عاشوراء بين تزكية الأعمال وزكاة الأموال

date 2016/10/12 views 1232 comments 4

بسم الله الرحمن الرحيم لايزال المنهج التعبدي هشا، في حياتنا، عاكسا لضحالة المنسك في عقولنا. إن كلا من هشاشة المنهج، وضحالة المنسك، لنذير بضعف المنسوب الديني، في فقه تديننا، ويتجلى ذلك كله في طريقة تعاملنا مع المناسك، وكيفية تجسيد مقاصدية الفقه، في شتى المسالك.

فكلما أظلنا هلال أي شهر قمري، بدأ الخلاف واضحاً، في تحديد مطلعه، وما ذلك، إلا لأننا لا نزال نتعامل بسذاجة مع هذه المواقيت المحدّدة لعباداتنا، فينشأ عن ذلك كثير من اللغط، المؤدي إلى كثير من الغلط.

أيكون هذا في عصر العلم، والتكنولوجيا، وفقه الفقه، حيث لا يمكن أن تكون نسبة الخطإ إلا صفرا في المائة؟ وإلى متى يبقى المسلمون مختلفين في دينهم، يختلفون في صومهم، وفي فطرهم، وفي حجهم وفي عيدهم؟

هل يكون هذا بسبب الدين، كما يزعم البعض، والدين يحثنا على النظر، والتأمل، والتعقل والاستنجاد بأهل العلم في أكثر من آية؟ ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[سورة الأنبياء/ الآية 7]، وأهل الذكر هم العلماء، بأشمل معاني العلم، بدءا بعلماء الفلك، وانتهاء بعلماء الفقه. إن مخالفتنا أهلَ الذكر هي التي نشأ عنها هذا الخلاف في تحديد مواعيد المناسك، الذي ينعكس سلباً على كل مجالات حياتنا، الاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية.

إن ما حدث في جزائرنا، بمناسبة تحديد يوم عاشوراء، قد نتج عن عدم الاستناد إلى أهل الذكر، فنتج عنه الخروج عن الإجماع الإسلامي، في بدء العام الهجري الجديد، وبالتالي تحديد يوم عاشوراء، الذي يصوم فيه المسلمون، عملاً بالسنّة.

وما كان لهذا اللغط الذي حصل أن يحدث لولا النافخون في الكير، والصائدون في الماء العكر، الذين حاولوا الإيقاع بين الدين والعلم، وبين الدين والسياسة، وبين الفقه والعبادة، لو أن الجميع التزموا بالدين وحده، وتخلقوا بأخلاق الدين وحدها.

فالاجتهاد الذي صاحب "محرم" و"عاشوراء" لا مجال له في رأس السنة الميلادي، لأنه لا اجتهاد مع النص. غير أن الاجتهاد مع عيدي المسلمين في جزائرنا هذه السنة قد نتج عنه تدخل الجماهير الشعبية، بعلم وبغير علم، حفاظاً بزعمهم، على السنّة أي صيام عاشوراء. كما نتج عنه تدخل بعض الأيمة بغير علم غير متأدبين بأدب الاختلاف.

وعجباً لمن يترك الفرض، ويحرص على اتباع السنّة. فعاشوراء في تقاليدنا، تصادف موعد إخراج الزكاة، وهو الفرض المؤسس للدين، والمدعم للوحدة الوطنية، والمنمي للتطور الاقتصادي، والتضامن الاجتماعي، فكيف يسكت الجميع عن فرض الزكاة، ويثيرون كل هذه الضجة عن سنّة عاشوراء؟

إن هذا الذي حصل، ويحصل، لمؤشر خطير عن انعدام فقد الأقوال وصفاء الأعمال، وزكاة الأموال معاً ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾[سورة التوبة/ الآية 103].

نريد لمناسكنا، أن تتجذر في أعمالنا، فتتجلى مقاصديتها، في معتقدنا، وفي سلوكنا، وليس كالزكاة، عملاً فاعلاً في تنمية اقتصادنا، وتعزيز أخوتنا وتضامننا.

يجب أن تخرج زكاتنا عن التقليد إلى التجديد، والتجديد الذي نريده في الزكاة، المستلهم من الفقه نفسه، هو الانتقال من الأفراد إلى المؤسسات.

فجميل أن نمسح بالزكاة دموع يتيم، أو نؤانس بها حزن أرملة، أو مدين، ولكن يجب أن تمتد الزكاة في حياتنا العامة إلى تمويل المؤسسات الخيرية التي تعود بالنفع العميم على مجتمعنا بجميع فئاته. 

نبني بالزكاة الحضانة التربوية التي تكوّن لنا جيلاً جديداً يؤمن بربه، وبشعبه، وبأمته، فينشأ متوازن الشخصية، سليم البنية الجسدية، والبنيوية الوطنية، وبذلك نسحب البساط من تحت المستغلين للبراءة الطفولية، والعاطفة الأسرية.

كما نريد للزكاة أن تبني صرح المستشفيات والمصحات، للمعوزين، فتتكفل بالأطباء وبالدواء، وبعلاج المرضى الضعفاء.

إن مشاريع الزكاة، على الصعيد الاجتماعي أكبر من أن تعد وتحصى، ففي كل منحى خير ملتقى بمقاصد الزكاة، والمطلوب فقط، ترشيد هذا الفرض المهم في فرائض الإسلام، بتعميق أهدافه وغاياته، وتنزيلها على واقع الأمة.

ولكي يتحقق هذا، يجب أن نبدأ بتزكية الأعمال، وتزكية الأعمال تتطلب تزكية الأنفس، وتطهيرها من الشح، والبخل، والأنانية، ومن الجهل، والأمية الذاتية، والأمية الاجتماعية.

إن تزكية النفس مقدمة أساسية لتزكية الأعمال، وتزكية الأعمال تمثل عاملاً أساسيا للوصول إلى تزكية المال.

إن في الفقه فقهاً، كما يقول إمامنا محمد البشير الإبراهيمي، وفي سياق فقه الفقه هذا، ينبغي على المسلمين أن يتفقهوا مقاصد دينهم، للسمو بشعائره إلى أعلى عليين. فالزكاة كما يدل اسمها عليها، هي النماء الذي يفضي إلى تطهير النفس، والمال معاً من كل ألوان الفساد الذاتي والاجتماعي.

فإذا أرادت أمتنا أن ترقى، على أكثر من صعيد، فعليها أن تبدأ بثقافة المناسك، فتستنبط مقاصدها، وتبعث واقعاً حيا، في مجالات تطورها، وفي كل منسك من مناسك الإسلام، حافز على الوحدة، والتضامن، والتقدم، والتنمية، وكل عوامل تفضي إلى الاستقلالية، والتخلص من التبعية.

ولكي تصل أمتنا إلى هذا المستوى العالي من الفهم، عليها أن تتخلص من التشبث بالجزئيات، وتتجه إلى البحث عن مقومات الكليات.

وإن في محرم، وفي عاشوراء، لأكثر من معنى، يخلصنا من اللغو واللغط، والدخول في ما لا يعني، إلى العناية بالأسس الحقيقية المؤدية إلى التراحم، والتلاحم، بتطبيق السنّة، بشرط عدم إغفال الواجب، وكل ذلك يبدأ كما أشرنا بتزكية الأعمال، وتزكية الأموال معاً.

  • print