لماذا يهتم المسلمون بالماضي؟

date 2016/10/09 views 4209 comments 19

ذكرنا في حديث سابق من هذه المراجعات، عبارات لأحد المستشرقين وإسمه "د. بنغت كنوتسون"، ووعدنا بالتعقيب عليها، وهذه العبارات هي قوله: إن الغرب اليوم لا يفهم سر اهتمام المسلمين بالماضي، في الوقت الذي يجب فيه الاهتمام بالمستقبل وليس الماضي؛ وذلك ما يستغرب له الغربي؛ لأن ما يهم الغرب هو المستقبل وليس الماضي، وأن الفتوحات الإسلامية لا تختلف عن غيرها من توسعات الدول التي كانت قبل الإسلام وبعده، وأضاف الرجل قائلا لم أجد من المسلمين من يذكر لي فرقا بين التوسع الإسلامي والتوسع الأوروبي مثلا ...، وإنما وجدت من المسلمين من يسمي التوسع الإسلامي فتوحات، ويطلق على التوسع الغربي مصطلح الاستعمار، الذي هو مستهجن.

حقيقة أن اهتمام الإنسان بالمستقبل هو الأصل؛ لان المستقبل هو المصير الذي يعمل له العاملون، وهو الأحلام والطموح والأهداف والغايات، كما هو الحال الآن في الغرب حسب قول صاحب العبارات، أما الاهتمام بالماضي حسب صاحب العبارات فلا معنى له ولا مبرر، في حين أن الإنسان عبر تجربته التاريخية الطويلة، لم يفارقه الاهتمام بالماضي؛ بل الاهتمام بالماضي جزء من العملية التنموية في كل أمة وفي كل حضارة وفي كل ثقافة، وإنما الوضع الذي تكون عليه المجتمع او الأمة هو الذي يظهر للعيان مدى أهمية الماضي من عدمها، ربما يختفي الاهتمام بالماضي عندما تكون حركية الإنسان سريعة وفعالة، أما عندما يقعد الإنسان فإن أول ما يظهر عليه عيوبه، ولو كانت من الفضائل؛ لأنها تفقد فاعليتها.

فالغرب مثلا كغيره من الشعوب والمجتمعات، له ماض يعتز به ويعود إليه في حركاته العلمية والعملية، ويجتهد في تنقيته من كل ما دخله من الحضارات الأخرى، فهو يعود بأفكاره ومناهجه إلى التجربة اليونانية والمسيحية الرومانية، ويتعمد استبعاد التجربة الإسلامية لأنها ليست من ماضيه، وفي ذلك يطول الحديث الذي ليس موضوعنا الآن، ولكن هذا الاهتمام بالماضي "المنتقى" اختفى، ولا يراه الناس لأن الغرب اليوم في حالة إنتاج مستمر وسباق نحو الإضافة في جميع المجالات، وكذلك كل مجتمع متحرك، ومنهم المسلمون عندما كانوا قادة العالم وبناة حضارة، ومن ثم لا يُرى اهتمامه بالماضي. ولكن عندما يريد المرء إمعان النظر في أي قضية من قضاياه، فإنه يجدها مربوطة الحبل السري بما قبل ذلك بقرون.. من عهد التنظير اليوناني والممارسة الرومانية، وذلك طبيعي من حيث المبدأ في كل مجتمع وفي كل حضارة وفي كل ثقافة؛ لأن اعتماد الماضي في المشاريع التنموية والتغييرية يكون كأرضية ومنطلق في بناء الواقع لمستقبل مطلوب ومرجو، ويتساوى في ذلك الغرب وغيرهم.

وكذلك هو الأصل في اهتمام المسلمين بماضيهم، ولكن بحكم أنهم ليسوا في المستوى القيادي كما هو حال الغرب، ظهرت اهتماماتهم بالماضي وكأنها ارتداد إلى واقع لا يصلح للحاضر، ومن باب أولى لا يليق بالمستقبل. وعندما لا يكون المجتمع في مستوى من القيادة والتقدم والتحضر، فإن هذا الذي قلنا إنه طبيعة بشرية -وعند كل المجتمعات- يبدو وكأنه فعل غريزي لتعويض ما فات المجتمع من الفضائل....، وذلك هو سر اهتمام المسلم بماضيه على الصورة التي لفتت انتباه الأستاذ كنوتسون؛ لأن الإهتمام بالماضي يختلف من مجتمع لآخر ومن شخص لآخر ومن حضارة لأخرى، وليس بالاختلاف النوعي، وإنما بالاختلاف الوظيفي، فالمتحضر يهتم بماضيه كأرضية وبذور انطلاق وكذلك فعلت الحضارة الغربية في عصر النهضة، وكذلك فعل صاحب الرسالة الإسلامية محمد صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، عندما انطلقت دعوته استدعى الماضي البشري برسالته التوحيدية حيث قال "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فحسنه وجمله ولم يبق إلا موضع لبنة..... فأنا هو اللبنة وأنا خاتم النبيين"، أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ بل لم يهمل الرسول صلى الله عليه وسلم في تجربته من التجارب الإنسانية شيئا إلا وذكره منسوبا لأهله، حتى انه قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، أي أنه أقر فضائل أخرى هي من اجتهاد الانسان، وهذا نوع من الاعتراف بفضائل الإنسان التي كانت... بيناا الغرب الآن يحذر من الوقوع في ماضيه السيّئ والذي كان حسنا عند غيره.. فعندما يقول الغرب "العصور الوسطى"، فهو يتكلم تخلفه ولكن ذلك كان عصر الحضارة الإسلامية ولكننا لا نشعر بذلك.

وواقع المسلمين اليوم ليس في موقع القيادة، ومن ثم يظهر تعلقهم بماضيهم وكأنه خوف من الذوبان في الآخر، وهذا جانب من العملية وليس كله وهو مشروع، فالخوف من الذوبان في الثقافات الأخرى مشروع وأسلوب من أساليب المقاومة، ولكن هناك جانب آخر، وهو أن الاهتمام بالماضي في كل ثقافة أو حضارة وعند كل فرد أو مجتمع، فضيلة وليس رذيلة، لاعتبارات منها المحافظة على الوجود وعلى الهوية، وهناك أمر آخر ولعله من الأخطاء الشائعة والمانعة من النهوض والإقلاع، وهي الشعور بالاستعلاء نتيجة التغني بالماضي الذي هو حقيقة من الفضائل، ولكنه ماضي كانت عليه الأمة، كما يفعل بنو اسرائيل.

وما يمكن صياغته في هذه الوقفة من سر اهتمام المسلمين بالماضي، إضافة إلى ما هو مشترك إنساني يشتركون فيه مع غيرهم، أن ما يقومون به متناغم مع رسالة دينهم الذي يجمع بين الدين والمعاملة، وعلى أن الدين الذي يتبنونه هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء، وإجمال ذلك فيما يلي:

1. رسالة الإسلام هي حوصلة التجربة البشرية، حتى أن العلامة محمد إقبال رحمه الله قال إلى ختم النبوة هو الانتقال من العالم القديم والعالم الجديد، ومن ثم فإن الذي يعتقد في أن العصور الوسطى تمثل التخلف هو المتخلف؛ لأنه لم يدرك جوهر الرسالة ولا طبيعة العصر، الذي كان يمثل التخلف عند غير المسلمين وليس عند المسلمين.

2. طبيعة الرسالة القرآنية هي الإحاطة بكل ما يراد دراسته ومعرفته، والإحاطة تقتضي النظر في النشأة والتطور (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ولا حد للإضافة في الفعل البشري بعد ذلك (..يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

3. الأساس المرجعي للأمة الإسلامية هو الوحي –كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم-، والنموذج التطبيقي للإسلام في الأجيال الثلاثة الأولى. وهذا المرجعي وذاك النموذج، يبقيان هما المنطلق لأي تجربة إسلامية؛ لأنها تجربة نموذجية في الحياة البشرية عموما، لخلود كتابها الكوني –القرآن الكريم-

4. الماضي عند المسلمين هو الماضي البشري، فموضع اللبنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المشار إليه آنفا كان في بنيان لم يكتمل، وليس الماضي القومي، الذي يركز على اللبنة وليس على موضعها، كما كانت تفعل البشرية قبل الإسلام، وكما فعل الغرب من بعد في نهضته التي تحكم العالم اليوم.

ولكن اللبس الذي وقع للأستاذ كنوتسون، الذي خالط المسلمين لمدة ثلاثين سنة، وتعلم العربية لتكون لغة خطابه معهم، ووقع لغيره من المسلمين وغيرهم، هو أنهم لم يفرقوا بين العودة إلى الماضي كمصدر إلهام لبناء الواقع والمستقبل عليه، كما هو الحال مع كل المجتمعات المتحركة الفعالة، وبين الماضي كواقع قابل للإستنساخ، فالمشهد الأول هو سمة الإنسان الفعال، أما المشهد الثاني فهو سمة المتخلف؛ لأن عملية الاستنساخ هي فعل العجزة والقاعدين عن الفعل الحضاري والقائمين على رسالة البلاغ المبين.      

  • print