اختلافنا رحمة.. وإن تعدّدت الآراء

date 2016/10/13 views 782 comments 10

يُحاول البعض أن يجعل من الاختلاف الذي عرفته الأمة الإسلامية قديما أو تعرفه اليوم نقمة، في حين أن القراءة الموضوعية لما حدث عبر التاريخ الإسلامي تُبيِّن أنه نعمة تدل على حيوية وقوة الأمة وقدرتها على البقاء والتكيف مع مستجدات العصر إلى يوم الدين. وكذلك الشأن بالنسبة إلى بلدنا يحاول البعض أن يجعل من اختلاف التنوع الحاصل بها اختلاف تضادّ وبداية لإشعال نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد.

منذ القرن الأول للهجرة، عرف المسلمون اختلافاتٍ في وجهات النظر، بل مباشرة وعلى إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ الاجتهاد في مسائل لها علاقة بشؤون المسلمين الدنيوية، وأولها السياسية، فقد تمَّ تأجيل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم يوما كاملا في أغلب الروايات إلى غاية الانتهاء من حل المشكلة السياسية التي طرأت على إثر وفاته، بالنظر إلى عدم وجود نصٍّ من الكتاب أو السنة يحدد كيفية تسيير الشأن السياسي في الدولة الناشئة، ولا شروط اختيار الخلافة، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوص بمن يخلفه وترك الأمر شورى بين المسلمين... 

وفي سقيفة بني ساعدة، حيث اجتمع الأنصار والمهاجرون للنظر في شأن الخلافة، برز أول نقاش سياسي صريح وواضح بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وكان من رأي الأنصار أنهم أحق بالخلافة، ورأي المهاجرين كذلك حتى قال الحُباب بن منذر وهو من الأنصار بتقاسم السلطة: "مِنَّا أميرٌ ومنكم أمير". إلا أن الحوار الذي كانت فيه اجتهاداتٌ مختلفة، وصل في الأخير إلى الإجماع على خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين. ولم تُترَك الدولة من دون رأس يديرها، أو تُرك المجال للفتنة تعمّ أرجاءها. والأهمّ من ذلك أن لا أحدَ من المسلمين لجأ إلى السيف لفرض وجهة نظره ولا إلى غير وسائل الإقناع  لتأكيد أحقيته بالخلافة، بل كان النقاش الذي سجلته كتب السيرة النبوية من أرقى أنواع الحوار الذي عرفه المسلمون. 

ولعل هذا هو أوّل درس ينبغي أن نستوعبه للحديث عن فقه الاختلاف عند المسلمين، إنه أقرب إلى الاجتهاد في الرأي في المسائل التي لا نصَّ فيها، أو اجتهاد في فهم النص، حيث وجد هذا الأخير ضمن حدود الفهم ومن دون اللجوء إلى العنف أو استخدام السيف على حد التعبير السائد آنذاك. وإن عرفت خبرة المسلمين استثناءات في هذا المجال، فإنها مقارنة مع مجمل التاريخ الإسلامي لم تكن هي القاعدة. وكانت هذه الاستثناءات لأسبابٍ لها علاقة بالممارسة السياسية أكثر مما لها علاقة بالمسائل العقدية وإن أصبحت فيما بعد أساسا لبروز الفِرق والنِّحل المختلفة. والنموذج الواضح لذلك هو تحوّل الخوارج والشيعة إلى أكثر من فرقة وبروز الاختلافات بينها إلى درجة التكفير أحيانا...

إننا اليوم، بحق، في حاجة إلى الكشف عن زيف هذا التوجّه الجارف الذي يسعى إلى الانطلاق من جزئيات الخلاف فيجعل منها أساسا للفرقة والتناحر، وإلى الكشف عمن يريد أن  يجعل من "السلفية"  تطرفا، أو مِن وجود مذاهب مختلفة في الأمة "كفرا".

إلا أن الأهمّ في التاريخ الإسلامي، هو تمكُّن علماء الإسلام من الأخذ بأيدي الناس إلى الطريق الصحيح عن طريق العلم الشرعي القائم على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، فظهرت الأسس الأولى للمذاهب الإسلامية  فكانت الإباضية ثم المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية)، والمذاهب الأخرى كالإمامة والاسماعيلية والزيدية، وقد اعترف بعض المسلمين بأربعة منها وآخرون بخمسة أو ثمانية، إلى أن أخذت التسميات التي نعرفها اليوم، وجميعها إنما كانت تؤسس لنفسها من خلال ما تراه الفهمَ الأصحّ للكتاب والسنة، ولم تكن مذاهبَ تؤسس للتفرقة بين المسلمين وتدفع بعضهم إلى تكفير البعض الآخر وقتاله بالسيف.  

لقد كان العلماء هم أول من كان يأخذ بأيدي المسلمين وأول من يمنعهم  من أن يصبح السيف أو العنف كما نسميه اليوم، هو الجواب الأول الذي يواكب كل خلاف، وكانوا قدوة في ذلك. لم تقل بذلك الإباضية في أول نشأتها ومازالت، والإمام علي كرم الله وجهه قال إن الخوارج (مِن الكفر فروا) و(إخواننا بغوا علينا)، والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أقام ما يمكن أن نسميه بالمدرسة السلفية الأولى (رغم أن كل الأئمة سلفيون) على مبادئ أربعة: الأخذ بالكتاب والسنة، ورفض البدع والمنكرات، والوقوف في وجه الحكام الظلمة، مع تحريم الخروج بالسيف حفظا لدماء الأمة. وقد نال ما نال من تعذيبٍ وسِجن وتهديدٍ بالقتل أمام الخليفة المعتصم إلا أنه بقي ثابتا على موقفه لا ينطق إلا بكلمة الاحتكام للكتاب والسنة. وكذا كان شأن كافة علماء الأمة ممن تعرضوا للابتلاءات التي عرفوها نتيجة اختلافهم مع الحكام أو مواقفهم من الفهم الصحيح للدين. لم يُعرَف عن أحد منهم أنه لجأ إلى غير الحجة والبرهان من الكتاب والسنة للدفاع عن موقفه.

جوهر الحضارة الإسلامية هو هذا، وطبيعة المسلمين هي هذه، من أول نقاش سياسي، إلى آخر مواقف العلماء، خلافا لما يحدث من تشويه اليوم، حيث بدل أن يصبح الاختلاف الحقيقي حول كيفية تحرير بلاد المسلمين من التبعية والاحتلال، وكيفية بناء دول قوية من شأنها أن تحتل مكانة مرموقة بين الأمم، واستعادة أولى القبلتين وأرض فلسطين المحتلة، يتم توجيه الاختلاف ـ إراديا من قِبل أيادٍ خفية وظاهرةـ لكي يتحول إلى نزاع داخلي بيننا، إلى نقمة تُحطم ما بقي قائما من هذه الأمة، إلى الإسراع برفع راية التكفير قبل راية الحجة والدليل...

لذا فإننا اليوم في حاجة إلى أن نتعلم كيف نُدير خلافاتنا  بالحجة والدليل والحوار الراقي، لا بما يثير الفتن ويهيئ الأرضية لمزيدٍ من الصراعات. 

إننا بحق نَمُرّ بفترة عصيبة، يصعب معها نقلُ الناس إلى فهم ما يحدث الفهم الصحيح، والأكثر من ذلك يصعب معها تمكين الناس من إيجاد علاقة متينة بين ماضيهم التليد ومستقبلهم القادم، ومن صوغ رؤية مستقبلية تستمدُّ عمقها من جوهر التاريخ العريق لأمتنا القائم على الوحدة في إطار التنوُّع وعلى رفض اختلاف التضادّ، وعلى استلهام العبرة من علمائنا ومدارسنا الفكرية التي كانت في قمة الفهم الصحيح لما ينبغي أن تكون عليه الدولة وما ينبغي أن يكون عليه علماؤُها ومواطنوها.

إننا اليوم، بحق، في حاجة إلى الكشف عن زيف هذا التوجّه الجارف الذي يسعى إلى الانطلاق من جزئيات الخلاف فيجعل منها أساسا للفرقة والتناحر، وإلى الكشف عمَن يريد أن يجعل من "السلفية" تطرفا، أو مِن وجود مذاهب مختلفة في الأمة "كفرا"، أحيانا عن جهل بحقيقة التاريخ الإسلامي وأخرى عن قصد لتشويهه وتقديمه في الصورة التي يريد.

إن بلدنا اليوم في حاجة إلى تكريس ثقافة قَبول الآخر، للتفرّغ لأجل البناء، وليسَت أبدا في حاجة إلى أن تجعل من الاختلاف معركتها الأولى لا يلبث أن تحوِّلها بعض الإرادات الخبيثة إلى نقمة، وهي التي ما كانت عبر التاريخ إلا نعمة...

  • print