لماذا لا نتقدّم؟ وما الذي نبغي أن نفعل؟

date 2016/10/06 views 1522 comments 33

لا يحدث التقدم فجأة، إنما هو مسار عرفته جميع الدول المتطورة اليوم انطلاقا من حالة ركود أو أزمة كانت بمثابة الدافع لها لابتكار طرق جديدة في التسيير والتنظيم والعمل وخلق الثروة، فحدث ما نراه في اليابان أو أمريكا أو أوروبا منذ أكثر من نصف قرن، ويحدث اليوم ما نراه في الصين والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل حتى لا نذكر سوى هؤلاء... لِمَ لا يحدث عندنا نفس الشيء؟ لِم لا نقتبس مما فعلوه؟ أم أننا لا نريد سوى أن نبقى نلعن الظلام ونَمنع بروز أي بصيص للأمل؟

الشركات اليابانية التي نراها اليوم عملاقة، والمؤسسات الأمريكية التي  نضرب بها المثل في القوة والكفاءة والفعالية، والإدارات الأوروبية التي كثيرا ما نُقدِّمها كأمثلة عن التقدم في التسيير والنظام والكفاءة، لم تصل جميعُها إلى ما وصلت إليها انطلاقا من فراغ. سبق التطوّر الذي عرفته حالات ضعف كثيرة، وحالات تُشبه الانهيار في كثير من الأحيان، إلا أنها ابتكرت الحلول التي تُمكِّنها، ليس فقط من البقاء، إنما من التطور والتفوق في مجال المنافسة العالمية، إلى أن وصلت إلى المستوى الذي هي عليه الآن المثير للإعجاب والانبهار حقا.

ولم تر هذه الدول عيبا في أن تقتبس عن بعضها بعض الأساليب والنظريات والخبرات بل تنافست في ذلك. كان اليابانيون باستمرار سبَّاقين في مجال ابتكار طرق وأساليب التنظيم الجديدة التي ترفع من الأداء وتزيد من الجودة، وجاء بعدهم الأمريكان في هذا المجال، ونقل عنهما الأوروبيون الأساليب المختلفة ومازالوا.

 لا يزال الكثير من مسؤولينا يتوهمون أننا يمكن أن نتقدم بالتعليم التقني فحسب، ومازالوا يعتقدون أن مشكلتنا هي بالأساس تقنية ومادية ومالية، ولم يستوعبوا بعد أنها مشكلة عقلية وذهنية ونفسية وأخلاقية ولها علاقة وطيدة بأساليب التنظيم والتسيير؛ أي لها علاقة بمشكلة الإنسان نفسه.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والمسار يتطور بهذا الشكل. وانتقل الدور اليوم إلى الصينيين والهنود والبرازيليين وإلى كل مجموعة الدول التي أصبحت تُصنَّف ضمن القوى الصاعدة. وبقيت دول أخرى كثيرة  في العالم بعيدة عن هذا المسار، إما تتصارع داخليا في حروب أهلية، أو تُقحِم نفسها في صراعات إقليمية لا قِبل لها بها، أو تُبدِّد ثرواتها فيما لا ينفع، أو تغرق في متاهات سياسية وحروب كلامية بلا معنى تُفوِّت على نفسها الارتباط بالعصر ومواكبة التقدّم، ولعلنا نحن من بين هؤلاء.

يبدو أننا بالفعل لا نعير كثير الاهتمام  للاستفادة من خبرات الآخرين، كل ما  نُعلِّمه لطلبتنا في الجامعات من نظريات وخبرات ووسائل تنظيم وتسيير للحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية نزعم أنه غير قابل للتطبيق، ونُهدره هدرا، في حين كان بالإمكان الاستفادة منه فعلا...

مئاتُ الأساتذة في الجامعة وآلاف الطلبة النجباء في الكليات المختلفة، يَطَّلعون على أساليب التسيير الجديدة، والإدارة الناجحة، والتنظيم الفعال، ويعرفون النظريات المتعلقة بكيفية تفعيل النظم السياسية وتطوير أداء البرلمان وتمكين الجماعات المحلية من أداء دورها، وغيرها من أساليب إدارة الجودة في مجال الإنتاج وتمكين المؤسّسات من تحسين تنافسيتها... ولكنهم لا يجدون آذانا صاغية لأفكارهم أو مجالات حقيقية لتطبيق الأساليب التي تعلَّموها، وغالبا ما يتم نعتهم بـ"المثاليين" أو "النظريين" أو "غير الواقعيين"، إذا ما حاولوا التنبيه إلى ضرورة التغيير، ليُدمَجوا في آخر المطاف ضمن المسار الفاسد السائد وينتهوا بعد حين إلى جزء منه يزيده فسادا.

هذه الحالة لم تحدث عند الشعوب الأخرى التي عرفت التقدم بعد الأزمة، وعرفت كيف تستفيد من كل الخبرات التي حولها. لم تقم هذه الشعوب باحتقار علوم التسيير والإدارة والسياسة والإعلام وكل تلك التخصصات التي كانت تهتم بالإنسان في جانبه الاجتماعي والنفسي والروحي والثقافي، بل أعطته الأولوية التامة وكان هو محرك تطوّرها وتقدّمها، خلافا لما نفعل اليوم من احتقار وتهميش لهذه العلوم ومنعها من أن تكون بالفعل أداة رئيسة من بين أدوات التنمية.

لا يزال الكثير من مسؤولينا يتوهمون أننا يمكن أن نتقدم بالتعليم التقني فحسب، ومازالوا يعتقدون أن مشكلتنا هي بالأساس تقنية ومادية ومالية، ولم يستوعبوا بعد أنها مشكلة عقلية وذهنية ونفسية وأخلاقية ولها علاقة وطيدة بأساليب التنظيم والتسيير؛ أي لها علاقة بمشكلة الإنسان نفسه.

إننا نفتقد الروح المعنوية اللازمة التي تمكننا من استخدام الآلة بفعالية تامة، ونفتقد إرادة العمل التي تُمكننا من تحقيق الهدف من الإنتاج، ونفتقد القدرة التسييرية والتنظيمية التي تمنعنا من هدر القدرات التي نملك والإمكانات الكامنة لدينا، بل إننا نملك قدرة رهيبة على تعطيل ما نملك من وسائل ومنعها من أن تقوم بمهامها على أحسن وجه، وهذا الذي ينبغي أن يعالَج اليوم.

ولعل البعض تفطن إلى هذه المسألة وبدأنا نسمع حديثاً عن "وسم الجودة"، وبعض مؤسساتنا تبحث عن مقاييس الـISO، وأخرى تستنجد بخبرة أجنبية لتطوير أدائها مع بقاء "النيّة" من هذا التطوير محل سؤال... والواقع يستلزم الالتفات إلى الداخل بكل مؤهلاته، إلى القدرات الكامنة لدى أساتذتنا وطلبتنا (على الأقل المجتهدين منهم) الذين تمكنوا من الكثير من المعارف النظرية وأدركوا ما ينبغي أن نقوم به لننتقل من الحال التي نحن عليها إلى انطلاقة حقيقية نحو المستقبل؛ إلى التقدم.

لا أظن أن عشرات الأساليب التي اعتمدتها الدولُ المتقدمة سواء لمعرفة مكمن الخلل في اقتصادها، أو لتحديد منهجيات إصلاحه، أو لتحسين الأداء... ببعيدة عن متناولنا، ولكننا لا نملك سياسة شاملة في هذا المجال، ونغرق باستمرار في حل مشكلاتنا بالطرق التي أثبتت على مرِّ السنوات أنها غير ناجعة.

لقد أعجبني بعض الشباب الذين اقتنعوا بأن مشكلاتنا تكمن بالأساس في روح التسيير وليس في شيء آخر، وبادروا باقتراح أساليب "كايزن"Kaizen في هذا المجال، وهي مدرسة يابانية عريقة في مجال التحسين المستمرّ انطلاقا من القدرات الكامنة وليس اعتمادا على دعم خارجي، وطموحهم أن يتم تكييف "الكايزن" اليابانية مع الواقع الجزائري، خاصة وأنها تقوم على مبدأ أساسي في ثقافتنا لكنه مهمل "الإتقان في العمل" والتحسين المستمرّ فيه بدءا بأبسط الأشياء والمواظبة عليها (من عمل منكم عملا فليتقنه) و(أفضل الأعمال عند الله ما دام وإن قلّ). 

و"الكايزن" هي أحد أنجح الأساليب التي اعتمدتها الكثير من المؤسسات والدول ولا تزال، لوضع حد للهدر  في كل المجالات، من هدر الوقت إلى هدر للإمكانات إلى هدر للإنسان نفسه...

ولعل هذه الروح هي التي بدأت تنطلق من الأزمة التي بداخلنا، أن نعرف مَكمن الخلل لدينا، وكيف نعالجه، لنصل في آخر المطاف ليس فقط إلى مؤسسات ناجحة، إنما إلى برلمان ووزارات ودولة ناجحة بعيدا عن كل إيديولوجيات أو مزايدات أو صراعات.

إننا بحق، لسنا في مرحلة ينبغي أن نفتح فيها الأبواب للسلع والخدمات القادمة من كل بقاع العالم، لكي نستهلكها ونطلب المزيد، إنما نحن في مرحلة تجب فيها الاستفادة من خبرات الآخرين في التسيير وحسن الأداء وتكييف هذه الخبرات مع واقعنا من خلال كفاءاتنا الوطنية، وليس من خلال الخبرة الأجنبية التي غالبا ما يتمّ استيرادها كما السلع والخدمات وهي مغلفة بغلاف الفساد وليس الإصلاح.

لقد اعتمدت الدول على تجارب بعضها البعض، والحضارات كذلك، فما بالنا لا نفعل؟ أم أننا لم نبلغ بعد مرحلة الشعور بالحاجة إلى التقدم؟ 

  • print