هل للجيل الثاني علاقة بالإصلاح التربوي؟

date 2016/10/13 views 2120 comments 6
أوحيدة علي

سؤال غريب قد يدفع زمرة المؤيدين المتزلفين إلى الإجابة بنعم كعادتهم.. دون تفكيرٍ أو تروّ أو بحث عن أسباب هذا التساؤل الذي يجانب الصواب ويتنكَّر للواقع، واقع إصلاحات الجيل الثاني التي أقرتها وزارة التربية ونزلت بها إلى الميدان، إصلاحات تناولها المهتمون بشؤون التربية والتعليم من عدة زوايا، ورغم هذا يأتي من يشكك فيها، ويطرح سؤالا يريد من ورائه القول لنا ولأصحاب الميدان: إن الجيل الثاني لا علاقة له بالإصلاح التربوي!... دون دليل أو برهان، فهذا تفكير واستنتاج كل من ناقش ويناقش إصلاحات الجيل الثاني.

أما أنا كاتب المقال فأقول: لا أفهم لماذا تكلم ويتكلم أصحاب الميدان وغيرهم عن إصلاحات خيالية، إصلاحات وهمية؟ بل عن إصلاحات غير موجودة أصلا، ومن يخالفني الرأي عليه أن يتمعن في الحقائق التالية: 

1. من المعلوم والمتعارف عليه أن الإنسان لا يلتجئ إلى الإصلاح إلا إذا لاحظ أخطاء أو نقائص أو سلبيات أو ضعفا، أو خللا في جانب من جوانب المجال الذي يبغي إصلاحه، ولا يتوصَّل إلى هذه الحقائق التي يريد تصحيحَها أو تعديلها أو استبدالها أو تغييرها أو الحد من تأثيرها إلاّ إذا قام بتقييم شمل مكوِّنات الشيء أو المجال الذي يرغب في إصلاحه. والسؤال المطروح هو:  

هل قامت وزارة التربية بتقييم فعلي وشامل للمنظومة التربوية قبل الإقدام على إصلاحات الجيل الثاني؟ أم أنها اكتفت بملاحظات واقتراحات زمرة المؤيدين لها ولمشروعها؟ أم أنها اعتمدت على (ندوة الإصلاح) المنعقدة في شهر جويلية 2015 بحضور 100 مائة أستاذ ودكتور مدة يومين كاملين؟ أم أنها طبقت توصيات خبراء المدرسة الفرنسية؟... لا أدري؟!... ومن يدري عليه أن يبصِّرني ويبصِّر أمثالي وسأكون له من الشاكرين.

هل قامت وزارة التربية بتقييم فعلي وشامل للمنظومة التربوية قبل الإقدام على إصلاحات الجيل الثاني؟ أم أنها اكتفت بملاحظات واقتراحات زمرة المؤيدين لها ولمشروعها؟ أم أنها اعتمدت على (ندوة الإصلاح) المنعقدة في شهر جويلية 2015 بحضور 100 مائة أستاذ ودكتور مدة يومين كاملين؟ أم أنها طبقت توصيات خبراء المدرسة الفرنسية؟... 

2. التقييم: إن تقييم منظومة تربوية لا يكون تقييما ميدانيا وعمليا وشاملا إلا إذا مسَّ جميع مكوِّناتها الأساسية وهي: المناهج، والوسائل، والطرائق التربوية، ومس أيضا العناصر الفاعلة وهي: المعلم، والمتعلم، والأنشطة المقررة، دون أن ننسى الهيئات المسيرة التي تتمثل في: إدارة المدرسة، ومديريات التربية وعمليات التكوين والتفتيش والمراقبة، ووزارة التربية، ولا يتغافل التقييم عن السلطات المحلية التي لها علاقة مباشرة، وغير مباشرة بالمنظومة التربوية، فكل هذه المكونات تؤثر تأثيرا إيجابيا أو سلبيا على مردود المعلم والمتعلم، ولكن بعض المتعالمين المستهزئين يتعجبون من إدخال الإدارة والسلطات المحلية في عمليات التقييم التربوي!... وللتوضيح أقول لهؤلاء المغفلين ولغيرهم: إن الوزارة التي لا تعيّن مديري التربية قبل الدخول المدرسي، وتقوم بتنظيم حركة خلال السنة كالحركة التي قامت بها في شهر فيفري 2016 مسَّت 17 ولاية، ولا تتحكم في خروج المعلمين والأساتذة والمديرين والمفتشين للتقاعد، ولا توفر المناهج والوثائق المرافِقة لها والكتاب المدرسي قبل نهاية السنة، ولا تكوِّن المعلمين الذين تسند إليهم السنوات التي يمسها تطبيق الجيل الثاني قبل الدخول المدرسي، وزارة تصدق عليها حكمة (الصنعة تدل على الصانع)، بل وزارة لا تعرف التربية، ولا تعي التأثيرات السلبية لإجراءاتها، ورغم هذا لم نجد أحدا من الذين ناقشوا الإصلاحات أدخلها ضمن عناصر التقييم!... أما مديريات التربية التي تسمح للمعلمين بالتبادل أو الانتقال خلال السنة من مؤسسة إلى أخرى، ولا تعاقب المقصرين والمتهاونين والمتغيبين، ولا تأخذ مأخذ جد ما يأتيها من الميدان، ولا تتدخل عند السلطات المحلية عندما تلاحظ نقصا أو اكتظاظا يمس قطاعها، مديريات تساهم في تأخير المنظومة التربوية، دون أن ننسى التأثيرات السلبية التي تتسبب فيها السلطات المحلية كبناء أحياء بحجم مدن دون مؤسسات تربوية، مثل ما حدث في مدينة علي منجلي في قسنطينة وولاية بومرداس... الخ، ولا يشعرون بالذنب عندما تتحول الأقسام إلى غرف تبريد كما وقع في عنابة حسب ما ذكرته جريدة يومية في 10 فيفري 2015، أما جريدة "الشروق" التي صدرت في 10 فيفري 2015 فقد قالت: فقدت تلميذة الوعي في باتنة من شدة البرد، دون أن ننسى السلبيات والنقائص الناتجة عن نقص العمال، وتدني مستوى الإطعام في المطاعم المدرسية في الابتدائي. 

ورغم هذه المشاكل التي تؤثر تأثيرا سلبيا مباشرا على المسار الدراسي لأبنائنا من جهة، والتي تدل دلالة قاطعة على غياب التنسيق وعدم اهتمام مديريات التربية والسلطات المحلية بالمدرسة والمتمدرسين، لا نجد أحدًا من المهتمين بالتربية يُدْخِلُ هؤلاء ضمن عناصر تقييم المنظومة التربوية، والسؤال الذي يفرض نفسه علينا وعلى غيرنا هو: هل قامت بن غبريط بتقييم عناصر ومكوِّنات المنظومة التربوية قبل الإقدام على إصلاحات الجيل الثاني؟ أم أنها تجاوزت الكل وانفردت بمقولة (ما أريكم إلا ما أرى)؟.

3 . تحضير وسائل التطبيق: كل إصلاح يتطلب وسائل بشرية وأخرى مادية، ومنهجية واضحة يسير وفقها المطبِّقون للإصلاح، ولكن ابن غبريط لم تكوّن المعلمين والأساتذة الذين ستسند إليهم هذه الإصلاحات قبل الدخول المدرسي، وتكرّرَ ما حدث في إصلاحات 2003، كما أنها لم توفّر المناهج والوثائق المرافقة لها، والكتاب المدرسي، وفاجأت الجميع بعد الدخول المدرسي ووضعتهم أمام الأمر الواقع كما فعل (ابن زغو) في إصلاحات 2003، ما يجعل المعلمين والأساتذة ينتظرون الأيام الدراسية، والندوات التربوية التي تُنظَّم لهذا الغرض على حساب المتمدرسين، والسؤال الجوهري هو:... بماذا نصف هذه التصرفات والإجراءات؟! لا أدري؟!

يدرك المنصف العادل أن الجيل الثاني لا علاقة له بالإصلاح التربوي لعوامل عدة منها: لم يسبقه تقويمٌ ميداني، ولم يشارك فيه أصحابُ الميدان، ولم تُحضَّر له وسائلُ التطبيق قبل الدخول المدرسي، ولم يُرفق باستراتيجية التنفيذ، ولم يُجرَّب قبل التعميم، ولم يُكوَّن له المعلمون والأساتذة، ولم يستفد من أخطاء الإصلاحات السابقة... 

4. استراتيجية التنفيذ: قد يظن بعض المحنّطين فكريا أن عمليات تقييم عناصر ومكونات المنظومة التربوية تساعد على الإصلاح وتمكِّننا من رفع المستوى وتحسينه، في حين أن الحقيقة غير هذا الاعتقاد الراسخ في أذهان الجامدين، لأن الإصلاح مهما كان مجاله لا ينجح إلا إذا سبقته خطة تسمى (إستراتيجية التنفيذ) تتضمن تحديد وضبط مسار الإصلاح وأساليب التقييم والتقويم المرافقة له خطوة، خطوة، ليتمكن المنفذون من التصحيح والتدعيم والإضافة والحذف والزيادة كلما دعت الضرورة من البداية إلى النهاية، حتى لا نقع في أخطاء يصعب تعديلُها أو تغييرها أو استبدالها في نهاية المطاف مثل ما جرى لإصلاحات 2003 التي طُبِّقت دون تقييم وتقويم وبعد 13 سنة حكمت عليها الوزيرة نفسها بالفشل والسؤال هو: هل نستطيع تصحيح أو تعديل مسار أبنائنا الذين تمدرسوا وفق مناهج إصلاحات 2003؟ ماذا يقول خبراء التربية؟ بماذا يجيب المختصون في التربية وعلم النفس؟ ما موقفنا نحن من الذين فرضوا الإصلاحات فرضا؟ وبماذا نصف المطبلين المؤيدين لها؟ ...أسئلة؟ .. وأسئلة؟.. ولكن السؤال الجوهري هل استفدنا من هذه الأخطاء وتجنبناها في إصلاحات الجيل الثاني؟.

5. التجربة قبل التعميم: لا بدّ من القيام بتجربة الإصلاحات المراد تطبيقها على عينة من المدارس الحضرية والريفية في كل مقاطعة تربوية ليطّلع الجميع على ما سوف يُطبَّق في المستقبل والمساهمة بآرائهم واقتراحاتهم وملاحظاتهم، مع وجوب رسم خطة لمتابعة التجربة تتمثل في: تكوين المعلمين المنفذين، والمراقبة، وعمليات التقييم والتقويم، وكيفية التنسيق بين المقاطعات في كل ولاية، ثم على المستوى الجهوي والوطني... وهكذا... الخ، لأن مستقبل الأجيال الراهنة هو مستقبل الأمة، والخطأ في تكوين تلاميذه وطلبة اليوم خطأ في تكوين المجتمع. والسؤال المفروض علينا جميعا: هل قامت (ابن غبريط) بتجريب إصلاحات الجيل الثاني؟ أم أنها تسرَّعت وارتجلت واتَّبعت إصلاحات 2003 التي حكمت عليها هي نفسها بالفشل؟... لا أدري... ولكن أصحاب الميدان أدرى مني!

مما سبق يدرك المنصف العادل أن الجيل الثاني لا علاقة له بالإصلاح التربوي لعوامل عدة منها: لم يسبقه تقويمٌ ميداني، ولم يشارك فيه أصحابُ الميدان، ولم تُحضَّر له وسائلُ التطبيق قبل الدخول المدرسي، ولم يُرفق باستراتيجية التنفيذ، ولم يُجرَّب قبل التعميم، ولم يُكوَّن له المعلمون والأساتذة، ولم يستفد من أخطاء الإصلاحات السابقة... الخ، هذا رأيي، ومن يرى غير هذا الرأي عليه أن يفيدني ويفيد أمثالي، لأننا نجهل المدرسة، ونجهل محيطها، ونجهل ما يدور بين جدرانها، ونجهل المعلم والمتعلم.

  • print