المرجعية الغائبة والطّائفة الواثبة

date 2016/10/12 views 1287 comments 0

على مدار قرون متطاولة سبقت سقوط الخلافة العثمانية أواسط القرن الرابع عشر الهجريّ، وبرغم الخلاف الحاصل في الاجتهادات وتنوّع المدارس الفقهية والعقدية في الوسط الإسلاميّ، إلا أنّ مرجعية القرآن والسنّة كانت تلقى الإجماع وسط جمهور الأمّة وبين علمائها؛ فلم يكن أحد من أعلام الأمّة يجادل في وجوب الرّجوع إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم.

 

إجماع الأمّة حول ذمّ وتقريع المتربّصين بمرجعيتها

لم يكن أحد من أئمّة الإسلام وأعلام الأمّة يجادل في مصدرية القرآن والسنّة، ولم يكن أحد منهم يلتفت إلى شقشقات الطوائف الباطنية التي كانت لا تنفكّ تستهدف مرجعية الأمّة متذرّعة إلى هدفها بالطّعن في الصحابة الأبرار الذين جمعوا القرآن ورووا السّنن، لتتوصّل إلى إبطال مدلولات القرآن وإبطال حجية السنّة المطهرة، وفي هذا قال الإمام أبو زرعة الرّازي (ت 878هـ) رحمه الله: "هؤلاء يريدون أن يطعنوا بشهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسّنن"، بل ما كانت هذه الطوائف تلقى من علماء الأمّة كافّة غير الذمّ والتقريع، وما كانوا على مدار أكثر من 13 قرنا من الزّمان تأرجحت فيها الأمّة بين القوة والضّعف، يرون أيّ تعارض بين الاهتمام بحفظ الدّين وصونه عمّا يُنسب إليه من عقائد وخرافات، تطفئ بريقه الذي يميّزه عن باقي النّحل والديانات، وبين الوقوف في وجه العدوّ الخارجيّ؛ لأنّهم يعلمون جيّدا أنّ العدوّ لا يدخل على الأمّة إلا من خلال النّوافذ المشرَعة والحبال الممدودة، ولا يستولي عليها إلا بعد أن تتنكّب عقيدتها وتتخلّى عن واجب الولاء والبراء.

 

الأمّة كانت بالمرصاد للتشيّع الباطنيّ

أئمّة الإسلام الذين ضربوا أروع وأنصع الأمثلة في سعة صدورهم للخلاف المتعلّق بالفروع ومسائل الاجتهاد، لم يسكتوا أبدا عن الدّعوات الباطنيّة ولم يُنادِ أحد منهم بالسّكوت عن التشيّع الباطنيّ الذي يستهدف عقيدة الأمّة وتاريخها وشهودَها، بل وقفوا له بالمرصاد، وحينما حاول هذا المذهب –بمختلف مشتقاته وأجنحته- في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلاميّ أن يَثِبَ على الأمّة، ويبني كياناته على حسابها، كانت الأمّة –حكاما وعلماء وعامّة- تقف له بالمرصاد، وتتعامل معه بكلّ حزم، وتعيده في كلّ مرّة إلى حجمه الحقيقيّ، وتقطع عنه الحبال التي يدليها تارة ويُدليها إليه أعداء الأمّة تارة أخرى.

 

العلمانية تستهدف مرجعية الأمّة وتُشرع الأبواب للتشيّع

هكذا كانت الحال وهكذا كان الواقع قبل سقوط قلاع آخر خلافة جمعت المسلمين، لكنّ مرجعية الأمّة في هذا الزّمان وبسبب المكر المركّز الذي مارسته جماعات الضّغط العلمانية، جرى تغييب أكثر جوانبها وإبدالها بمرجعيات مستوردة تؤصّل لنقض عرى الدّين والفطرة تحت مسميات ودعاوى خادعة، بل وتجعل الدّين شأنا خاصا لا يُسمح له بالتدخّل في شؤون الحياة ولا بوضع معايير للمفاضلة بين النّاس، وتسوّي بين المسلم والكافر، بين المؤمن والملحد، وبين الموحد والمشرك، وفي مثل هذه الأجواء انتعشت في الأمّة دعوات لا قِبل لها بها، ووثب التشيّع الباطنيّ، وتطلّع ليكون ندا للأمّة بل بديلا لها، واستطاع أن يقيم له كيانا جديدا، استغلّ ضعف الأمّة وانهماك حكامها بدنياهم، فاستقوى عليها وأخذ يمدّ أذرعه في بلاد المسلمين، وقد كان لتمكّن الجهات العلمانية من التّأثير على مصادر القرار في أغلب الدول الإسلاميّة دور مهمّ في توطيد الأمر للتشيّع الباطنيّ ليؤدّي دوره الآثم في إرباك المسلمين والفتنة بين جماعاتهم، ولم يعد مستغربا أن ينبري العلمانيون في مختلف بلاد المسلمين ليذودوا عن التشيّع والمتشيّعين متذرّعين بالدّفاع عن حرية المعتقد، ويدافعوا –على اختلاف مشتقّاتهم- عن دولة الملالي وهم الذين ما فتئوا يُجلبون بخيلهم ورجلهم للحيلولة دون وصول الإسلاميين من أهل السنّة إلى مصادر القرار والتّأثير. 

 

تحالف علمانيّ شيعيّ

بفضل الدّعم العلمانيّ –المباشر وغير المباشر- استطاعت أذرع الكيان الشّيعيّ الجديد إيجاد موطئ لها في كثير من بلاد المسلمين، وساعدها على ذلك قناع التقية الخادع الذي يلبسه المتشيّعون الذين ينتهجون في البلاد السنية سياسة "تمسكن حتى تتمكّن"، ويقدّمون أنفسهم بديلا للإسلاميين عموما وللإخوان والسلفيين خاصّة، ويحترف رؤوسهم مغازلة الجهات المسؤولة وطمأنتها وطلب ودّها ومحاولة صرف نظرها عن التمدّد الشّيعيّ وتحريضها ضدّ مناوئيه. 

كما لا يرعوي سدنة التشيّع الباطنيّ والمنافحون عنه عن اللّجوء إلى الكذب في حقّ مخالفيهم ورميهم بذات التّهم التي هي وصف لصيق بالتشيّع ودعاته، فتارة يتّهمونهم بالإرهاب وتارة بأنّهم يتنكّرون لأوطانهم ويكفرون بالوطنية، وتارة أخرى بأنّهم يسعون لإسقاط المرجعيات الدينيّة للأمّة!... إلى آخر ما هنالك من التّهم التي يحتذي من يكيلونها المثل العربيّ "رمتني بدائها وانسلّت"، وفي مقابل هذه السّهام الطّائشة التي يتواطأ العلمانيون وسدنة المشروع الشيعيّ الباطنيّ والمنافحون عنه على توجيهها إلى الإسلاميين؛ تراهم يقلبون الحقائق عند حديثهم عن التشدّد في الوسط الشيعيّ، ولسان حالهم كما قال الله جلّ وعلا: "لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ"؛ فيزعمون أنّ التطرّف أمر طارئ وشاذّ بين الشّيعة وأنّ المعتدلين هم الغالب في أوساطهم، وهو ما يخالف تاريخ هذا المذهب وواقعه، وتنسفه العقائد التي أصّلت لها المصادر الأساسية للتشيّع وتدرّس في الحوزات العلميّة ويسمعها عامّة الشّيعة في الحسينيات، ويتبنّاها بشططها وغلّوها المتشيّعون في مختلف بلاد أهل السنّة، وهي العقائد التي سمعناها من المتشيّعين في الجزائر خلال نقاشاتنا معهم، وقرأناها على صفحاتهم، والحقّ أنّه وعلى خلاف ما يروّج له المنافحون عن المشروع الشيعيّ، فإنّ الاعتدال في الأوساط الشيعيّة أمر طارئ ومرفوض؛ توجّه إليه سهام الحوزات العلمية ويحاكم المتلبّسون به ويتّهمون بالخروج عن مذهب أهل البيت، ولعلّ خير مثال في هذا الصّدد موقف الحوزات العلميّة من اجتهادات كلّ من فضل الله وعلي الأمين والصّرخي وغيرهم.

 

هكذا يسعى الشّيعة بالنّميمة في أمّة الإسلام

لا تنفكّ الطائفة الشيعيّة الواثبة تسعى بالنّميمة بين جماعات أهل السنّة الذين يمثّلون جمهور الأمّة وسوادها الأعظم، وتعزف على جراح الأمّة لتحول بين علمائها ودعاتها وبين القيام بواجب الدّفاع عن مصادر الدّين ورجاله، والسّكوت عن المؤامرات التي يحيكها الشّيعة للأمّة بضوء أخضر وتواطؤ صهيو-صليبيّ، والتفرغ لحرب جماعات سنية تسعى هذه الطّائفة بكلّ مكر لجعلها فزاعة تشغل بها الأمّة عن التفطّن لمآرب المشروع الطّائفيّ المتناغم مع المشاريع المتداعية على أمّة الإسلام؛ فلا غرابة بعد كلّ هذا أن نرى بين بعض من يتصدّى للكتابة والتّنظير مَن وقع ضحية لهذا المكر فانبرى يحاول نقل النّقاش المتعلّق بدَخَن الأمّة من ساحته الأصلية وموضوعه الأساسيّ المتمثّل في محنة الأمّة المسلمة مع طائفة شيعيّة متوثّبة مُدّت إليها الحبال –الظّاهرة وغير الظّاهرة- من الدّاخل والخارج لتستعيد دورها التاريخيّ في محاولة إفساد دين الأمّة وطمس مآثرها وإرباكها وإشغالها بنفسها؛ يحاول نقل النّقاش من هذه السّاحة إلى مربّعات أخرى ومواضيع مختلفة تُلوى فيها الأعناق نحو فزّاعات أخرى تستهوي العلمانيين والشّيعة على حدّ سواء، أبرزها فزّاعة "الإخوان والوهابيين"!. 

 

وماذا بعد؟

لأجل كلّ ما سبق فإنّنا نحن الجزائريين خاصّة نقولها صريحة واضحة للمنافحين عن المشروع الشيعيّ في هذا البلد الجريح: إنّ مآربكم قد باتت واضحة وخططكم أضحت مكشوفة، ولن يكون حظّكم إلا كما كان حظّ العبيديين الذين أُخرجوا من هذه الأرض الطّاهرة وطردوا منها شرّ طردة.. أهل السنّة بينهم المحسن والمقتصد والظّالم لنفسه، وبينهم الغالي والمعتدل والجافي، لكنّهم جميعا يجمعهم كتاب الله وسنّة رسوله –عليه الصّلاة والسّلام- وسلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب قدوتهم المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم، وحبّهم لأهل بيت حبيبهم -عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام- حبا شرعيا يحملهم على اتّباعهم واقتفاء آثارهم بعيدا عن الغلوّ في ذواتهم غلوا لا يرضاه الله ورسوله، ولا يرضاه أهل البيت الأطهار أنفسهم، كيف لا وهم الذين كان قائلهم يقول: "أحبّونا حبّ الإسلام ولا تحبّونا حبّ الأصنام".. أهل السنّة وإن غُيّبت مرجعيتهم، فإنّها ستبقى حاضرة في قلوبهم وأحوالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وسيظلّون يسعون لتعود إلى مكانها ومكانتها، ويتطلّعون إلى اليوم الذي يعود فيه الأزهر الذي حرّره قاهر الصليبيين ومؤدّب الشّيعة العبيديين النّاصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، إلى ريادته في توجيه بوصلة الأمّة نحو حفظ مصادر دينها والدّفاع عن تاريخها وسادتها ونحو نصرة قضاياها واسترداد مقدّساتها.

  • print