علاقة التقويم الهجري برسالة الإسلام

date 2016/10/04 views 2236 comments 7

ذكرتني مناسبة رأس السنة الهجرية –أول محرم 1438هـ-، التي تعتبر سَنَةُ التَّقويم الإسلامي، بعبارات قرأتها لأحد المستشرقين، لا أتذكر اسمه الآن ولا المرجع الذي قرأت فيه هذه العبارات، ولكن ما أذكره أن تلك العبارات لفتت انتباهي يومها وبقيت عالقة بذهني؛ بل وشدتني إليها كعبارات تستحق الوقوف عندها والتفكير فيها!!.

هذه العبارات هي قوله: إن الغرب اليوم لا يفهم سر اهتمام المسلمين بالماضي، في الوقت الذي يجب فيه الاهتمام بالمستقبل وليس الماضي؛ وذلك ما يستغرب له الغربي؛ لأن ما يهم الغرب هو المستقبل وليس الماضي، وأن الفتوحات الإسلامية لا تختلف عن غيرها من توسعات الدول التي كانت قبل الإسلام وبعده، وأضاف الرجل قائلا لم أجد من المسلمين من يذكر لي فرقا بين التوسع الإسلامي والتوسع الأوروبي مثلا ...، وإنما وجدت من المسلمين من يسمي التوسع الإسلامي فتوحات، ويطلق على التوسع الغربي مصطلح الاستعمار، الذي هو مستهجن.

هذه هي عبارات الرجل، أو ما معناها، أما علاقتها برأس السنة الهجرية، فهي الفروق الجوهرية التي بين الفكر الإسلامي والفكر الغرب، وبين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، وبين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي؛ بل الفرق بين الفكر الإنساني قبل الإسلام، وبين الفكر الإنساني بعد الإسلام، ولقد أشار علَّامة الهند محمد إقبال رحمه الله إلى ذلك الفيصل في كلامه عن ختم النبوة، عندما وصفه بالفاصل بين العالم القديم والعالم الجديد، أي أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تفصل بين عالمين: عالم قديم، في فكره، في تدينه، في قيمه، في ممارساته..، إلى عالم آخر جديد في ممارسة الفكر، وفي التدين، وفي القيم...إلخ، وذلك لا يعني أن هذه الرسالة قد مسحت كل شيء جاء قبلها ونسخته بالتفصيل، وإنما استوعبت كل ما يتعلق بالتجربة الإنسانية كلها وتجاوزته إلى الأفضل والأكمل والحسن، وكما قال الر سول صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولم يقل لم تكن هناك أخلاق وقد جئت بها انا، وإنما قال لأتمم، أي أن هناك أخلاق وقيم حضارية موجودة عند الإنسان وانا بعثت لأتممها بما جئت به، وكما قال أيضا "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين، فرسالة الإسلام بعظمتها وقوتها وصحتها، لم تكن إلا لبنة في بنيان كبير!!!، وهو صرح البناء الإنساني، تلك هي عظمة الرسالة التي لم تهمل جهدا بشريا بذل لخدمة الإنسان لآخرته أو في دنياه.

فاعتماد الهجرة للتأريخ الإسلامي مثلا كان لأهمية موقع حدث الهجرة في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلاقة ذلك بمضامين هذه الرسالة التي قلنا إنها فاصل بين العالميْن، القديم والجديد. والذي سن هذا التقويم كما يقول أهل التاريخ هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لتكون بداية التقويم الإسلامي من السنة الأولى للهجرة، ورغم أن الهجرية كانت بعد مضي شهرين من العام القمري، حيث كانت في ربيع الأول، إلا أن ذلك لم يمنع عمر من الدعوة إلى اعتماد الشهور القمرية، التي  تبدأ بمحرم، فكانت الهجرة في ربيع الأول من السنة الأولى التي تأسس فيها المجتمع الإسلامي الذي نشأ بمؤسساته في المدينة المنورة، انطلاقا من حدث الهجرة إليها.

واختيار الشهر القمري للتأريخ الإسلامي، لتكون عملية التأريخ متناغمة مع التشريعات الإسلامية المنسجمة أساسا مع المنظومة الكونية، فعدة الشهور هي اثني عشر شهرا (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ....)، وهذه الشهور قد تعلقت بها عبادات وتصرفات متنوعة في المجتمع، وبحكم أن العرب كانت تتصرف في التاريخ والأيام وتتحكم فيها وفق الأهواء والتشهي فيما يعرف بالنسيء (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ....)، فترتب عن ذلك أن العرب أضحت تحج في غير موسم الحج وتحرم وتحلل خارج زمن الحل والحرمة الحقيقي، بسبب زحزحة الشهور عن مواقعها الصحيحة، فيما يعرف عندهم بالنسيء، وتصحيح ذلك الخلل الذي سببه النسيء في الشهور والأيام، أعلنت الرسالة عن تعديل ذلك الخلل الذي كان عليه التاريخ، ليعود حساب الأيام والسنين إلى وضعه الذي كان عليه قبل التدخل البشري في التصرف في الأيام والشهور كما كانت تفعل العرب بالنسيء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ".. أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض.." أي أن هذه الرسالة التي جاءت لتكون متناغمة مع حركة الكون وفطرة الإنسان، تعلن أن في تلك اللحظة في حجة الوداع قد عدل الخلل الذي تصرف فيه البشر، ليتم الانسجام مع حج  المسلمين –في زمنه المطلوب- إلى أن تقوم الساعة، ويكون الصوم في زمنه المطلوب والصيام والزكاة والعدة والحمل...إلخ، وإلى ما هنالك من الأمور المتعلقة بالعبادات والمعاملات، ولعل هذا هو السر في تأخير حج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الزمن الذي كان قبيل وفاته، بحيث سميت حجة الوداع، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم قبلها.

وتميز التقويم لهذه الحضارة الجديدة ضروري، ولكنه لا ينبغي أن يكون تقويما عاديا مستنسخا عن الغير، كالتقويم الروماني الذي يؤرخ بميلاد المسيح عليه السلام، الذي شرع في اعتماده سنة 532 للميلاد، وإنما ينبغي أن يكون تقويما متميزا، لأنه مرتبط بالرسالة الخاتمة وقيمها، فهو تقويم مرتبط بالعبادات والتشريعات الإسلامية، على خلاف التقويم الروماني الذي ارتبط بميلاد المسيح عليه السلام,

لقد كانت الشهور القمرية متداولة بين العرب، وهي مما أقره الإسلام من معاملات العرب، ثم إن القرآن نفسه نص على أن هذه الشهور –الشهور القمرية- هي إثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، أي أن هذه الشهور كانت بقرار إلهي يوم خلق السموات والأرض، قد يكون لأسمائها دخل للإنسان في وضعها، ولكن ضبطها، مقدارها، عدد أيامها، حركتها، وتغيراتها ضمن حركة الأفلاك والكواكب، كل ذلك من صنع الله وفق حركة الكون كله، وإضافة المسلمين المتميزة في هذه الشهور هي إضافة السنة وربطها بحدث عظيم في التاريخ الإسلامي، على خلاف ما كانت عليه العرب، التي كانت تعتمد الشهر، ولكن السنة تؤرخ لها بحدث بارز، كعام الفيل مثلا.

والهجرة لم تكن حدث عاديا في التاريخ الإسلامي وإنما كانت حدثا فاصلا بين مرحلتين لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهما مرحلة المكية التي كانت مرحلة المؤمنين الفرادى، إذ لم يكن التركيز في الرسالة إلا على مجرد الإيمان والتصديق، وما دون ذلك توجيها عاما.. فقد أمر المؤمنون يومها بالصلاة والزكاة وغير ذلك من القيم، وإنما كانت على سبيل الإجمال، اما التفصيل والتقنين والترتيب فقد كان لاحقا في المرحلة الثانية التي هي مرحلة المدينة التي كانت فيها تأسيس الدولة الحديدة، فكانت التشريعات التفصيلية في العبادات للأفراد والجماعة المسلمة، وكذلك المعاملات في إطار الدولة الإسلامية التي يوجد فيها المؤمنون وغير المؤمنين فكانت وثيقة المدينة المعروفة وهي أول دستور للدولة الذي يضبط مفهوم المواطنة في المجتمع الإنساني بمفهومه الذي نعرفه اليوم بحيث لم يعتبر من كان خارج المدينة من المسلمين من المجتمع الإسلامي (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). أما فعل الهجرة في ذاته فهو عبارة عن ممارسة للحرية التي فرضها الإسلام على معتنقيه، بحيث لم يجز لهم الرضى بالضعف والاستكانة والذل والهوان، فكانت الهجرة واجبا من الواجبات التي كان على النبي صلى الله عليه وسلم فعلها تمردا على واقع فرضه الطغاة والمستبدون، وحماية للرسالة التي ينبغي أن تصل كل البشرية وتنفيذا لأمر الله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

وللتعقيب على عبارات المستشرق المذكورة في صدر هذا الحديث ترجئها للأسبوع المقبل إن شاء الله.  

  • print