الشروع في القتل!

date 2016/10/17 views 5146 comments 5

سقوط بناية في طور الإنجاز بالعاصمة، يستدعي التوقف والتنفس بعمق، شهيقا وزفيرا، حتى تكاد تنقطع الأنفاس، لأن هذه الحادثة من الطبيعي أن تنشر الذعر وسط المقاولين والمواطنين على حدّ سواء، فأين الخلل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وأين كانت أجهزة الرقابة؟ وهل ماتت القلوب حتى يُخاطر هؤلاء أو أولئك بحياة أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم سكنوا بنايات الموت؟

مهما كانت نتائج التحقيقات، فإن حادثة العاشور، قد تكون القطرة التي أفاضت الكأس، فهناك عشرات وربما مئات أو آلاف الحالات المشابهة عبر الولايات، التي يلعب بها ويتلاعب مقاولون ومرقون -وليسوا كلهم طبعا- بالقوانين السارية وبحياة المواطنين، همّهم الانتهاء من المشروع واستلام ملاييره، والانتقال بعدها إلى مشروع "تحايلي" آخر!

لا داعي لإحياء الجراح التي اكتشفناها فجأة إثر زلزال 2001، ببومرداس والعاصمة، حيث تعرّت بنايات الموت، وتهاوت بفعل الزلزال المدمّر، نعم، لكن أيضا نتيجة الغش والتدليس وعدم احترام مقاييس البناء والتعمير، وممارسة السرقة حتى في مواد البناء الأساسية كالأسمنت والخرسانة، والجميع يعرف ماذا حدث بسبب هذه الجريمة!

عشرات الشكاوى تصل مصالح التعمير بالبنايات، بعضها يُشابه ويتطابق مع حادثة العاشور، وهناك قضايا تمّ حلّها وتفادي "المجزرة" قبل وقوعها نتيجة التدخل العاجل، وأخرى مازالت تراوح مكانها، إمّا بسبب البيروقراطية، ومعالجة الملفات بسرعة السلحفاة، وإمّا بسبب الاستهتار والتهاون واللامبالاة وأحيانا بمنطق "ادهن السير يسير" وهذا هو الخطير في الموضوع!

سواء تورّط مقاول، أم "ماصو" أم مكتب المراقبة، أم مكتب الدراسات، أم المهندس، أم البلدية، أم حتى صاحب المشروع، فإن الأمر يتعلق بـ"الشروع في القتل"، لأن سقوط هذه البنايات المخدوعة يصبح قضية وقت فقط، والأفضل لجميع الأطراف أن تسقط قبل دخول قاطنيها، على أن تسقط والعياذ بالله فوق رؤوسهم، فتكون الجريمة مزدوجة!

نعم، المقاول والبناء و"المانوفر"، يتحمّلون مسؤولية الغش و"الشروع في القتل"، لكن الجهة الإدارية المكلفة والمخولة بالمتابعة والتأشير على خطوات إنجاز مثل هذه المشاريع، تتحمّل هي الأخرى جزءا من المسؤولية، حتى وإن كان المخادعون يُمارسون خداعهم ليلا حتى لا تراهم أعين الرقابة وتفضحهم آليات لا تشتغل للأسف إلا تحت أشعة الشمس المحرقة!

سحب الاعتماد أو الرخصة من مقاول أو مرقّ، سينقل دون شك إلى بقية المقاولين والمرقين، لكن الأكيد أن "الهفافين" سيبتكرون اختراعات أخرى تساعدهم على الإفلات من القانون والعقاب أيضا!  

  • print