ملء الفراغ.. بالفراغ

date 2016/10/09 views 1098 comments 7

ما الذي يجعل العشرات من الشباب، القاطنين في بلدية صغيرة، تدعى "صالح بوالشعور" في ولاية سكيكدة، يرتدّون عن دينهم الإسلامي، ويعتنقون الأحمدية أو القاديانية، التي ابتدعها "ميرزا غلام أحمد"، في بلاد البنجاب، التي لا يعرف لها الجزائريون تاريخا ولا جغرافيا، وأكيد أن لهؤلاء رفاقا آخرين، في مختلف ولايات الوطن؟

وما الذي يجعل العشرات من الشباب يسيرون ضمن قافلة "الروتاري" أو الماسونية الجديدة، فيرون في شمعون بيريز القدوة، ولا يرونها في الشيخ عبد الحميد بن باديس؟

وما الذي يجعل العشرات من الجزائريين "يحجّون" إلى "حسينيات" القيروان التونسية، بعد أن بعُدت عنهم جغرافيا وماديا، كربلاء والنجف، لأجل لطم وجوههم وذبح ظهورهم بالسيوف، بكاء على الإمام الحسين الذي اغتيل منذ أربعة عشر قرنا؟

وما الذي يجعل أستاذة من خنشلة ومحامية من قسنطينة وطبيبة من بلعباس، يعلن على مواقع التواصل الاجتماعي إلحادهن، وتشكيكهن في أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم، نبيا؟

وما الذي يجعل العشرات في وهران يعلنون "كُفرهم" الصُراح، بالسنّة النبوية الشريفة، وبالتاريخ الإسلامي من أول خليفة راشد، إلى سقوط الخلافة العثمانية، بحجة أن القرآن الكريم وحده يكفيهم؟ 

وما الذي جعل الطرقيين يعودون بقوة، ليقودوا المشهد الديني وحتى السياسي، وينتقموا من الشيخ الإبراهيمي الذي حاربهم، ويصيحون في وجه رائد النهضة الجزائرية: "ها قد عدنا يا ابن باديس"؟

أسئلة من المفروض أن تُطرح لمعرفة "البيئة" التي نبتت فيها هذه العقائد والأفكار، في بلد، منحه الله، دون كل الأمصار، وحدة دين، من المفروض أن تجعله مثل البنيان المرصوص، الذي يشدّ بعضه.. بعضا.

ولكن علينا ألا نجيب عن السؤال بالعنترية المعتادة، التي تُوهمنا دائما بأننا عُرضة للمؤامرات الخارجية التي تتربص بنا، فنُبعد التهمة عن أنفسنا.

وعندما يتمكن فراغ "القاديانية" القادمة من الهند من إيجاد موقع "عقل" في الجزائر، فمعنى ذلك أن هذا العقل، كان في الأصل فارغا، فلا يمكن لفكر محصّن أن يتزلزل بهذه الأفكار، فما ما بالك أن يُستعمر بهذا الشكل، كما حدث في بلدة صالح بوالشعور، حيث صار لهذا "الدين" كتاب ومصلى و"مؤمنون".

معروف أن الدواء غير المناسب يزيد من بطش الداء، ومعلوم أن الجيش الفاشل يزيد من شوكة المعتدين، لأجل ذلك وجب على الأمة أن تُخرج كبارها، وتقبر هؤلاء الصغار الذين يتحدثون باسمها في كل المواقع، لأجل مجابهة هذه الطوائف، ولا تترك الفرصة للذين يُنظّرون ويبارزون، وهم أصلا غير محصّنين بالفكر، حتى لا نقول غير مُؤمنين بما يدافعون عنه.

سيكون ظلما للإسلام أن نتحدث عن تحوّل مسلمين إلى نصارى، وسيكون ظلما للسنة الشريفة أن نتحدث عن تحوّل سنيين إلى روافض، بل إن الحكاية هي فراغ ملأ الفراغ، في بلاد ارتضت أن يبقى الفراغ هو السيّد في جميع مجالاتها الاقتصادية والفكرية والسياسية، بدليل سقوط إمبراطوريات "الورق".. مع أخفّ نسمة.

  • print