• بعد شهرين و20 يوماً في حالة "وفاة إكلينيكية" عاد إلى الحياة بمستشفى بجاية
author-picture

icon-writer وردة بوجملين

هي قصصٌ أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، لكنها حدثت فعلاً، قصص مئات الأشخاص الذين دخلوا في غيبوبة استمرت لأيام وأسابيع وأشهر، وبعد أن فقد أهلهم وذووهم الأمل في استفاقتهم أو عودتهم إلى الحياة مجددا، عادوا بقدرة الله سبحانه وتعالى إلى عالم الأحياء بعد انقطاعهم عنها. وهناك من يصل إلى حافة القبر ثم ينهض بين المشيّعين فيفرّ الجميع من الرعب.. كما حدث لعجوز من خنشلة قبل نحو سنتين، وهناك من انقطع نفسُه ساعات فاعتقد أهله أنه ميّت وشرعوا في إجراءات دفنه قبل أن يستفيق و"ينتفض" ويرمي أكفانه. هي حالاتٌ يعتقد العامة أنها بمثابة عودة "ميِّت" إلى الحياة، في حين يؤكد الطب الحديث أن المسألة تتعلق فقط بـ"الموت الإكلينيكي" أو "السريري" وأن الروح لم تغادر الجسد وإن توهّم الأهلُ ذلك.

يؤكد كل من شارف على الموت ثم نجا منه بأعجوبة، كمن تعرّض للغرق مثلاً ثم أنقذَ في آخر لحظة، أنهم يرون كل تفاصيل حياتهم منذ لحظة ميلادهم إلى غاية تلك اللحظة التي بلغ فيها حافة الموت، وكل ذلك يتمّ في لحظات فقط، وكأنه حلمٌ أو شيء من هذا القبيل.

وقصص "العائدين من الموت" ممن أشرفوا عليه ثم عادوا إلى الحياة لاستكمال أجلهم الذي كتبه الله لهم، عديدة ومشوّقة، ومليئة بالعِبر للعصاة والغافلين عن ذكر الله، فهي فرصة لهم للتوبة واستدراك ما فاتهم وقضاء بقية أعمارهم في العمل الصالح.

ومن القصص الغريبة لـ"العائدين من الموت"، تلك التي روتها زوجة "عمِّي حسان" صاحب الخمسين عاماً عنه قبل سنة كاملة، دخل العم حسان في غيبوبة إثر تعرضه لجلطة دماغية، نقل إثرها إلى مستشفى "أعمريو" ببجاية، تقول الخالة سعدية: "دخل زوجي في غيبوبة عميقة بعد تعرضه لجلطة دماغية، كنا نعتقد أنه سيستيقظ منها بعد مرور وقت معين، لكنه لم يستيقظ، وبقينا ننتظر استفاقته وعودته إلى الحياة مجددا في حين كان هو يرقد في غرفة الإنعاش بمستشفى بجاية، مرت أيام وأسابيع وأشهر ولكن دون جدوى حالته في تقهقر متواصل ولا أمل في عودته إلى الحياة إلا بمعجزة إلهية، قرر الطاقم الطبي الذي يشرف على علاجه بعد مكوثه لشهرين وعشرين يوما في غرفة الإنعاش، أن يجرِّده من أجهزة التنفس الاصطناعي التي كانت تساعده التي زود بها، لكن ابنتي حيزية منعتهم من ذلك وترجَّت الطبيب بأن لا يجرده من تلك الأجهزة إلى درجة أن قبَّلت رجليه، فقبل الطبيب بعد أن تدخل أحد أقاربنا العاملين في المستشفى، عدت إلى البيت قبل حلول الظلام، كنتُ وبقية أبنائي نترقب الجديد بخوف شديد خاصة بعد أن أخبرنا الطبيب أنه لا أمل في شفائه، لم ننم تلك الليلة وإذا بهاتف المنزل يرنّ، كان ابني بلال الذي اخبرني أن والده استفاق من الغيبوبة التي كان قد دخل فيها وكانت المفاجأة غير منتظرة، عندما اتصلي بي ابني الذي لازم والده في المستشفى في حدود منتصف الليل.. قفزت من مكاني وحملت السماعة وإذا به ابني بلال يخبرني أن أباه قد استفاق، لم أتمالك نفسي من الفرح وأخذت عيناي تذرفان الدموع بدون توقف، وعمّت المنزل أجواء من الفرح والبهجة بعد طول انتظار، انتظار الصباح بفارغ الصبر حتى نذهب إلى المستشفى، ولكنه بقي يعاني من آلام حادة بالإضافة إلى  كونه لم يتمكن من التعرف علينا جميعا. منحه الطبيب الذي يعالجه إذنا بالخروج بعد مكوثه لأيام أخرى في المستشفى، وعندما خرج إلى المنزل بقي لأيام أخرى قبل أن يستعيد عافيته من جديد، كان كمن بدأ حياته من جديد، فأخذ يتعرف على المحيطين به من جديد بعد انقطاعه عن العالم لأيام طويلة، ورغم استرداده لعافيته إلا أنه مازال يعاني ضعفا على مستوى الجهاز العصبي.

وهذه قصة السيدة عائشة، التقيناها في أحد مراكز التأهيل الحركي، حيث أكدت لنا أنها عادت إلى الحياة بعد غيبوبة عميقة استمرت لأكثر من شهر، صارعت فيها الموت إلى غاية أن تمكَّنت بعون الله ثم جهود الطاقم الطبي الذي كان يشرف على حالتها من الاستفاقة من الغيبوبة العميقة: "لم يصدِّق أهلي أنني عدت إلى هذه الدنيا، خاصة وأن الأطباء يئسوا من حالتي ونصحوا أهلي بنقلي إلى المنزل وانتظار ساعة وفاتي، ولكن مشيئة القدر كانت أقوى، الحمد لله الذي كتب لي عمرا جديدا ورغم أنه ليس بإمكاني أن أمشي وأتنقل بسهولة كما في السابق، إلا أن حالتي أحسن بكثير مما كانت عليه في السابق". وأردفت السيدة عائشة قائلة: "كنت أعاني السكري والضغط والكوليسترول ونتيجة عدم امتثالي للنظام الغذائي الذي نصحني به الطبيب الذي يعالجني تعرَّضت لمضاعفات صحية دخلت إثرها في غيبوبة طويلة كما نجم عن ذلك عدم تمكني من المشي أو تحريك أعضائي بالشكل المعهود".

حالة الشاب يحيى تستحق بأن توصف بمعجزة القرن، يروي يحيى قصة المأساة التي تعرض لها قائلا: "لم يصدق أهلي أنني عدت إلى الحياة بعد ما حدث لي". وأردف قائلا: "تعرضت لحادث مرور.. وحسب رواية من شاهدوا سيارتي بعده، والتي تحطمت بشكل كلي، دخلت في غيبوبة لأيام.. وعندما استفقت علمت من الطاقم الطبي الذي أشرف على علاجي أنني خضعت لثلاث عمليات جراحية إحداها على الرأس واثنتين على البطن، وأنني نجوت بأعجوبة من موت محقق لولا إرادة الله التي شاءت أن أبقى حيا". ويضيف: "لا يجب أن نيأس أو نفقد ولو للحظة ثقتنا في قدرة الله عز وجل، حتى نتمكن من مواجهة المرض".

قصة السيد أحمد لا تختلف عن القصص التي سردناها، ولكنها الأكثر مأساة، حيث دخل هذا الأخير في غيبوبة عميقة استمرت لأكثر من أسبوع بعد أن خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم خبيث من رأسه. استفاق هذا الأخير، حسب رواية زوجته، استفاقة حملت أمل الحياة إليه وإلى كل عائلته بمن فيهم أطفاله الصغار وزوجته، ولكن فرحتهم لم تستمر طويلا ولعلها كما قالت زوجته استفاقة "لتوديع الأهل".. فقد رحل السيد أحمد بعد استفاقته بأسبوعين، بعد أن دب الأمل في نفسه وفي نفس عائلته.

ويفسّر الطب هذه الحالات بأنها دخول في غيبوبة عميقة أو "متجاوزة". وهي التي يتوقف فيها المخ عن إعطاء الإشارات إلى الجسم للحركة والتفكير وغيرها من الوظائف الحيوية، في حين تبقى الرئتان والقلب تعمل بأجهزة التنفس الاصطناعي التي تضخ الأكسجين إلى الجسم، لبعض الوقت أملاً في عودة المصاب إلى الحياة، إذا كانت الغيبوبة بين الدرجة الأولى والثالثة، أو لانتزاع الأعضاء منه كالكليتين والقلب والكبد قبل رفع أجهزة الإنعاش عنه إذا بلغ الغيبوبة الدرجة الرابعة، لأنه يُشترط لنجاح عمليات نقل هذه الأعضاء وزرعها للمرضى أن تكون "حيّة"، وهو ما يثير اعتراض الفقهاء عادة ً باعتبار أن المريض لا يزال حيا في حين يرى الأطباء أنه "ميّتٌ" حتماً إذا بلغ الدرجة الرابعة من الغيبوبة وموته مسألة وقت فحسب كالديك الذي يُقطع رأسه ولكنه يبقى حيا بعض الوقت، فتخبّطه بعد الذبح لا يدل على أنه سيعود إلى الحياة أبدا.

أما الحالات التي يكفّن فيها "الميت" وينقل إلى القبر، ثم "ينتفض" وينهض، فيفسرها الطب أيضاً بأنها "موت إكلينيكي"، أي حالة "غيبوبة متجاوَزة" ولكن أهل المصاب يعتقدون أنه "ميت" تماماً فيشرعون في إجراءات الدفن دون نقله إلى المستشفى. وهو ما يحدث في الأرياف والمناطق النائية المعزولة عادة، ولذلك نسمع بقصص عديدة عن عودة "موتى" إلى الحياة قبل دفنهم، وما هم بموتى في واقع الأمر

  • mail
  • print
  • share