"الموسطاش بلقسام" جنّب الجزائر وديانا من الدماء بعد الاستقلال

مجاهد برتبة "قائد ناحية عسكرية" يتحوّل إلى مشرد بسطيف

date 2016/10/19 views 43604 comments 54
  • "يعيش في كوخ.. ينام جائعا والأمراض تفتك به"
author-picture

icon-writer سمير منصوري

هي حقيقة وليست حكاية خيالية، نعلم بأن من يقرأ قصة هذا المجاهد، يرتابه بعض الشك في مصداقية هذه الرواية، وربما يقول في نفسه: لا يعقل أن يعيش قائد الناحية العسكرية الأولى، مهندس الصلح بين جماعة آيت أحمد وأولحاج وهواري بومدين، على صدقات المحسنين، تارة يأكل وتارة ينام جائعا، لكن للأسف، هذه هي حقيقة هذا البطل المغوار، المسمى"بلقسام يازيد"، المعروف في جيش التحرير الوطني باسم "الموسطاش".

المجاهد بلقاسم يازيد يعيش حياة ضنكى داخل كوخه بقرية لعزيب، التابعة لبلدية حربيل، الواقعة شمال ولاية سطيف، ويعاني من الفقر المدقع والوحدة وهو مصاب بالعديد من الأمراض المزمنة التي تحاصر جسده الضعيف من كل الجوانب، لكن لا أحد من المسوؤلين سأل عن أحواله، بالرغم من أنهم يعلمون علم اليقين، بأن هذا المجاهد المولود في سنة 1928 هو من جنب الجزائر سيول وديان من الدماء، كانت من الممكن أن تسيل بعد الاستقلال. 

وبخصوص علاقته بالثورة والثوار وصناع القرار خلال الثورة وبعد الاستقلال، قال عمي بلقسام لـ "الشروق "، إنه خلال الثورة التحريرية، كان في تونس، يشغل منصب محافظ سياسي لجبهة التحرير، كما التحق بجبل عين الزانة، رفقة عدد من المسؤولين العسكريين الآخرين، على غرار العربي بلخير، وعبد القادر شابو، وشارك في العديد من المعارك الطاحنة.

وفي إحدى المرات، كاد بلقاسم يلقى حتفه هناك، بعد أن شن عليهم الجيش الفرنسي هجوما، بالقنابل وسقط عدد من الشهداء، وهي القنابل التي كانت تزن أكثر من 50 كلم للقنبلة الواحدة، التي كانت تنبعث منها غازات سامة، تجعل كل من يقترب منها يتعرض للإغماء، وهي الغازات التي لا يزال مفعولها إلى حد الآن يؤثر فيه، بسبب استنشاقه هذه الغازات، حيث قال: "ما زالت تنتابني نوبات إغماء إلى حد اليوم". كما أضاف، عمي بلقسام، وهو في قمة التحسر، لما يعانيه اليوم من إهمال، كيف وهو الذي يعيش حالة التشرد، مثله مثل باقي الأفارقة والسوريين الموجودين بولاية سطيف، أنه بعد الاستقلال مباشرة دخل إلى الجزائر، وتم تعيينه قائدا للناحية العسكرية الخامسة، خلفا للقائد العربي الميلي، الذي كان يومها يعاني من المرض، ليتم تحويله بأمر من هوراي بومدين إلى قائد للناحية العسكرية الأولى بالبليدة. 

 

"يوم أوقفتُ "تمرد" آيت أحمد وبلحاج"

كما كشف عمي بلقاسم أنه في سنة 1965، وخلال "تمرد" الأفافاس، الذي بدأ في 1963 واعتصام حسين آيت أحمد ومحند أولحاج، بجبال القبائل "برفقة 5 آلاف جندي" حسب يازيد، الذي قال: "كلفت بمهمة إقناع القائدين اللذين لا يعترفان لا ببن بلة ولا بهواي بومدين، حيث توجهت رفقة فرقتي، إلى أكبر قرى ومداشر في القبائل، واستقبلتني العشرات من النسوة وكن يرددن: "سبع سنين بركات"، وغيرها من الشعارات الرافضة الاندلاع حرب بين الأخوة الجزائريين، وهي المهمة التي نجحت فيها، بعدما أقنعت المتمردين بالنزول من الجبل وهو ما حصل فعلا بعد 15 يوما من المفاوضات". 

وأضاف أنه أقنعهم بأن الوطن في حاجة إليهم، لأن حرب الرمال مع المغرب كانت دائرة رحاها يومها. وبعد هذه الحادثة، نصبني سعيد عبيد قائدا للناحية العسكرية الأولى مكافأة لي على نجاحي في مهمة إقناع المتمردين، وحقن الدماء. 

وعن حالته الاجتماعية حاليا، بعد أن اشتعل رأسه شيبا، وبلغ من العمر عتيا، قال عمي بلقاسم، وعيناه قد امتلأتا بالدموع، إنه يعيش مثل المتشردين، ليست له أي منحة، ويعيش في كوخ في قرية لعزيب بحربيل، وتارة يأكل وتارة ينام جائعا، وهو يأمل في آخر عمره، أن تلتفت إليه الدولة الجزائرية، وتمنحه حقه، ليس ليعش كالملوك والسلاطين، بل ليعيش معززا مكرما في بلده الذي أفنى من أجله شبابه.

  • print