الشخصية الدينية في روايات الطاهر وطار

date 2016/10/13 views 3565 comments 21

تفضل – مشكورا – الأستاذ موسى ابن جدو فأهداني نسخة من كتابه الذي سماه "الشخصية الدينية في روايات الطاهر وطار". وهو دراسة جادة نال بها شهادة الماجستير من كلية الآداب بجامعة الجزائر.

والأستاذ موسى ابن جدو ذو خلق كريم، وتديّن سليم، ذلك ما عرفته فيه منذ تعرفت عليه في بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما درس عندي مادة "تاريخ الثورة الجزائرية" في كلية الآداب بجامعة الجزائر. 

وقد أبى عليه خلقه الكريم إلا أن يعترف بما سماه "فضلا"، فكتب: "إلى أستاذي الفاضل، الشيخ الهادي الحسني أهدي كتابي هذا تقديرا مني لشخصه الكريم، وفضله علي". فشكرا للأستاذ على الهدية القيمة، وشكرا على الاعتراف بـ "الفضل"، وما أندر هذه الصفة في هذا الزمان الذي تجرد فيه أكثر الناس مما يميز الإنسان عن الحيوان.. وهو الأخلاق النبيلة. 

ما أريد بهذه الكلمة أن أقدم الكتاب، ولكن أريد أن أسجل بعض ذكريات لي مع الأستاذ طاهر وطار – غفر الله له- 

عرفت اسم الأستاذ طاهر وطار في سنة 1963، وأنا تلميذ في السنة الأولى من التعليم المتوسط في ثانوية ابن خلدون في حي محمد بلوزداد (بلكور آنذاك). وهذه الثانوية كانت مدرسة تابعة لجمعية العلماء الملسمين الجزائريين، وهي التي اختطفت منها فرنسا الشيخ العربي التبسي – رحمه الله- كان الأستاذ طاهر وطار آنذاك يصدر جريدة أسبوعية تسمى "الجماهير"، وكنت "مدمنا" على قراءتها لما فيها من انتقادات شديدة.. فقد كانت تستهويني بموضوعاتها وأسلوبها وهو ما يناسب مرحلة المراهقة التي كنت أجتازها، سواء كانت مراهقة بيولوجية أو مراهقة أيديولوجية، ومما أذكره أن نقاشا حادا حول توجه هذه الجريدة جرى بين أستاذين من أساتذتنا، أحدهما سوري يسمى إبراهيم دلول، كان من "أصحاب الشمال"، يزعم "التقدمية"، وثانيهما تونسي يسمى محمد بدوي وكان من معارضي ذلك "الصنم" الذي سمى نفسه "المجاهد الأكبر"، حيث اتخذ إلهه هواه.. وطبعا فقد إنحاز أغلبنا – لمراهقتنا – لصف الأستاذ السوري، الذي كان يزيّن لنا كل قبيح من السلوك بدعوى "التحررية"...

ونسيت الأستاذ وطار إلى منتصف السبعينيات، عندما عُيّنت على رأس "قسم الكتاب العربي" بمديرية النشر، في الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.. فكنت أطالع – بحكم وظيفتي – ما أحب وما لا أحب من كتب مخطوطة قبل دفعها إلى النشر بعد موافقة لجان القراءة عليها.. وهكذا عادت صلتي بالأستاذ وطار، فقرأت "اللاز" و"الزلزال" و"عرس بغل" و"دخان من قلبي".. 

والحق أقول إنني كنت أقرأ هذه "الكتب" وأمثالها على مضض، سواء من حيث "الأفكار" أو من حيث الأسلوب "السوقي".. وكيف أعجب بها وأنا الذي "تشبعت" بالبيان القرآني، وشغفني أسلوب فرسانه من مثل الإمام الإبراهيمي، ومصطفى الرافعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمود شاكر.. 

تكررت لقاءاتي بالأستاذ طاهر وطار، وقد استلطف كل منا الآخر من حيث الجانب الإنساني، لأن كلا منا بقي على ما نُشىء عليه، وما اقتنع به من أفكار.. وقد كان يناديني بـ "صديقي اللدود". عندما صدرت رواية الزلزال أقيمت ندوة في مقر اتحاد الكتاب، وتضاربت الآراء حول الرواية.. وما أنس لا أنسى "هجوم" الأستاذة زينب الميلي على الأستاذ وطار، ووصفته بـ "الجبن"، وقلة الشجاعة الأدبية، لأنه "استأسد" على الشيخ الفاضل عبد المجيد حيرش، الذي سماه في تلك الرواية "عبد المجيد بولرواح"، واصفا إياه بـ "البرجوازي" و"الإقطاعي" و "الرجعي".. والمفارقة هي أنه بينما كان الشيخ عبد المجيد "البرجوازي" يسكن شقة عادية في شارع عبان رمضان، كان الأستاذ وطار الإشتراكي يتديّر "فيلا" في حيدرة...

ووجهت الأستاذة زينب الميلي كلامها للأستاذ وطار قائلة:  لماذا أصبت بالخرس، فلم تتجرأ على مهاجمة "جماعة البومارشي" و"أصحاب مقهى الحمراء" في شارع العربي بن مهيدي، وكانت الشائعات آنذاك تذهب إلى أن المحلين المذكورين هما لأشخاص متنفذين.. كان مجرد ذكر أسمائهم يقذف الرعب في القلوب..

وكان رد الأستاذ طاهر ضعيفا، زاعما أنه اختار الشيخ عبد المجيد بطلا لراويته لأنه يبث الأفكار "البرجوازية" عن طريق التعليم...

وفي التسعينيات بدأنا نلاحظ أن الأستاذ وطار بدأ يخفف من جنوحه إلى ما كان عليه، من ذلك أنه سعى إلى إنشاء "إذاعة القرآن الكريم" عندما تولى مسؤولية "الإذاعة الوطنية"، وتنظيم ندوة أو محاضرة عن الأستاذ مالك ابن نبي.. واصفا إياه بـ "الاشتراكي" و"التقدمي".. وقد رددت عليه بمقال تحت عنوان: "ما كان ابن نبي "اشتراكيا" ولا "تقدميا"، ولكن كان حنيفا مسلما"، ونشر في جريدة "الشروق العربي". وفي منتصف التسعينيات هاتفني الأستاذ وطار مقترحا عليّ المشاركة في ندوة في جمعيته "الجاحظية" عن "الدولة الإسلامية"، بمشاركة الدكاترة بوعمران الشيخ، عبد الرزاق قسوم، عمار طالبي فلبيت الدعوة. 

كان الحديث أيامئذ عن موضوع "الدولة الإسلامية" إلقاء بالنفس إلى التهلكة. فإن كنت من المؤمنين بـ "الدولة الإسلامية" زارك "زوار الفجر"، وإن كنت غير ذلك اصطادك أصحاب الـ "فوباراج". وتساءلت والصديق قسوم عن صاحب فكرة الندوة، هل هو الأستاذ وطار، أم هو مجرد ستار لجهة أخرى؟ ولم نهتد إلى جواب.. فتوكلنا على الله، فهو خير حافظا. وفي اليوم الموعود والوقت المحدد حضرت والدكتور قسوم، وغاب –لأعذار- الدكتوران بوعمران وطالبي، ووقعت الندوة، وقلنا ما نحن مؤمنين به ومجاهرين به، وهو أن الدولة الإسلامية هي دولة "الحق" و"القانون" و"العدل" و"المساواة" و"الكرامة" و"الحرية"، وهي كما كتب الإمام عبد الحميد ابن باديس "الدولة التي لا يخشاها النصراني لنصرانيته، ولا اليهودي ليهوديته، بل ولا المجوسي لمجوسيته، ولكن – والله – يجب أن يخشاها الظالم لظلمه".. 

في مرضه الأخير الذي توفاه فيه الله –عز وجل- وبعدما رجع من باريس، حيث كان يعالج، اقترحت على الأخ عبد الرزاق قسوم زيارة الأستاذ وطار في منزله، فأقسم الأخ قسوم أنه كان سيقترح عليّ في تلك اللحظة الاقتراح نفسه..

توجهنا تلقاء منزل الأستاذ وطار، فاستقبلنا بوجه بشوش، وصدر منشرح، وكلمات طيبة، وقال ما معناه إن زيارتكما ليست كأحد من الزيارات، لأنها "خالصة" ولا تشوبها شائبة "الرياء"، وبعد السؤال عن الصحة والأحوال، تبين لنا أنه مقبل على ربه بنفس مطمئنة، ويرجو رحمته، فتذكرت الكلمة التي نسبتها مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية لكبير المحادين لله، جان بول سارتر عندما أتاه اليقين: "هزمتني فلسفتي" .. وهو في ذلك ليس "أول سار غرّه القمر، ورائد أعجبته خضرة الدّمن".

لفت نظري وأنا أقلب عيني في أرجاء غرفة الاستقبال أن مصحفا كريما من الحجم الكبير منشورا على رافع، ويتصدر الغرفة.. ففرحت لما رأيت، ودعوت الله في سري أن يحسن عاقبة وطار وعاقبتنا جميعا.. واستأذناه في المغادرة، فأذن مع توصية منه أن نكرر زيارته.. ولم تتكرر لأن أجل الأستاذ وطار قد جاء..

غفر الله للأستاذ وطار، وشكرا للأستاذ موسى بن جدو الذي أثار في نفسي هذه الذكريات وأخرى غيرها.

ويا أيها "التقدميون" إلى الوراء، المجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، المغرورون بـ "رواياتكم"، التي تشبع المنكرات والرذائل باسم "الأدب"، عودوا إلى رشدكم، واستغفروا ربكم قبل أن يبغتكم الموت فتعضوا الأنامل قائلين: "يا حسرتا على ما فرطنا في جنب الله.."ولات ساعة مندم".

  • print