هل تصلح كتب الجيل الثاني ما أفسده الجيل الأول؟

date 2016/10/16 views 2324 comments 16
ضو جمال

أستاذ الفيزياء بجامعة الوادي

انطلق الموسم الدراسي والجميع يتحدث عن كتب الجيل الثاني، بعد أن انتهى الموسم السابق والكل يتحدث عن تسريبات البكالوريا، كالعادة انقسم الجزائريون إلى فسطاطين، فسطاط مدافع عن هذه الكتب وكل ما جاء فيها ومستصغر للأخطاء، وفسطاط آخر مهاجم لهذه الكتب، كاشف ومهول للأخطاء التي جاءت فيها، فريق يدافع ويُخير الشعب بين "جحيم داعش" و"جنة بن غبريط"، وفريق آخر يهاجم مصورا أن محتوى الكتب سيقضي على هويتنا وديننا، وبين هذا الفريق وذاك ضاعت قضية التربية والتعليم الجوهرية وهي التحصيل العلمي والتربوي الحقيقي.

مما لا شك فيه أن كتب ما يسمى الجيل الثاني أعدت على عجل والارتجال واضح في طريقة إخراجها، والأخطاء كثيرة، كما أنه ليس من الصعب كثيرا أن يقف المرء على الفلسفة والرؤية التي يحملها من أشرف على إعداد هذه الكتب ومن وجههم. 

لقد كُتب وقيل الكثير حول الأخطاء الواردة في هذه الكتب والرسائل التي أرادت إيصالها والأفكار المتناثرة بين طياتها عبر النص والصورة، في المقابل عقد معدو هذه الكتب ندوة صحفية ليترافعوا فيها عن كتبهم، ولكن مشهدهم وأسلوبهم في الخطاب لم يعكس صورة رجال تربية وثقافة، فلقد غاب الهدوء ووضوح الفكرة وقوة الحجة وحضرت بدلا عن ذلك"البلطجة" الإعلامية والفكرية وأسلوب تهديد المخالفين والدعوة لاعتقالهم، بل ذهب كبير المدافعين بعيدا وأنكر وجود دولة في الجزائر اليوم، هذا المشهد ترك انطباعا سيئا حول الفريق المشرف على إعداد الكتب لدى فئات عريضة من الجزائريين المهتمين بالتربية وربما أغلب الجزائريين. 

ولكن بالرغم من كل ما قيل هنا وهناك فإن السؤال الجوهري الذي يجب أن تطرحه الوزيرة وفريقها ويطرحه كل جزائري مدرك لأهمية المدرسة والتربية والتعليم هو: هل هذه الكتب وبحلتها ومحتواها الجديدين ستصلح كارثة التعليم وما تراكم من مفاسد الجيل الأول أو حتى تساهم في ذلك؟ 

إن كاتب هذه السطور، وبحكم اهتمامه بقضايا التربية والتعليم ومتابعته لجل ما يكتب ويقال تقريبا في هذا الشأن لم يقرأ أو يسمع نقاشا عميقا للمشاكل الحقيقية، والتي أدت إلى انهيار التربية والتعليم في الجزائر إلا في حالات محدودة.

لقد أشرنا في مقالات سابقة إلى أن السياسات المتبعة من طرف من هم على رأس الوزارة لا تترك مجالا للتخمين بأن إشكالية المدرسة الجزائرية في أذهانهم تتمثل في الأبعاد الدينية واللغوية، بعبارة أخرى،  فهي أبعاد إيديولوجية – أنثروبولوجية تعكس خلفيتهم الإيديولوجية، ولقد كانت الكتب الجديدة عاكسة لهذه الرؤية والخلفية بغض النظر عن الأخطاء التي احتوتها. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الوزيرة وفريقها ومعدو الكتب يؤمنون فعلا بأن كتابي اللغة العربية  الجديدين للسنتين الأولى ابتدائي والأولى متوسط مثلا سيرفعان مستوى تحصيل التلاميذ؟ أو أن كتاب الرياضيات للسنة الأولى الذي دُمج مع التربية العلمية والتكنولوجية بعبقرية منفردة سيساعد التلاميذ على تعلم الحساب بشكل أفضل وأسرع وبطرق علمية حديثة؟ أم كتاب التاريخ للسنة أولى متوسط والذي لم يكلف معدوه أنفسهم عناء كتابة أي نص واكتفوا بنسخ- لصق فقرات قصيرة من كتب مختلفة وإرفاقها بصور، في مشهد نادر لا أعتقد أنه حدث في أي دولة في العالم.

أمّا الكتاب الذي ربما يشرح أكثر رؤية الجيل الثاني هو كتاب التربية المدنية للسنة أولى متوسط، والذي لا يبدو أنه حظي باهتمام كثير ممن تناولوا كتب الجيل الثاني وأخطائها، فهذا الكتاب في واقع الأمر يعكس توصيات الأمم المتحدة تحت مضلة اليونيسكو، أو بالأحرى توصيات الأمم الغربية الغالبة للأمم المغلوبة والتي حددت للدول الإسلامية والعربية ما يجب أن يدرس وما يجب أن يحذف من المناهج. والجزائر هنا لا تعتبر استثناءً، فهي قرارات تم إملاؤها على دول إسلامية وعربية أخرى بعضهم نفذها بسرعة وبعضهم لا زال يتلكأ خوفا من ردات فعل داخلية.  

فلقد تحول الإسلام بحسب هذه الكتب إلى مجرد تمييز عنصري وتجربة اجتماعية لا تختلف عن التمييز على أساس لون البشرة أو اللغة، بينما لو كان لمعدي هذه الكتب ومن يشرف عليهم ويوجههم أدنى علم أو رغبة فعلية في محاربة التمييز العنصري والحث على التمييز الإيجابي والحوار لكان الإسلام وآيات القرآن وأحاديث الرسول (ص) هي منطلقهم الأساس، فالإسلام لا يميز بين الناس على أساس أعراقهم ولا ألوانهم  ولا لغاتهم، بل يميز بينهم على أساس أفعالهم، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، مصداقا لقوله تعالى"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ويقول  تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، وكذلك "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم  وألوانكم" وأيضا "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، والآيات والأحاديث كثيرة في هذا الصدد.

إنه لمن العجيب أن نجد كتابا يوجه إلى مجتمع مسلم يتحدث عن التسامح والحوار وعدم التمييز العنصري يتفادى أصحابه ذكر آية أو حديث واحد، في حين يوضع الدين الإسلامي في خانة التمييز العنصري، بينما هذه الأمم الغربية الغالبة التي تريد أن تلقننا التسامح وعدم التمييز العنصري لم تؤمن بحق المرأة في الميراث وإبداء الرأي السياسي أو أن الأسود والأبيض سواسية وعلى نفس المرتبة الإنسانية إلا منذ أقل من قرن... مع أن الأمر يتعلق بقضايا حسم فيها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، هذه الأمم الغالبة اليوم لم تحسم قضية حق الأسود أن يصعد نفس الحافلة مع الأبيض أو يدرس معه في نفس الجامعة إلا منذ عقود، ولا تزال تُذيق شعوبا ويلات الموت والقتل وتستغل ثرواتهم عبر وسائل عديدة وتحتفظ بجماجم رؤوس قطعتها وتعرضها في المتاحف قبل أن نسمع عن داعش. 

لا أحد ينكر حق كل جزائري أن يعتنق الفكر الذي يريد، ولكن ليس من حق الوزيرة أو غيرها أن يغرسوا في أبنائنا الأفكار التي يريدون، ولا حق الفريق الآخر، ولا أن يحولوهم إلى فئران تجارب أو وسيلة لنيل رضا ومناصب من لدن هيئات دولية، فهذه أمور تتجاوز سلطة وزيرة أو وزير لأنها تمس بصلب عقيدة المجتمع المتعارف عليها لدى الأغلبية، وإذا أصبحت هذه القضايا محل شك فإنه يجب مصارحة المجتمع بذلك، ويُوكل أمر نقاشها لهيئات تمتلك شرعية حقيقية تعكس تطلعات الشعب، وليس للأمم المتحدة أو اليونيسكو أو غيرها أن تفرض تصوراتها ومفهومها للدين الإسلامي على مجتمعاتنا، وهي عاجزة عن فرض قراراتها في مسائل تتعلق بحقوق الإنسان الحقيقية وليست الزائفة. 

لقد كان الأجدر بالوزيرة وطاقمها أن يبحثوا عن الأسباب الحقيقية لتدهور مستوى التعليم وانحطاط مستوى الأخلاق وتفشي التسيّب داخل مؤسساتنا التربوية وأن يقدموا مشروعا متكاملا يعرضوه أمام الرأي العام. ذلك أن أزمة التربية والتعليم لن تحلها كتب الجيل الثاني،  فهي نسخ سيئة من كتب الجيل الأول... ولن تحلها أية كتب أخرى مهما كان محتواها ومستوى مؤلفيها، وربما لا يخفى على الوزيرة وطاقمها أنه منذ أزيد من عقدين كان التلاميذ في مرحلتي الثانوي والمتوسط يعتمدون أكثر على ما يقدمه الأستاذ وما يدونوه في كراريسهم، ولم يكن التلاميذ يقتنون الكتب أو يتداولونها إلا في حدود ضيقة، وكان تحصيلهم العلمي أفضل بكثير من مستوى تحصيل تلاميذ اليوم.

 لا يبدو أن القائمين على الشأن التربوي يدركون أن أحد أهم أسباب تدنى مستوى التحصيل منذ أزيد من عقدين هو اعتماد المناهج التي تتبنى المقاربة بالكفاءات، هذه المناهج التي لا يمكن القدح في جدواها نظريا، ولكن من الناحية العملية كانت وبالا على المدرسة الجزائرية، فلقد اُعتمدت من دون أن تعد لها الأرضية المناسبة من معلم وهياكل، فعندما تصبح الكتب المدرسية معدة على هذا الأساس فإن دور المعلم يصبح حاسما في نجاحها، وإذا كان المعلم غير معد لهذه المهمة ولم يتلق التكوين المناسب فإن مهمة التلميذ تتعقد أكثر: عندما لا يقوم المعلم بالتجربة في مادة البيولوجيا أو الفيزياء  أمام التلاميذ وهم يشاركونه في إعدادها ونقاشها فإن مسألة الفهم والاستيعاب ستصبح آنذاك صعبة، بل مستحيلة في كثير من الأحيان، ولا يمكن للأولياء أن يقدموا أية مساعدة، وتغدو الكتب في هذه الظروف عديمة المنفعة، وإذا علمنا أن أغلب المؤسسات التربوية الجزائرية عاجزة عن القيام بهذه التجارب لغياب الهياكل والمتابعة واستحالة التعامل مع 45 تلميذا في القسم فإن مناهج من هذا القبيل تصبح مجرد حبر على ورق، ومن الطبيعي أن تزدهر دروس الدعم وتفقد المؤسسات التربوية دورها. 

لقد كان الأجدر بالوزيرة وطاقمها إجراء دراسة حقيقية عن العجز المسجل في عدد المعلمين والأساتذة، وعن عزوف كثير ممن يتم توظيفهم من الإناث عن الالتحاق بأماكن عملهن في أماكن نائية أو بعيدة عن مقر سكناهم، حتى لا يفاجؤوا كل مرة بعجز كبير ويتم فتح قوائم الاحتياط والإعلان عن توظيف عشرات الآلاف من المعلمين بعد الدخول المدرسي بشهور في مشهد عبثي، فلا يكاد يخلو قسم اليوم من عجز في أستاذ أو اثنين. 

إذا كانت وزارة التربية عاجزة عن حل قضية توفير الأساتذة والمعلمين للأقسام وتتخبط في الأعداد ولا تستطيع التنبؤ بالعجز المؤكد والمحتمل، بالرغم من المناصب التي وفرتها الدولة، فإنها ستكون أعجز عن حل مشاكل أكثر تعقيدا وتتطلب معرفة وإبداعا بيداغوجيا وإداريا وفكريا، ولو كانت أزمات التربية والتعليم تحل بتغيير محتوى الكتب لما عجزت دولة عن النهضة بتعليمها.

  • print