في مهبّ الرياح!

date 2016/10/16 views 1579 comments 8

يظن الكثيرون، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قدمت الأفلام الصامتة و"الويستيرن" وأفلام "المافيا" والحركة، وأغاني "البوب والبلوز والروك"، إنما كانت تتسلّى، وتُسلّي العالم معها، بحثا عن "كمشة" من الدولارات، ولكن الزمن أكّد بأن الأمريكيين، في لهوهم جادّون، وفي رقصهم هادفون، وفي فنهم سياسة واقتصاد وعلم وثقافة و"جبروت الدولة الكبيرة التي لا تريد أن نرى إلا ما ترى".

إحراز المغني الأمريكي "بوب ديلان"، جائزة نوبل في الآداب، هو رسالة قوية جدا للعالم بأسره، بأن ما يُغنّى في أمريكا، أقوى من صالونات الشعر ومعارض الكتب المتخمة بعصارات المفكرين في كل بلاد العالم، وهو رسالة للذين حلموا في السنوات الماضية بتتويج الروائية الجزائرية الراحلة آسيا جبار أو الحالمين مستقبلا بتتويج الشاعر السوري أدونيس بجائزة نوبل، بأن يغلقوا باب الحلم نهائيا، ويعلموا بأن ما فعلوه على مدار سنوات وقرون، لا يرقى إلى أغنية أطلقها ذات "جنون" مغن بحجم بوب ديلان.

والجزائريون الذين تمتعوا على مدار قرابة قرن بالأفلام الصامتة لـ"شارلي شابلين"، وتربّوا على أفلام الويستيرن وبطولات "شارل برونسن وأنطوني كوين"، وانتهوا بمسلسلات الغني والفقير ودالاس، لم يكونوا يعلموا بأنهم سيكونون طبقا يُطهى على نار فنية هادئة، ليتحولوا إلى أرض في صورة سيناريو، تصبّ فيها الولايات المتحدة قنابلها النووية المخزنة، لتنهي الإرهاب من العالم "افتراضيا"، حتى ولو كان ذلك على حساب أعصاب الجزائريين.

قوة الأمريكيين أن لعبهم، هو قمة الجدّ، فهم من ينتزعون المجد في الألعاب الاولمبية، فتجدهم مرصعين بالذهب في العدو والملاكمة، وحتى في السباحة والرماية وركوب الخيل، وهم من يتوّجوا بالأوسكار، فتبقى في ذاكرة الناس صورة "كارل لويس ومايكل جاكسون ودي كابريو"، بينما يُبصمون روح هؤلاء في بقية الأمم. وجِدّهم، هو روح الحياة، فهم يعيشون لشعبهم، ولا يهمّهم أن يحولوا دمعة حزن هربت من مُقل الآخرين، إلى دمعة ضحك في مقل مواطنيهم.

 والذين رقصوا على قيثارة بوب ديلان، لمدة نصف قرن، واقتنوا أسطواناته وأشرطته المضغوطة، لم يكونوا أبدا يظنون بأن هذا الفتى سيحصل على جائزة نوبل في الآداب التي حصل عليها ذات زمن أدبي جميل، طاغور وبيرنارد شو وهيمينغواي وسارتر وبابلونيرودا وغابريال غارسيا ماركيز، وحتى أفلامهم هي حروب مدمّرة بعضها تم تنفيذه، والبقية تنتظر دورها، ومنها سلسلة "الناجي المعيّن" التي صورها السيناريو الأمريكي حربا نووية، لا تُبق ولا تذر على الجزائر.

وللذين رقصوا على أنغام أغنية بوب ديلان "في مهب الرياح" منذ ثلاثين سنة، عليهم أن يقرؤوا الآن ما بين سطورها، بالرغم من أن القراءة ستكون بعد فوات الأوان:

كم من الدروب ينبغي للمرء أن يقطعها قبل أن نسميه رجلا

كم من البحار ينبغي لليمامات أن تحلق فوقها قبل أن تستريح على رمالها

كم من القنابل ينبغي أن تقذفها المدافع لنحقق نصرا للأبد؟

الجواب يا صديقي.. في مهب الرياح

كم مرة ينبغي للمرء أن يرفع عينيه قبل أن يبصر السماء

كم من الآذان ينبغي أن يملكها الإنسان قبل أن يسمع بكاء الآخرين

وكم من الوفيات يجب أن تحدث حتى ندرك أن الكثيرين قد ماتوا؟

الجواب يا صديقي في مهب الرياح.

  • print