خالصين عليها.. دبرو راسكم!

date 2016/11/15 views 3118 comments 3

أدهشني تلميذ في الابتدائي وهو يقول بعد هزيمة المنتخب الوطني أمام نيجيريا: "ما تتقلقوش.. واش دخلكم، هوما يخلصوا واحنا نمرضوا؟".. هكذا والله قال هذا الطفل، وظاهريا وبتحليل كلماته حسب سنه، فإنه محقّ، لكن لاعتبارات أخرى لا يعرفها ربما هذا الصغير، يضحك الكبار، عند سماع لومه، وأعتقد إن الكثير منهم يقولها في لحظة غضب وحبّ!

هذا التشخيص لا يخصّ "الموتى-لاعبين"، وعالم الرياضة والكرة، لكنه يخصّ كذلك عالم السياسة والنواب والوزراء والولاة والأميار وغيرهم ممّن يقبضون "الشكارة" ثم يُنشدون للمواطنين أغاني "يا سعد يا لطرش" فيها!

من الطبيعي أن لا يتناغم بين عامل بسيط يُحارب من أجل إدراجه في قائمة "المهن الشاقة"، وبين وزير متكاسل، ونائب متقاعس، أو وال متراخ أو مير متسكّع على أرصفة المشاريع الموؤودة، التي تسأل مرارا وتكرارا "بأيّ حقّ قـُتلت"، لتكون الإجابة دوما، بأن سوء التسيير والمبالاة وراء القصة !

أعتقد، وربما أكون مخطئنا، إن المشكلة ليست في الأجرة بذاتها، فالوزير والنائب والوالي والمير، والقاضي والأستاذ والصحفي والإطار، وغيرهم، يتقاضون أضعافا مضاعفة بالعديد من البلدان، العربية والغربية، مقارنة بما هو موجود ومتوفر حسب شبكة الأجور المتعامل والمعترف بها عندنا، لكن هل كلّ هؤلاء الموظفين "غير العاديين" يستحقون ما يتقاضونه آخر كلّ شهر؟

نعم، هناك البعض منهم يستحقّ أجرا مضروبا في عشرة وربما في مئة، عوض ما يقبضه حاليا، نتيجة القيمة المضافة والجهد الذي يبذله يوميا وينزعه نزعا من حياته وصحته وحقّ عائلته عليه، لكن بالمقابل، وأتمنى أن لا أظلم أحدا، أن هناك بعضا آخر لا يستحق عُشر ما يتقاضاه، نتيجة تسيّبه وإهماله ومراوغته وعدم كفاءته ولا انضباطه وسرقته للوقت!

قد تكون المشكلة، في المنظومة، وليست في طبيعة المهن والجُهد المبذول من طرف هؤلاء وأولئك، والإشكالية كذلك في توزيع "الثروة" على الموظفين والعمال، والعدل في الجزاء والعقاب، فهل يُعقل أن يتقاضى لاعب مغمور في نادي محلي أجرة لن يجمعها حتى الوزير أو النائب طيلة ما يكتنزه خلال مشواره المهني وإلى غاية إحالته على التقاعد؟

هل يُعقل أن يعاني المعلم والأستاذ الجامعي والصحفي والقاضي والمهندس والإطار في مختلف الهيئات والمؤسسات، وغيرهم من الكوادر ونخبة المجتمع، من أزمة سكن وغلاء الأسعار، وينشغلون بمطاردة مشاكل الكهرباء والغاز والماء والاستشفاء والتمدرس، وإذا كان هؤلاء يعانون هكذا، ما هو محلّ الزوالية من الإعراب؟.. مآسي الغلابى اللامتناهية هي التي تدفعهم إلى مخاطبة نخبتهم ولو في لحظة استياء: "دبرو راسكم راكم خالصين عليها"!

  • print