مَجْدٌ وعَارَانِ

date 2016/10/10 views 5612 comments 24

فأما المجد الأثيلُ والشرفُ الرفيع فقد نالهُما وأحرزهُما الجديرونَ بهما المستحِقُّون لهما، أعني أولئك الرجال الذين تفتخر "الرُّجولة" بانتمائهم إليها، وهم الذين اشترى الله –عزّ وجلّ- منهم أنفسهم، وأكرَمَهُم فاتخذهم شهداء.

إنهم أجدادنا الشرفاء الذين وقفوا بوسائل بسيطة وإمكانات قليلة في وجه الجيش الفرنسي الذي كان يسمى في القرن التاسع عشر "الجيش الأعظم"، الذي غزا به نابُوليون بونابارت أوربا من غربها إلى أن بلغ موسكو، ولم يهزمه إلا ما كان يسمى "الجنرال الطبيعي"، وهو الجليد الروسي، الذي "جمَّدَ" الدم في عروق أفراد ذلك الجيش.

لم تُرهِب أجدادَنا الأماجدَ لا ضخامةُ ذلك الجيش العرمْرَمِ، ولا كثرةُ مُعدّاته، ولا غزارةُ نارِه، وقوة تدميرها.. فتصدوا بما توافر عندهم من إيمان قوي وعزيمة قعساء لذلك الجيش إلى أن لقي الكثير منهم ربهم مُقبلين غير مُدبرين، مُستبشرين بنعمة من الله وفضل.. فهم –إن شاء الله- أحياء عنده يُرزقون، وهم "تاجٌ" على رؤوسنا، نفاخر بهم، ونُطاول بهم عنان السماء.. و"أولئك آبائي فَجِئني بمثلهم".

وأما العاران فَتَبوءُ بأوَّلِهِما فرنسا التي لم تتصرف مع أولئك الشهداء تصرف البشر الأسوياء، فلم تدفنهم كما فَعل أول مجرم في التاريخ، وهو "قابيل" الذي كانت عنده "قابلية التعلم"، فتعلم من "غُرابٍ" كيف يواري سوءَةَ أخيه "هابيل".. ولكن فرنسا "الحضارة" كما تدعي زوراً، وتزعم بهتاناً لم تتصرف في القرن التاسع عشر كما تصرف "الغُراب" فضلاً عن تصرف ابن آدم.. بل عرضت لـِ"وحشيتها" بعض جماجم أولئك الشهداء فيما تسميه "متحف الإنسان!!"، وهي هناك إلى الآن.

والتوحش عند الفرنسيين طبيعة متأصِّلة في نفوسهم غير قابلة للزوال.. وآية ذلك أنهم عند تدنيسِهم أرضنا الطاهرة نبشوا قبور آبائنا وأجدادنا، ونقلوا عظامهم إلى فرنسا ليصنعوا منها ما كانوا يُسمونه "الفحم الحيواني"؛ فهل يفعل هذا إلا حيوان، وإن تَمثَّل بشَراً سَوِياًّ؟ وما أصدق قول الشاعر، ولم أر قوماً أكثر انطباقاً عليهم كالفرنسيين:

له منظر في العين أبيضُ ناصِعٌ      ولكنه في القلب أسودُ أسفعُ

وأما العار الثاني فيبوء به هؤلاء الذين "احتكروا" الوطنية، وليس لهم منها إلا الاسم، وهم لا تنشرح صدورهم، ولا تشع عيونهم، ولا تبتسم شفاههم إلا إذا ذهبوا إلى فرنسا، أو استقبلوا فرنسياً بالأحضان والقبلات.. ورحم الله شاعر الجزائر الأصيل محمد العيد آل خليفة، الذي "تنبأ" بما نحن فيه، فقال:

أنَرْتَجي للهُدى وُصولاً       ونحن ركْبٌ بلا دليل؟

رحم الله شهداءنا الأماجد، وألهمنا السير على آثارهم، وأورثنا نصيباً من أنَفَتِهم وكرامتهم، وألحقنا بهم لا مُبَدِّلين ولا مغيرين، ولا للفرنسيين مُقَبِّلين وحاضنين، وأدخل معنا إلى القبور كره فرنسا الظالمة كما قال الشيخ الشهيد العربي التبسي.

  • print