصرفوا كقيادة للأركان، لكنهم قووا أنفسهم هناك في الخارج ولم يبعثوا لنا ولو خرطوشة واحدة.

 

 لكن صعوبة التموين كانت بسبب خطِّي شارل وموريس؟

 لا، لم يبعثوا حتى بالنقود ولم يقوموا بأيّ عملية نوعية لتخفيف الضغط على القوات في الداخل، كانت لهم رؤية جهوية وحساباتٌ خاصة.

 

 يُقال إن بومدين كان يحاسب الجنود بعمليات نوعية بإحضار أعمدة حديدية؟

 كل شخص حافظ على مصالحه المحلية، ومن دفع الثمن هم أناس الوسط أي الولاية الثالثة والرابعة، وتحتَّم عليهم الذهاب دون سلاح حتى إلى تونس لجلب الذخيرة أو السلاح، وكانت الأسلحة تدخل من يد إلى يد لتصل إلى المقاتل وهو دليل على التفكير الجهوي وليس القيادة المركزية، وتضطر للذهاب لمدة 45 يوما مع مخاطر مواجهة العدو الذي يترصد جوا وبرا، و80 بالمائة هلكوا في الطريق والآخرون عاشوا في الخارج وهذا ما أضعف الثورة.

 

 هل تريد القول إنه لم تكن هناك سلسلة تضامن؟

 لا أقول أنه لا يوجد تضامن، وحقيقة أن عملية استرجاع أعمدة حديدية من الخط الملغم حصلت، وضرب خط شال بمدافع الهاون للتشويش على العدو فقط، وفعلا أدّب بومدين قواته وقضى على الفوضى، وأصبحت الوحدات العسكرية منظمة، لكن فيما بعد أصبح النشاط مثل جيش عادي كلاسيكي متمركز في مكانه، ومحاولات الدخول منعدمة، والمعارك كلها التي وقعت على أبواب عنابة من الولاية الثالثة فقط وجماعة بن شريف.

 

 معناه كان تفكيرهم مسبقاً في السلطة؟

 كان هناك 30 ألف جندي في الشرق و5 آلاف في الغرب بقيت كقوة احتياطية في الخارج وبها افتكُّوا السلطة، ومخطط شال وقع في الوسط في أول وهلة وبدأ انطلاقه في الولاية الرابعة ثم عمليات في جهة الولاية الثانية، للإغلاق على المنطقة الوسطى لأن العمليات والنشاط ضد مصالح الكولون تضررت بشكل كبير على محاور متيجة وقد ذكر ذلك الجنرال شال قائد الأركان في مذكراته.

 

 يقال إن الخلاف سببه أولوية العسكري على السياسي؟

 العمل السياسي كان قد وصل إلى حدّه مع اندلاع الثورة، فمنذ دخول فرنسا بدأت المقاومة مع الأمير عبد القادر إلى غاية 1925، ميلاد النجم الإفريقي كمبادرة في صفوف العمال الجزائريين والحركة العالمية المضادة للامبريالية خلقت الحركة الاستقلالية، إلى غاية 1937 حيث نشأ حزب الشعب الجزائري، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية مع بروز "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، وإلى غاية انطلاق الثورة، معناه أن النضال السياسي لم يعد يكفي، فاضطررنا إلى التوجه إلى العمل المسلح، وهنا أخذ العمل المسلح الأولوية على السياسي.

وهنا أصبحت الجماعة أمام جدار بسب أن الحركة السياسية لم تقفز طبيعيا إلى الحركة المسلحة مثلما حصل في الفيتنام وغيرها، أمام تصلب الاستعمار الفرنسي، برزت أزمة داخل صفوف الوطنية القومية، فعزم جماعة "لوس" للفدائيين على تفجير الثورة، ونتج عن ذلك جيش التحرير وجبهة التحرير، معناه العاملان السياسي والعسكري معاً، لكن في الحقيقة أن جيش التحرير وُلد قبل الجبهة.

وبشهادة مراد بوقشورة مالك البيت لاجتماع 22 أكتوبر 1954، الذي قٌرر فيه برايس حميدو، اندلاع الثورة في أول نوفمبر، وكان مراد معي في السجن بوهران ثم الأصنام، قال لي: "بعد توزع الشخصيات على الولايات التي سيقودونها، قالوا: من هو الجناح السياسي لقيادة العملية؟". وفي الحقيقة عبقرية بوضياف دفعته للقول: "هيا: نسميها جيش التحرير الوطني.. جبهة التحرير الوطني".

ولما جاء جيل متعلم وسياسي على غرار فرحات عباس، عبان رمضان، سعد دحلب ومحمد يزيد وغيرهم.. لم يتمكنوا من تغليب آرائهم على قادة المناطق، بقي الدفع العسكري يتغلب على السياسي، وقد اعترف فرحات عباس أنه لم يكن ثورياً، لكنه لم يقع في فخ الاستعمار ليُستعمل كوجه سياسي في مناوراتهم.

وفي سنة 1981، اعترف فرحات في تلفزيون فرنسي بأن: "هؤلاء العسكر أمِّيون لكنني أوجه التحية العسكرية لهم، لقد ركَّعوا جنرالات فرنسا". وبقيت إلى حد الساعة الأولوية للعسكري على السياسي.

 

يُتبع

 

**********

 

استدراك زهوان حول عباس مدني

أولا، أشهد للتاريخ أن عباسي مدني قد شارك في هجومات الفاتح من نوفمبر في العاصمة مع مجموعة تحت قيادة محمد مرزوقي والزبير بوعجاج في هجوم على مقر الإذاعة - شارع زبانة حاليا - وقد تم القبض على المجموعة أياما من بعد وحكم عليه بعشر سنوات وتم سجنه إلى غاية الاستقلال، هذه هي الشهادة التاريخية، وهو لم يكن في الهجوم الذي تم بالمتيجة مع سويداني بوجمعة.

ثانيا، تقديم صورتي معه وجها لوجه هو يضخم دور عباسي مدني في أول نوفمبر، وهو مشارك بسيط، وسياسيا توجهاتي تختلف عنه.