ثقافة الحياة وثقافة الموت

date 2016/10/11 views 842 comments 6

تجتاح أمتنا ثقافة الموت من نواح عدة متزودة بوسائل عدة تأتي أحيانا مزودة بنصوص دينية تجعل من الموت وما وراءه الشغل الشاغل للعقل والنفس والقلب، وفي هذا الباب تتشعب الاتجاهات فمنهم من يحيل كل شيء إلى ما وراء الموت ويزهد الناس في الحياة ونعمها وبلاءاتها، ومنهم من يزين الموت ويجعله المنشود للتخلص من فتنة الحياة وتتجه التفسيرات الملتوية إلى إفقاد الناس التعامل مع الحياة بموجب التكليف الالهي للإنسان على الأرض.

وتتعزز ثقافة الموت بتيئييس الناس من الحياة ومن جدوى الكدح فيها بكثرة التشكي وعدم المبالاة والنظر بالشك نحو كل فعل أو قول وإضفاء البؤس على كل شيء، ومن هنا كان التنبيه الالهي بأنه علينا الكدح وبتواصل حتى أخر نفس في العمر، وكان التحذير الالهي من اليأس والقنوط بل وكان التبشير الالهي بأن مع العسر يسرا، وأن الشر لا يكون مطلقا بل له جوانب من الخير لابد من تفحصها.. ومن هنا كانت توجيهات الرسول صلى الله عليه واله وسلم أن يكون التفاؤل هو سبيلنا وأن الناس جميعا تحت رعاية رحمن رحيم أرحم بهم من خاصة ذويهم.

ثقافة الموت التي تنتشر بين شباب الأمة اليوم هي من يدفعهم إلى الإحباط والفشل، وهي التي تقود ألاف الشباب إلى المهلكة، ليس من سبيل أمامهم إلا القتل والقتال والموت الزؤام.. ثقافة الموت هي التي تفسر البؤس والتنطع في سلوك من تتلبسهم وثقافة الموت هي التي تحيل الجمال قبحا والقبح جمالا.. هي موجودة الآن بتركيز في مجموعات القتل والشناعة والتعنت التي ابتليت بها أمتنا وهي المناخ الذي تتولد فيه القسوة وعدم الاكتراث وغياب الحس بالمسؤولية.

أما ثقافة الحياة فهي التي تفتح الأفاق نحو الواقع بكل أبعاده والطبيعة بكل مكوناتها والنفس بكل احتياجاتها وتأمل الجمال والحيوية والسنن الالهية في النماء والفناء والانسجام مع هذه السنن وتدبر القرأن الكريم بما يزخر به من إشارات للكون وعناصره وأياته فتنداح الماعني الجميلة في الروح والقلب وتتمكن الحكمة من العقل والسلوك وتسكن الطمأنينة القلوب ويكون حسن العمل وحسن التوكل لأن لكل شيء سببا، ولأن الأرض مناط تكليفنا ولأننا وجدنا على الأرض ليس للموت بل للحياة وإعمارها وأننا خلفاء الله تسري بنا إرادته وتتحقق بنا نواميسه وقوانينه.

ثقافة الحياة أن نكون والكون أصدقاء منسجمين وما ثقافة الموت إلا خيانة للمهمة المناطة بالإنسان، وهي فوق ذلك إيجاد العداوة بين أصحابها والطبيعة والأحياء.. من هنا يتضح أن في الدنيا محورين محور الحياة والمهمات الواجبة نحو النفس والأخرين والتعامل مع النفس والآخرين من احياء وجماد ومحور الموت الذي لا يرى القنبلة والصاروخ والشك والضغينة والحقد وكره الأخر إلا وسائل ضرورية لانجاح رؤيته.

الاسلام هو دين الله الذي حقق التوازن للانسان لكي يتحرك في الدنيا بلا تطرف ولا انحراف ولا شذوذ ويقوم بواجباته المترتبة على وجوده في الأرض بتوازن وحكمة.. وهو في هذا السياق يستحسن كل حسن ويستقبح كل قبيح وتكون معاييره هي تلك التي جعلها الله للخير والصلاح.

  • print