اليمين واليسار "يتحالفان" في الإساءة إلى الجزائر

ماذا يريد الفرنسيون من الجزائر؟

date 2016/10/19 views 20868 comments 77
author-picture

icon-writer محمد مسلم / إيمان كيموش / وهيبة سليماني

تحوّلت العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى حالة صعب على المتابعين تفكيك ألغازها.. زيارات متواترة بين مسؤولين كبار في البلدين، وصفقات بالجملة وتسهيلات تستفيد منها الشركات الفرنسية. وبالمقابل يصر المسؤولون الفرنسيون، الموجودون في السلطة وخارجها، على الإساءة للجزائر بمناسبة أو بدونها، والاستفزاز تجاوز كل الحدود إلى درجة أصبح معها الصمت لا يطاق. فلماذا هذا التناقض؟ وماذا يخفي وراءه؟ وهل يمكن القول إن فرنسا من خلال ما سبق، لا تزال تتصرف مع الجزائر وكأنها مستعمرة سابقة؟ وإلى متى سيستمر الموقف الجزائري الرسمي يلفه الغموض؟ وهل حان الوقت لكي يقول الجزائريون لا لهذه الإساءات؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول "الملف السياسي" لهذا العدد الإجابة عليها.

 

ألغام على محور الجزائر - باريس

عقدة الماضي تؤزم الخاضر 

تأبى الإساءات والاستفزازات الفرنسية تجاه الجزائر، أن تتوقف حتى في الوقت الذي يشاع فيه أن العلاقات بين الجزائر وباريس قطعت أشواطا في عهد الرئيس الحالي، فرانسوا هولند.

وإن كان ما وقع من إساءات في عهد الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، منتظرا بحكم الإيديولوجيا اليمينية التي شرب منها الرجل، والخلفية التي جاء منها، إلا أن استمرار هذه الإساءات في عهد الرئيس الحالي الذي جاء من وسط وخلفية مغايرة، يعزز القناعة المترسخة لدى الكثير من الجزائريين، والتي مفادها أن الفرنسي واحد، مهما اختلفت إيديولوجيته وتوجهاته السياسية، عندما يتعلق الأمر بالجزائر.

ويمكن الرجوع إلى مرحلة الثورة، وما عاشه الجزائريون من معاناة ومآس، كي يتم الوقوف على جدية هذه القناعة، فسياسات الحكومات الفرنسية المتعاقبة ما بين 1954 و1962، لم تختلف إطلاقا في التعاطي مع مطالب الجزائريين الاستقلالية، وقد يستغرب البعض عندما يدركوا أن القمع الوحشي الذي تعرض له الجزائريون إبان الثورة، كان في حكومات قادها اشتراكيون ويساريون، في صورة كل من مانديس فرانس، إدغار فور، غي مولي، موريس بورجيس مونوري، فيليكس غايار، وبيار بفليملان.

وقد شاع لدى الكثير من الجزائريين، أن اليسار الفرنسي لا يكن العداوة ذاتها التي يجهر بها اليمين تجاه الشعب الجزائري، وانخرطت تحليلات سياسية وقراءات إعلامية، في مسعى تبييض صورة الاشتراكي الفرنسي لدى الجزائريين، غير أن هذا الأمر تبين أنه بعيد كل البعد عن الموضوعية، وأن التقارب الإيديولوجي بين النخبة السياسية في البلدين كان وراء ترويج مثل هذا الاعتقاد.

حقيقة؛ لقد تعددت الزيارات بين المسؤولين الفرنسيين ونظرائهم الجزائريين منذ عام 2012 وهي السنة التي اعتلى فيها الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولند سدة قصر الإيليزي، غير أن هذه الزيارات لم تؤد إلى تجاوز عقدة الماضي الاستعماري لدى المسؤولين الفرنسيين، ولم تغير طريقة تعاملهم مع مستعمرتهم السابقة، فيما بقي التقارب سمته البارزة البعد الاقتصادي الذي لم يخدم سوى الطرف الآخر.

ويكفي للتدليل على هذه القراءة، ما بدر عن سياسيين اشتراكيين من إساءات منذ عام 2012، وفي مقدمتهم الرئيس فرانسوا هولند، الذي "حمد الله" على عودة وزيره الأول السابق ووزير الخارجية الحالي، جون مارك إيرو، سالما غانما من الجزائر، وكان ذلك بعد سنة من انتخابه رئيسا.

وإن كانت الإساءة قد غلفت بطابع فكاهي للهروب من تداعياتها، إلا أن الأمر اعتبر إساءة مهما حاول الطرف الآخر التنصل، لأنه عندما يتعلق الأمر بعلاقة حساسة كتلك التي تربط الجزائر بباريس، فكل كلمة تقال من هذا الطرف أو ذاك، لها نصيبها من التأويل، ومن ثم كان على هولند أن يعي ذلك.

المحطة الأخرى، كانت المطبة التي وقع فيها الوزير الأول الحالي، مانويل فالس (اشتراكي)، عندما زار الجزائر الربيع المنصرم، فبمجرد عودته إلى بلاده دوّن "تغريدة" على حسابه الشخصي في "تويتر"، أظهرت صورة "مسيئة" للرئيس بوتفليقة التقطت عندما استقبله، وهي الحادثة التي خلفت جدلا كبيرا وساهمت في تسميم العلاقات الثنائية.

وقد فاق ما تضمنه الكتاب المعنون "ما كان على الرئيس أن يقول هذا"، الذي شكل حصيلة لقاءات جمعت بين هولند وصحفيين من يومية "لوموند" من إساءات، كل الحدود، عندما تجرأ على وصف المجاهدين بـ"الإرهابيين". وإن كان هولند نقل هذا التوصيف عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء جمع الرجلين، إلا أن نية الإساءة تبدو ماثلة، من خلال محاولة الربط بين جهاد الجزائريين أثناء الثورة التحريرية من أجل الاستقلال، وبين الاقتتال الدموي بين الإخوة الفرقاء في سوريا.. فهل آن الأوان بعد كل هذا الهوان أن نقف مع الذات لمراجعة ما فات؟

 

المؤرخ والمحلل السياسي محمد أرزقي فراد

صمت الجزائريين عن الإساءات المتكررة شجع الفرنسيين


نشعر خلال الأسابيع الأخيرة وكأن فرنسا تستفز الجزائريين، على غرار خطاب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الأخير عن الحركى، ووصفه المجاهدين بالإرهابيين، ما قولكم؟

الاستفزازات لم تتوقف في الماضي لتعود اليوم، بل هي مستمرة منذ الاستقلال وستستمر في ظل عدم وجود أي خطوة أو مبادرة لتجريم الاستعمار الفرنسي من طرف السلطات الجزائرية، وعجزها عن تمرير هذا القانون، الذي بقي مجرد حديث وأقاويل ولم يتحول إلى فعل.. فالشيء الوحيد الذي يمكن من خلاله شجب هذه الممارسات الفرنسية وتصريحات هولاند الواصفة للمجاهدين بالإرهابيين هو إصدار قانون تجريم الاستعمار، ومواجهة فرنسا بجرائمها في حق الجزائريين.

ألا يتناقض ذلك مع العلاقات النوعية التي يقال إن هولاند أرساها مع الجزائر بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة؟

سواء كان هولاند أم ساركوزي، فكلاهما يتبنيان نفس المنطق والخطاب تجاه الثورة التحريرية والشهداء والمجاهدين الجزائريين، وأنا أرى أن ما يعقد العلاقات بين الجزائر وفرنسا ويزيد من حدة التصريحات الاستفزازية، هو التزام السلطات الجزائرية الصمت تجاه ما يجب القيام به، وهنا أضرب مثالا بما حدث عندما عجزت الجزائر عن استرجاع جماجم شهدائها، الذين تحضر فرنسا لرميها بدل تسليمها إلى سلطات بلادنا، الأمر الذي يكشف استمرار الحملة ضد الجزائر وعدم توقفها في الأسابيع المقبلة.

مثل هذه الإساءات عادة ما تكون منتظرة عندما يكون اليمين في الحكم، لكن هذه المرة جاءت من اليسار، هل يعني هذا أن اليسار أصبح لا يختلف عن اليمين؟

عندما يتعلق الأمر بالجزائر وعلاقتها مع فرنسا وحتى بالتصريحات الاستفزازية الموجهة للمجاهدين وحرب التحرير الوطنية، فالاستفزازات لا ترتبط باليمين أو اليسار مثلما يعتقده الكثير، وإنما تأتي من الطرفين، فموقف التيارين موحد تجاه الجزائر والثورة التحريرية التي لم يعترفوا بها إلا قبل سنوات قليلة، وهنا يستغل الطرف الفرنسي التزام السلطات الجزائرية الصمت تجاه قضية تجريم الاستعمار، التي تبقى أحد الملفات التي لم تر النور بعد أزيد من 50 سنة من الاستقلال، وهو ما يجعل من وقف استفزازات فرنسا مربوطا بمراجعة النظام الجزائري لنفسه واستمداد قوته للرد على فرنسا من الشعب.

برأيكم؛ ما الحسابات التي تقف وراء استفزاز الساسة الفرنسيين للجزائر بين الفترة والأخرى؟

أنتم تلمحون إلى وجود علاقة بين التحضير للاستحقاقات السياسية في الجزائر والتصريحات الاستفزازية التي أطلقها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وربما اقتراب موعد التشريعيات، لكن أنا لست مع هذا الطرح، لأن مثل هذه الأفعال والتجاوزات لم تتوقف في الماضي لتعود اليوم، فهي مستمرة منذ عشرات السنوات وستبقى طيلة المرحلة المقبلة، بحكم أن النظام الجزائري لم يتحرك خطوة إلى الأمام لوأدها أو شجبها، وهو ما يجعل المسؤولين الفرنسيين في كل مرة يدلون بمثل هذه الأقوال، وهم على ثقة ويعلمون بأن نظراءهم في الجزائر لن يتحركوا، كما أنهم على دراية كاملة بأن عددا كبيرا ممن يفترض أن يردوا على الاستفزازات يمتلكون أرصدة مالية بفرنسا وجنسية مزدوجة وعقارات، ومصالح متبادلة وهو ما يجعلهم عاجزين عن توجيه أعينهم الغاضبة نحو فرنسا.

ما الذي يجب على الجزائر أن تفعله لمواجهة مثل هذه الاستفزازات؟

الشيء الوحيد الذي يجب على السلطات الجزائرية أن تفعله لمواجهة الاستفزازات الفرنسية هو أن تبتعد عن ردود الفعل، وأن تشرع هذه المرة في الفعل، وأعتقد أن الفعل لن يكون إلا عبر تجريم الاستعمار، فهو الخطوة الأولى والرئيسية التي يجب القيام بها لصفع الساسة الفرنسيين المستفزين للجزائر بتصريحاتهم، وإذا لم تسارع الجزائر إلى اتخاذ هذه الخطوة التي تم السكوت عنها، فستستمر التصريحات المسمومة لرؤساء فرنسا وسياسيها خلال المرحلة المقبلة، ولن يتغير شيء بمجرد رد فعل للشجب أو التنديد، فالجزائريون مطالبون اليوم بالفعل، خاصة إذا تذكرنا أنه إلى وقت قريب كانت فرنسا ترفض الاعتراف بحرب التحرير وتكتفي بتسميتها أحداث شغب، ولم يتم الإقرار بوجودها، إلا في حقبة حكم الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، لذلك فأول خطوة تنتظر مسؤولي الجزائر اليوم لرد الاعتبار هي تجريم الاستعمار الفرنسي.

 

المجاهد والقيادي بالولاية الرابعة التاريخية لخضر بورقعة

أفضل رد على فرنسا هو إعادة بعث قانون تجريم الاستعمار


الرئيس الفرنسي فرانسوا هولند وبعد ما أعاد الاعتبار للحركى انخرط في تشويه المجاهدين عندما نقل توصيفا مشينا لهم عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.. ما تعليقكم؟

هولند يدرك جيدا ما يقول ويملك مثل باقي القادة الفرنسيين السياسيين، رؤية دقيقة ومستقبلية للجزائر.. وفرنسا برمتها تعي ما تسعى إليه، إنها في حرب معلنة ضد الجزائر، فلا غريب أن يصف رئيسها الحالي المجاهدين بالإرهابيين بعد ما فرض شروطه علينا وحقق بعض الخطوات على طرق إنجاز أهداف أخرى اكبر.. لا شك أن الحنين إلى الماضي باق مادام هناك طموح للعودة مرة ثانية إلى الجزائر.

ولماذا يوصف هولند بأنه صديق الجزائر، في وقت عرفت الإساءات من طرف فرنسا للجزائر ذروتها؟

فرانسوا هولند صديق من حققوا له ما يريد من الجزائر، وليس صديقا للجزائريين ككل، هو عرف كيف يستغل الظرف الراهن الذي يشهد شرق عربي ممزق ومغرب عربي محايد، لقد وجدها فرصة لفرض شروطه على الجزائر.. لا يوجد تنسيق ولا رؤية سياسية لتغيير الداخل من طرف الساسة الجزائريين.

إن ما قام به الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي في ليبيا وما خلفه من خراب، كان بهدف ترك العبء للجزائر حتى تبقى منشغلة بتحقيق الأمن على الحدود في وقت يشهد اقتصادها استنزافا عبر مقاطع حدودية أخرى.. إنها حرب معلنة ضد بلادنا ومع ذلك لا يتحدث عنها أحد، وخاصة أصدقاء هولند في الجزائر.

وما هو أفضل رد على هذه الحرب المعلنة؟

أفضل رد يجب أن يكون من الشعب الجزائري وحده بتضامنه وتكاتفه تجاه كل الحملات المغرضة من طرف الأعداء، عليهم أن لا يصدقوا ما يقال عن المجاهدين من أكاذيب أو على تاريخ بلاده من مزايدات، إن فرنسا تدرك اليوم أن بلادنا مقبلة على مرحلة انتقالية مصيرية حاسمة في تاريخ الجزائر خلال سنة 2017، هناك انتخابات تشريعية وتحضيرات لاختيار الرئيس الجزائري القادم.

ما تعني بهذا؟

أعني أن عدم الرد من طرف القادة السياسيين الجزائريين على إساءات فرنسا، لديه علاقة مباشرة بهذه المرحلة الحاسمة، فكل واحد يحاول تجنب وضع نفسه في خلاف مع السلطات الفرنسية، لكي ترضى عليه وتدعمه لاحقا في نيل المنصب السياسي الذي يرغب فيه.

هناك ضغط لترشيح المرشح الذي يرغبون فيه أن يصبح رئيسا للجزائر، فكيف تفسرون هذا الصمت المطبق من طرف القادة الجزائريين على إساءات فرنسا لنا؟ 

ألا تشكل الخلافات والصراعات بين بعض الوجوه السياسية البارزة في السلطة، ضغطا من طرف فرنسا ليكون لديها ذراع طولى مستقبلا في الجزائر.. روسيا ترغب في أن تكون هناك علاقة بينها وبين الجزائر، ولكن فرنسا بعثت إلينا برسائلها المشفرة  لتجهض تخطيط روسيا.

تهديدات مباشرة تجاه الجزائر ولا أحد يرد.. نحن نعيش ما أشبه بالوصاية الفرنسية، ولا يمكننا نكران ذلك، ولا شك أن استمرار الإساءات الفرنسية، مؤشر على ذلك.

ألا ترى أن الظرف الراهن يناسب إعادة بعث قانون تجريم الاستعمار المجمد في البرلمان؟ 

عدم التنسيق بين المجاهدين وممثلي المجتمع المدني والمؤرخين والقادة السياسيين جعل قانون تجريم الاستعمار مجرد كلام، لقد رفض عبد العزيز بلخادم عندما كان رئيسا للحكومة، عرض هذا القانون على البرلمان، واليوم ضاعت الفرصة لإعادة عرضه مرة ثانية، لأن البرلمان يعيش حالة انقسام، الموالون منقسمون إلى اثنين، والمعارضة ليس لديها رؤية واضحة، فكيف يردوا على رسائل فرنسا أو ينتفضوا للحسم في مسألة تجريم الاستعمار وهم يحضرون للانتخابات.

آمل تجريم الاستعمار، فلا بد أن يكون عن طريق إجماع وطني وهذا غير قائم في الوقت الراهن، وأعتقد أن الحل هو في العودة للاستفتاء الشعبي.. ارموا قانون تجريم الاستعمار للشعب سينجز. لا يحق أن نتصرف فيه كصك يمضى على بياض.

  • print