الوقوف على حافة الهاوية!

date 2016/10/15 views 1796 comments 0

روسيا، تركيا، مصر، السعودية، سورية، إيران، العراق، اليمن، أمريكا.. هذه عناوين الصراع المحتدم اليوم في المنطقة والمتنوع سياسيا وإعلاميا وعسكريا والذي تبدو تحالفاته في بعض أجزائها متحولة ولا يُعرَف على وجه اليقين إلى أين تتجه هذه التحالفات؟ وما هي نتيجة الصراع في سورية والعراق واليمن؟ وهنا لابد من قراءة في المتغير من علاقات وتصورات لأماكن الصراع وأطرافه.

يبدو أن هناك -فضلا عن التغيرات الميدانية- أربعة متغيرات  كبيرة لابد من رصدها وتأملها.

المتغير الأول: الموقف المصري تجاه السعودية وأطراف الصراع الأخرى.. من الواضح أن النظام المصري كان وإلى أمد قريب يتكئ على الدعم السعودي السياسي والمالي في الخروج من أزمة سياسية واقتصادية، ووصل التفاهم بين الطرفين إلى حد تنازل مصر عن جزيرتين مصريتين تاريخيتين، أو على الأقل هكذا يعتقد كثير من المصريين، وذلك مقابل ضخ مليارات الدولارات في الخزينة المصرية التي تعاني عجزا مضطردا.. ولكن مع الزمن تباين مواقف البلدين، ولكن قبل تناول التسلسل في التباين، من المهم الإشارة إلى قانون الجيوبوليتيك والجيواستراتيجي الذي يتحكم في مزاج كل من البلدين؛ فمصر تعتبر نفسها قاطرة الوطن العربي بملايينها المئة وموقعها المتوسط وعاصمة المسلمين السنة بوجود الأزهر فيها وقيادتها الثقافية لها مئات السنين في الأحقاب الأخيرة، فيما ترى السعودية أنها صاحبة النفوذ الأضخم نتيجة ثرواتها الفائقة وإسهاماتها الكثيرة في مشاريع عديدة هنا وهناك، ولموقعها الديني المميز في العالم الإسلامي، فهي بذلك طموحة إلى أن تكون مرجعية المسلمين السنة وزعيمة الوطن العربي.. 

واضح أن الأمريكان وهم ينسحبون من المنطقة قد وضعوا فيها آليات التآكل الذاتي الذي يكفل بتقسيمها مدشنين بذلك ساكيس بيكو جديد تنقسم فيه بلدان الهلال الخصيب والجزيرة العربية إلى دويلات على أسس عرقية وطائفية وجهوية لتضمن بذلك تفوّق الكيان الصهيوني ونهب ثروات المنطقة بأبخس الأثمان متفردة.. 

هذه الجغرافية وما تعكسه في النفوس طالما دفعت إلى الاشتباك بين المصريين وسكان الجزيرة، ولعلنا نتذكر كيف كانت الحروب الجدية بين الوهابيين ومحمد علي، ومن بعد بين عبد الناصر وآل سعود.. لقد كانت حروبا دامية أهدرت فيها الأموال والأرواح.. من هنا بالضبط من الصعب تجاوز هذه المسألة المتجذرة بين البلدين لاسيما عندما يمس الأمر قضايا حساسة، وهنا برزت الاختلافات التي تتدحرج ككرة ثلج حول العناوين الثلاثة التي تشغل بال السعوديين:1- الاصطفاف ضد إيران ومن لف لفها كحزب الله والحوثيين. 2- الموقف من الدولة السورية والجيش السوري والنظام السوري. 3- الموقف من أزمة اليمن والصراع فيها..

وواضح أن المصريين نأوا بأنفسهم عن أيِّ اصطفافٍ طائفي وتطور موقفهم في النهاية إلى علاقات رسمية بينهم وإيران بعد أن أرسلت مصر قائما بالأعمال إلى طهران عقب لقاء وزيري الخارجية المصري والإيراني، وكان أكثر من واضح موقف الأزهر إزاء القضية الطائفية إذ رفض الانخراط فيها، بل توجه إلى مؤتمر في غروزني بالشيشان ليُخرج الوهابية من تحت عنوان أهل السنة والجماعة.. وعن الموقف تجاه سورية يؤكد المصريون أن الجيش السوري هو الجيش الأول بالنسبة لهم وأنهم لن يسمحوا بسقوطه أو انهيار الدولة السورية وتقسيم الجغرافية السورية.. وبالنسبة لليمن فلقد اكتفى المصريون بأن يكون باب المندب بعيدا عن التناوشات والاشتباك لما له من أهمية استراتيجية لمصر وتمنَّع المصريون عن المشاركة في الحرب على اليمن وسبق أن كانت هناك علاقات متواصلة بين الحوثييين ومصر.. 

وهكذا أصبح التباين واضحا بين البلدين بلغ ذروته الأسبوع الأخير في مجلس الأمن عندما وقفت مصر مع المقترح الروسي في الشأن السوري مما استوجب رد فعل سعودي سريع بوقف إمداد مصر بالوقود.. كما أن الموقف المصري يجد تناميا تجاه العلاقة الإستراتيجية مع روسيا تجسَّد ذلك مؤخرا في المناورات العسكرية المشترَكة والعقود العملاقة بين البلدين في مجالات صناعية وسياحية وتجارية، ولعل مؤتمر غروزني الذي أخرج الوهابية من أهل السنة ما كان له أن يتم لولا توافق سري بين الدولتين.

المتغير الثاني التقارب الروسي التركي: من الواضح أن اللقاءين اللذين تمّا بين الرئيسين أردوغان وبوتن خلال فترة وجيزة تم خلالهما رسم استراتيجية مشتركة لها علاقة بالقضايا الإقليمية بعد أن أبدى الروس اهتماما بالغا بالدور التركي، وبعد أن اكتشف الأتراك أن كثيرا من حلفائهم الإقليميين والدوليين لا يمكن المراهنة عليهم، ويبدو أن الاتفاقات مست قضايا اقتصادية جوهرية: سياحة ونفط من روسيا، وقضايا استراتيجية إقليمية بشأن الموقف من شمال سورية ومواجهة المتمردين الأكراد، الأمر الذي يعني أن تفصيلات ميدانية تمَّت مراعاتها بين البلدين الكبيرين مما انعكس بوضوح في مسألة حلب التي توشك على الانتهاء ومحاصرة داعش بين حلب والحدود التركية في منطقة الباب.. وتُوِّج ذلك كله بموقف تركي واضح بأنه مع حل سياسي يحافظ على وحدة سورية.

المتغير الثالث الموقف الأمريكي من الحرب على اليمن: فلقد صرح الأمريكان بصوت عال أنهم سيراجعون موقفهم من عمليات التحالف السعودي ضد اليمن بعيد المجزرة التي ارتكبت في حق مئات الأشخاص في صنعاء بينما كانوا في بيت عزاء.. والموقف الأمريكي العدائي أو المتخلي يتنامى ضد السعودية وكان لقرار الكونغرس الأمريكي قبل أسابيع قليلة الضوء على خريطة الطريق نحو استدراج السعودية نحو أزمات حقيقية يتم من خلالها استنزاف ثرواتها وملاحقة قيادات أمنية فيها وجلبهم إلى محاكمات أمريكية ودفعها إلى مزيدٍ من التعقيدات الإقليمية، وهو أمرٌ واضح من تصريحات بان كي مون وسواه من المتحدثين الدوليين المؤتمرين بأمر أمريكا حول "جرائم حرب" من قِبل السعودية في اليمن.

المتغير الرابع التصعيد الأمريكي الروسي:  واضح أن الأمريكان وهم ينسحبون من المنطقة قد وضعوا فيها آليات التآكل الذاتي الذي يكفل بتقسيمها مدشنين بذلك ساكيس بيكو جديد تنقسم فيه بلدان الهلال الخصيب والجزيرة العربية إلى دويلات على أسس عرقية وطائفية وجهوية لتضمن بذلك تفوّق الكيان الصهيوني ولنهب ثروات المنطقة بأبخس الأثمان متفردة.. ولكن يبدو أن التدخل الروسي أوقف المخطط الأمريكي إلى حد كبير؛ فلقد اقتضت المصالح الروسية أن تقف الدولة الروسية مع وحدة الدولة السورية والتصدي للمجموعات المسلحة التي ستشكل لاحقا تحديا أمنيا لروسيا الاتحادية، فألقت روسيا بثقلها وجلبت الموقف الأمريكي للتناغم حول موقف مشترك، ولكن الأمريكان تملصوا من الاتفاق الموقَّع بين الطرفين بعد أن رفضوا الإعلان عنه، مما نتج عنه تصعيدا كلاميا خطيرا بين الدولتين الكبيرتين إلى ما يشبه الوقوف على حافة الهاوية وأصبحت البحار والمحيطات شاهدة على تحرّك الغواصات والبارجات من كل الأطراف نحو شرق المتوسط.. ولا يزال الموقف يشهد تعقيدات لاسيما بعد الوقوف الفرنسي الأوربي في نفس الحيثيات الأمريكية من جهة، وانضمام الصين إلى الموقف الروسي وتطور الصراع الاستراتيجي إلى بحر الصين وأوروبا الشرقية والغربية بفعل الدرع الصاروخي الأمريكي.

في ظل هذه المتغيرات التي تحبس الأنفاس وتموقع الدول في زوايا من الصعب التأرجح بعدها إلا في الهاوية.. فهل تسلم أمريكا بأن تنجو سورية والعراق من التقسيم؟ هل تبقى أمريكا على الهامش في أزمة اليمن؟ أم تتخذ من سلامة حركة السفن في المياه الدولية حجة للتدخل في شؤون اليمن وإرباكها لتقسيمها بعد أن تم إنهاكها وإخراج السعودية من قيادة المشهد؟ هل ستسمح سورية بانتهاء أزمة الموصل بشكل ما دون أن تتمدد "داعش" والمجموعات المسلحة في أماكن إقليمية أخرى؟ أسئلة عديدة مطروحة اليوم وكلها رهينة تقدير الموقف في مؤسسة صنع القرار الأمريكي.. رغم ذلك كله فإن الصراع في المنطقة ليس سهلا لأي طرف كان، ولقد جرَّب الأمريكان حربهم على العراق وأخفقوا فيها.. فهل تعي قيادات أمتنا بأن تأخذ بزمام الأمور بيدها وتتداعى إلى التوافق الذي لا بديل عنه لننجو جميعا من الهاوية؟ تولانا الله برحمته.

  • print