محامدية العائد من معتقلات العراق في حوار حصري لـ"الشروق":

"قصدت سوريا للدراسة بمعهد التجارة ولا علاقة لي بـ"جهادهم"

date 2016/10/16 views 17006 comments 22
  • المخابرات الأمريكية قامت بتعذيبنا داخل زنزانات مظلمة تحت الأرض
  • أهلي لم يتعرفوا عليّ وأخذوا يحققون معي في أول اتصال هاتفي بهم بعد ثماني سنوات من الغياب
  • فقدت الأمل في العودة إلى أهلي والحمد لله أفرج عني قبل انقضاء مدة سجني
author-picture

icon-writer حوار: وردة بوجملين

صحفية بقسم الحوارات والمتابعات بجريدة الشروق اليومي

لم يكن يتوقع الشاب محامدية عبد الحق، أن سفره إلى سوريا من أجل الدراسة في معهد للعلوم التجارية، يقع على الحدود السورية العراقية، رفقة أصدقائه سينتهي به في السجون العراقية التي مكث بها 12 سنة، قبل أن يستفيد من الإفراج المشروط، لحسن سيرته وسلوكه، رفقة كل من صديقيه باديس ومحمد اللذين ينتظر أن يتم ترحيلهما قريبا إلى الجزائر.

"الشروق" زارت عبد الحق، ببيت العائلة، الكائن بحي شعبة الفأر وسط برج بوعريريج، فكان لها معه هذا الحوار. 

 

كيف بدأت فكرة الذهاب إلى سوريا من أجل الدراسة؟ 

قصدت سوريا من أجل الالتحاق بمعهد عز الدين الخزناوي المختص في العلوم التجارية وليس لدراسة العلوم الشرعية كما هو شائع، فقامت المخابرات السورية بتوقيفنا على الحدود السورية العراقية وتسليمنا للقوات الأمريكية، التي قامت بنقلنا إلى مدينة الموصل الواقعة على الحدود، بقينا أربعة أيام في مطار الموصل ومكثنا هناك تقريبا أربعة أيام في المحاجر الانفرادية وبعدها وبعد أن جردتنا القوات الأمريكية من جوازات سفرنا حولونا بطائرة القوات الأمريكية بنقلنا ومن خلال طائرات تابعة لها إلى المحاجر السوداء وهي قاعدة أمريكية عسكرية، وهي عبارة عن زنزانات سوداء مظلمة تحت الأرض وبها ضوء أحمر خافت وأيدينا مكبلة إلى الوراء وكذلك أرجلنا ويتم وضع نظارات سوداء على أعيننا وهي زنزانات باردة جدا، وتقوم المخابرات الأمريكية باستنطاقنا هناك بشكل متواصل.

 

هل تم تعذيبكم في تلك المرحلة؟

طبعا، قامت المخابرات الأمريكية بتعذيبنا ولكن ما كانت تعتمد عليه هو الحرب النفسية أكثر من بقية أنواع التعذيب، مثلا عدم منحنا فرصة للنوم ويتم استنطاقنا كل ساعتين أو ثلاث ساعات وبشكل متواصل، الظلام الدامس وعدم تمكننا داخل تلك الزنزانات من تمييز الليل من النهار، البرد الشديد، كانوا يسمعوننا في كل مرة عبارة "لن تخرجوا من هنا" وسياسة التجويع، حيث يتم إعطاؤنا وجبة واحدة في النهار، "الفود الأمريكي"، في قطعة حلوى، قارورة صغيرة من الماء وبعض الرز وهي وجبة من الدرجة الثالثة مقارنة ببقية الوجبات ونقوم بتناولها من دون فك قيود أيدينا. 

 

ما هي التهمة التي وجهت لكم في ذلك الوقت؟

لم تكن أي تهمة، ورغم التعذيب ورغم استنطاقنا في الكثير من المرات إلا أن أجوبتنا كانت واضحة وهي كوننا قصدنا سوريا من أجل الدراسة في معهد للعلوم التجارية هناك وخرجنا من تلك المحاجر السوداء التي بقينا بها لمدة عشرة أيام أو 15 يوما من دون أن يحصلوا منا على معلومات أخرى وهذه المرحلة يمر بها كل من يقعون في قبضة القوات الأمريكية، حولنا بعدها على متن طائرة لنقل البضائع إلى سجن أبو غريب، وبالحاسبة المركزية منحنا أرقاما وصورة يتم وضعها في سلسلة على أيدينا، بقيت قرابة سنة هناك وقامت بعدها السلطات الأمريكية بنقلي إلى محكمة الساعة.

 

هل عذبت في أبو غريب؟

نعم، هذا صحيح، عذبت ويداي ورجلاي شهود على كل ما عانيته وبقية أصدقائي من تعذيب ولكن السلطات الأمريكية بعدها فتحت تحقيقا في القضية فالسلطات العراقية مازالت غائبة في العراق إلى الآن و"بريمر" هو الحاكم العسكري للعراق، أكمل حديثي نقلت رفقة أصدقائي إلى محكمة الساعة ورغم أنه تم إلقاء القبض علينا معا إلا أن السلطات الأمريكية وجهت لنا تهما مختلفة، وكانت التهمة التي أدنت فيها بـ15 سنة سجنا نافذا هي تهمة التواجد على التراب العراقي من دون رخصة رغم أننا كنا بمدينة سورية، واعتبر تلك المحاكمة باطلة، فالمدعي العام أمريكي والشهود أمريكان والقاضي عراقي كما تم محاكمتنا من دون جوازات سفرنا وكأننا سافرنا بطريقة غير شرعية ونطقت المحكمة بـ15 سنة سجنا في حقي.

 

كيف كان رد فعلك إزاء الحكم؟

كانت صادمة بشكل كبير بالنسبة إلي، كنت أعتقد أنه حتى وإن تمت محاكمتنا فإن فترة سجني لن تزيد عن عدة أسابيع أو أشهر قليلة أو أن يتم تسليمي إلى بلدي، ورغم أنه تم إلقاء القبض علي رفقة أصدقائي إلا أنه تمت متابعة كل واحد منا بتهمة مختلفة.

 

هل طلبتم تسيلمكم إلى السلطات الجزائرية؟

نعم، طالبنا السلطات الأمريكية بذلك ولكن لم يؤخذ طلبنا بعين الاعتبار، بعد محاكمتي أعادوني مرة أخرى إلى سجن أبو غريب وبعد مرور فترة رحّلتني السلطات إلى جنوب العراق على الحدود العراقية الإيرانية بسجن العمارة المركزي بمحافظة ميسان التي وقعت تحت سيطرة ميليشيات جيش المهدي الشيعي بعد أيام قليلة من دخولي إليه، وحتى القوات الأمريكية كان ممنوعا عليها الدخول إلى تلك المنطقة وبقيت في ذلك السجن إلى غاية 2008 عندما دخل الجيش الأمريكي مجددا وحرر المدينة من ميليشيات جيش المهدي.

 

كيف كانوا يعاملونكم كمساجين أولا ثم كجزائريين؟

المعاملة كانت سيئة جدا بالنسبة إلي كجزائري في سجن لعمارة المركزي، كنا نتعرض للضرب على يد جيش المهدي واستمروا في التحقيق معنا رغم أنه تمت محاكمتنا وانتهى الأمر.

 

كيف كان يتم تعذيبكم؟

الضرب بوسائل مختلفة على كل أنحاء الجسم وتغيير الزنزانة بشكل مستمر في كل مرة تجد نفسك في مكان مختلف، والأكثر من ذلك التمييز بيننا في المعاملة بين السنيين والشيعيين والأفضلية للشيعيين، وكانوا ينادونني بالإرهابي ولكنني لم أسكت وقمت بشرح الأمر للمساجين وقلت لهم إنني طالب وقصدت سوريا من أجل الدراسة واقتنعوا بكلامي، وتغيرت معاملتهم معي.

 

انقطعت طيلة ثماني سنوات أخبارك عن أهلك، متى تم أول اتصال لك بهم وكيف تم؟

في سنة 2008 حولت الى سجن بغداد ثم إلى سجن الناصرية المركزي ثم الى بغداد مجددا في 2011، واذكر انه جاءنا رجل من إقليم كردستان وكان مع صديقي باديس فطلبت منه رقم باديس حيث زودني به واتصلت بباديس واخذت رقم والدته واتصلت بها وذهبت الى والدتي وأحضرت لي رقمها وكان اول اتصال لي باهلي في الجزائر من خلال والدة صديقي باديس.

 

كيف كانت ردة فعل والدتك بعد تلقيها لاتصالك؟

اللهجة تغيرت، أصبحت أتحدث بلهجة العراقيين، اول ما اتصلت الوالد انتباه شك في كوني لست عبد الحق ابنه ولكن الوالدة وبمجرة ان أمسكت الهاتف تعرفت علي وقالت هذا ابني عبد الحق وتحدثت بعها الى اختي التي قامت باستجوابي بخصوص العائلة وكذلك الأقارب فتأكدت أنني أخوها عبد الحق وأصبحت على اتصال بأهلي منذ تلك الفترة.

 

هل كانت منظمات حقوق الانسان تزوركم؟

زارونا في سجن الناصرية، وكانوا ينقولون رسائلنا الى اهلنا، وكانت تلك الرسائل تقتصر على ذكر الاخبار العائلية فقط، زارنا السفير الجزائري في السجن قبل ستة أشهر الى السجن وجلسنا مع مدير السجن الذي استمع الينا والى انشغالاتنا.

 

هل تعتقد أن زيارة السفير الجزائري بالعراق سهلت من مهمة الافراج المشروط عنك؟

هذا مؤكد واعتقد أنه لولا مساعي السفير لم تتم اي معاملات جزائرية وطلبنا منه لدى زيارته لنا متابعة قضية الافراج عنا الى غاية عودتنا الى ارض الوطن فأخذ أسماءنا وبقيت في اتصال معه الى ان تم الافراج عني، واحب ان اشير الى اننا كجزائريين حظينا باهتمام اكبر من طرف الدولة الجزائرية مقارنة ببقية المساجين العرب الذي كانوا معنا، واعتقد انه ولولا كل تلك المساعي لم رحلت الى الجزائر رغم انقضاء فترة سجني.

 

هل حظي المتورطون في قضايا الإرهاب من المساجين الجزائريين بنفس المعاملة التي عاملتكم بها الخارجية الجزائرية؟

ليست نفس المعاملة، لان السفير قابل رئيس الوزراء العراقي ورئيس الجمهورية ونائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية واتصل بسكرتير وزير العدل ووكيل وزير العدل من اجل الافراج عنا وهذا ما سرع في قضية ترحيلي، فعندما ذهبت الى دار الاقامة بعد ان تم الافراج عني وجدت مساجين عرب انقضت مدة سجنهم منذ ستة اشهر ولكنهم لم يرحلوا الى بلدانهم بينما فور وصولي اتصلت بالسفير الذي حضر إلي في خلال ساعة وهو ما يوحي بحرصه الشديد على عمله، وفي اليوم الثاني أتاني بالتذكرة ورخصة الدخول إلى الجزائر بعد أن جردتنا السلطات الأمريكية من جوازات سفرنا، اشترى لي الملابس ومنحني مبلغا من المال.

 

هل كان لديك أمل في الرجوع إلى أهلك وبلدك بعد رحلتك الطويلة في سجون العراق؟

في الفترة الأخيرة من سجننا فقدنا الأمل في العودة مجددا إلى أرض الوطن أو إلى لقاء أهلنا، فمدة 12 سنة فترة طويلة، فقدت الأمل في العودة إلى بلدي في لحظة من اللحظات خاصة وانه يوجد الكثير من المساجين العرب الذين انقضت فترة سجنهم ولم يرحلوا إلى بلدانهم، وفجأة سمعتهم ينادون على اسمي استغربت هل هو استدعاء من اجل التحقيق أم ماذا؟ خاصة أنني تركت صديقي باديس ومحمد في نفس الغرفة التي كنت بها، فتم ترحيلي الى دار الاقامة من اجل العودة الى الجزائر وأقول وأكرر مساعي السفير الجزائري في العراق سرعت في قضية ترحيلي وحتى عندما وصلت الى الجزائر اتصلت به من اجل شكره، فقال لي اتصل بي اذا احتجت لاي شيء وحتى اذا وجدت صعوبات في اعادة تسوية امورك، وهذه تفاصيل الافراج المشروط التي حصلت عليه لحسن سلوكي وسيرتي وبمساعي سعادة السفير.

 

هل تعتقد انه سيفرج قريبا عن بقية المساجين ولماذا لم يتم ترحيلهم معك؟

اعتقد انه سيتم ترحيلهم قريبا ولكن دولة العراق تسير بسياسة الافراج واحد بواحد وليس معا، وقد حصل السفير على وعد من الرئيس العراقي من اجل الافراج عن بقية المساجين وترحيلهم

 

هل يوجد من الجزائريين ممن توبعوا بتهمة الإرهاب؟

نعم يوجد ويتم وضعهم في سجون خاصة بالإرهاب.

 

من كان في استقبالك في المطار؟

وجدت مصالح الأمن لأنني لا املك جواز سفر باستثناء الترخيص الذي حصلت عليه من السفارة الجزائرية بالعراق، خضعت لبعض الإجراءات الروتينية، أين التقيت والدي ووالدتي، كانت فرحة كبيرة بالنسبة لي ولأهلي الذي فقدوا الأمر في لقائي وعودتي مجددا، فقط أحب أن أوجه خالص معاني الشكر إلى السفير الجزائر عبد القادر بن شاعة الذي سهل وسرع لي إجراءات ترحيلي إلى الجزائر وحتى مدير دار الإقامة بالعراق تعجب من شدة تسهيل وتعجيل قضية ترحيلي وقال لي الدولتان الوحيدتان اللتان تتابعان أمور مساجينها في العالم هي الجزائر وإيران التي تسهر على معالجة ملفات مساجينها.

 

والدة عبد الحق محامدية: "الآن فقط أصبحت أرى من حولي"

عبرت والدة الشاب عبد الحق عن سعادتها الكبيرة بعودة فلذة كبدها عبد الحق اليها قائلة" الان فقط عاد الي بصري، الان فقط أصبحت أرى بعد عودة ابني الى حضني".

وتابعت  ام عبد الحق قائلة: "لم افقد أبدا الامل في عودة ابني، وكان الدعاء والصلاة سلاحي لمواجهة محنتي ومصيبتي في انقطاع أخبار ابني عني، الحمد لله وشكرا للدولة الجزائرية التي لم تدخر جهدا من أجل إرجاعه إلى أهله، والعاقبة للبقية أن شاء الله"، وختمت أم عبد الحق كلامها بالدعاء لمن لم يتم ترحيلهم هذه المرة".

 

والد عبد الحق: "لو توقعت ما سيدحث له لما سمحت له بالسفر"

صرح والد عبد الحق محامدية، لـ"الشروق"، أنه ما كان ليترك ابنه ان يسافر إلى سوريا لو انباه مجرد شك فيما ماسيتعرض له ابنه، قائلا: "لو كنت اعلم بما سيواجهه لما تركته يسافر".

وتابع، "الحمد لله على كل حال والفضل لله اولا وللدولة الجزائرية"، ووجه والد عبد الحق محامدية أسمى معاني الشكر للسفير الجزائري بالعراق وكذا مصالح الدولة الذين سهروا على قضية ترحيل ابنه عبد الحق من سجون العراق.

  • print