الأكاديمية "فريدة بعيرة" تستحضر قيم "نفيسة" ونجمة":

"بن هدوقة -ياسين": جمال الزئبقية

date 2016/11/15 views 766 comments 0
author-picture

icon-writer كامل الشيرازي

صحافي بموقع الشروق أونلاين

عاد بحث أكاديمي حديث، الثلاثاء، ليستكشف لوحتين ساحرتين في المُنجز الأدبي الجزائري، ويتعلق الأمر بـ "ريح الجنوب" و"نجمة" للأديبين الخالدين "عبد الحميد بن هدوقة" (9 جانفي 1925 – 21 أكتوبر 1996) و"كاتب ياسين" (2 أوت 1929 – 28 أكتوبر 1989)، وعبر حراك إبداعي استكشافي، توغلت الأستاذة "فريدة بعيرة" بسلاسة إلى رباعية الأرض والمرأة والثورة والحرية، واستحضرت صراع الانتماء والهوية في منظومتي فارسين هامين تماهيا في حب الجزائر.

برسم مداخلتها "جماليات تماهي المرأة مع ثيمتي الأرض والحريّة في روايات الروّاد، عبد الحميد بن هدوقة وكاتب ياسين أنموذجاً" في ملتقى "الرواية بين التجريب والنقد" المُقام ببرج بوعريريج، حرصت "بعيرة" المتخصصة في النقد المعاصر وقضايا تحليل الخطاب بجامعة باتنة "1"، على إبراز جماليات تماهي الشخصيّة المحورية المتمثلة في "المرأة" عبر روايتي "ريح الجنوب" و"نجمة" اللتين تمثلان تسجيلاً سرديّاً واقعيّاً لذاكرة الجزائر، وعمدت الباحثة إلى الحفر في التخوم على درب استكشاف المسكوت عنه، وفك الشفرة الرمزيّة التي لفّت شخصيتي "نفيسة" و"نجمة" بطبيعتهما الزئبقية، عبر مقاربة سيميو-تأويلية لإبراز علاقتهما بالأرض والحرية، واستخلاص عمق انتمائهما وتشرّبهما سائر ينابيع الحرية.
وبالاتكاء على خلفية التكثيف الرمزي ومعادلة حضور وتقاطعات المرأة، نوّهت "بعيرة" أنّ "ريح الجنوب" الصادرة سنة 1971، أثارت ردود فعل نقدية متنوعة؛ لا لأنها الرواية الأولى التي أعلنت البداية الحقيقية القوية للرواية الجزائرية باللغة العربية فحسب؛ بل لأنها شرّحت قضايا تتصل بالأرض والمرأة/ بالثورة والحرية، وبنضال الأفراد من أجل مستقبل تلفه الحرية من كل جانب.
وفي مقابل إشارتها إلى استهلاك الرواية لخمس طبعات نظرا لتلهف القراء وتهافتهم عليها، وترجمة هذا العمل الشائق إلى الفرنسية، الاسبانية، الانجليزية والألمانية، البولونية والسلافية، الصربية والصينية، وإخراجها سينمائيا عام 1975 بتوقيع "سليم رياض" (نال السعفة الذهبية لمهرجان كان)، ذكرت الأستاذة بجامعة باتنة إلى أنّ "ريح الجنوب" تندرج ضمن المذهب الواقعي، وقام عرّابها في الظاهر برصد مأساة ومعاناة أسرة ريفية جراء انعدام أبسط شروط الحياة الكريمة في أواخر ستينات القرن الماضي، لكنّه في حقيقة الأمر عالج ببعد رمزي تاريخي قضية المرأة والأرض وربطهما بجدلية الثورة والحرية؛ ولفتت "بعيرة" إلى صاحب "الجازية والدراويش" للصدق الفني، ما قاد العملية الإبداعية لـ "بن هدوقة" نحو الطريق الصحيح.
وتضمنت "ريح الجنوب" تصويرا دقيقا بعيدا عن التقريرية الجافة لنمط الإقطاع بكل تفاصيله، وانطوت الرواية على عدة تشكيلات للاستعمار النفسي، والعقائدي الذي طبع المجتمع الجزائري عموما والريفي خصوصا بُعيْدَ الاستقلال، عبر مكابدات "نفيسة" الطالبة بالعاصمة والسجينة في بيت والدها "عابد بن القاضي" والمشطورة بين أوتار إقطاعية براغماتية تقع فيها الحرية أسيرة للرجعية على منوال المرارة التي طالت شقيقتها الراحلة "زليخة"، وتحتدم الأحداث سراعا إلى أن تفرز نهاية دموية محبطة.

الجزائر ليست كما يتوهمون
لفتت "بعيرة" إلى أنّ رواية "نجمة" الصادرة عام 1956، تعتبر أهمّ رواية لـ "كاتب ياسين"، وهي من أبرز الأعمال الجزائرية المكتوبة بالفرنسية، خصوصا مع تموقعها البديع كملتقى لفنون المسرح والرواية والقصة وشعرية السرد، ما جعلها بحق الرواية الجزائرية المؤسسة لما عُرف بـ "الرواية الجديدة" التي بزغت مطلع الخمسينيات.
ولخّص "ياسين" مغزى "نجمة" بقوله: "لم أكن أريد وأنا أكتب الرواية أن أحكي قصة هذا الحب، وإنّما كنت أريد أن أقول كل شيء عن الجزائر وأن أعطي عنها صورة فيبرز ذلك في صورة امرأة"، وإذا كانت رائعة "ياسين" عانت من قصور "الهالة الفرنسية"، فإنّ ترجمتها على يد الأديب "سعيد بوطاجين" منحها روحا جزائرية عبقة مدعماً بذلك فكرة "ياسين" الذي أسرّ لمجايليه: "لم تكن كتابة نجمة سهلة أبداً، أرّقتني طويلا قبل أن تصبح أثراً ناجزاً، كنت أمام اختيار صعب، كيف أضع الجزائر في كتاب. الجزائر القوية والحيّة الثورة الحالمة الجزائر التي كان الآخرون لا يعرفون عنها شيئاً سوى الاستقلال وسفك دماء شبابها. كان عليّ أن أُقنع الفرنسيين بأنّ الجزائر نجمة وليس كما يتوهمون".
وركّزت "بعيرة" على أنّ كثيرا من "التفلّت" غلّف "نجمة"، بيد أنّ المغزى الحقيقي هو "تفلّت" الجزائر هذا الوطن النجمة الذي يرفض القيود وأصفاد الاستعمار بشتى صنوفه، ولعلّ ذلك يحيل على عمق "ياسين": "كنت أكتب نجمة لأحيا انتفاضة ثوار وطني"، مسجّلة أنّ الاقتراب من معاني "ياسين" يفرض امتلاك ثقافة موسعة تسمح بتجاوز سطحية القصة الرومانسية الشعرية، للخوض في المسكوت عنه من دلالات وإيحاءات واقع الجزائر الضبابي وقتئذ، والذي قاد الأنا الفردية وبالتالي الجمعيّة لمصير مجهول غير واضح المعالم وتجلى ذلك من خلال ما تشتمله سلوكيات بعض شخصيات الرواية من انحراف في السلوكيات العامة وما ميّز المجتمع من ضبابية تتنافى والقيم الدينية والوطنيّة للمجتمع الجزائري.
وخلصت الباحثة: "نجمة تمثل تشخيصا فعليا وحقيقيا لواقع تاريخي واجتماعي كائن في انتظار ما ستسفر عنه جهود الفرد والمجتمع الجزائري على حدّ سواء للملمة هويّة ضائعة من خلال الصراع الحاد بين الأنا "الوطن الجزائر" والآخر "المستعمر الفرنسي الغاشم"، أي أنّ هذه الرواية تمثل بحق "بحث نوعي في تاريخ هويّة مأزومة فقدت ما كان عندها ولم تعثر على ما تريد الحصول عليه"، على حد تعبير "بعيرة".

 

عنونة حقيقية
ذهبت الدراسة إلى أنّ "ياسين" أعطى لروايته عنواناًّ حقيقياً مثل بطاقة هويّة وبوظيفة ميتا-لغويّة، فنجمة مثّلت قضية الوطن والهويّة المتفلتة من القيود، وهو ما بدا جلياً في اختفاء أصل البطلة "نجمة" وأصول الشخصيات الأربعة المتنافسة على حبّها، وهذا الاختفاء تماهى مع اختفاء النجوم في السماء المكدّرة بـ "غيوم الاستعمار".
وفي حالة "بن هدوقة"، لفتت "بعيرة" إلى كون "نفيسة" تمثل أهم شخصية في رواية "ريح الجنوب" فهي الحلقة المحورية للأحداث، وتشغل أكبر وأهم مساقط الضوء في النص الروائي كله، وهي الشخصية المركبة الوحيدة، من حيث كونها الفتاة المثقفة التي وقفت في وجه والدها وما اختاره لها، فجعلها الروائي تستقطب شتى مظاهر الوعي الروائي السائد في القرية، بل تعدى ذلك عبر توظيفها كـ "رمز فني للجزائر المتحررة" كما أراد لها الروائي أن تكون لا كما تريدها سلطة المال، والسياسة أن تكون، مثلها مثل "نجمة" في رواية كاتب ياسين "نجمة".
ونقلت صاحبة الدراسة على لسان الدكتور "عثمان بدري" اعتباره "نفيسة" النواة التي بنيت عليها شخصية الجازية الرمز في رواية (الجازية والدراويش)، مستطردة: "أسماء الشخصيات عند عبد الحميد بن هدوقة أو غيره غالبا ما تأتي مدركات ودلالات مكانية، فاسم "نفيسة" يحمل دلالة مكانية مرئية، لأنّ كلمة النفيس تطلق عادة على الأشياء المادية الحسية ذات القيمة الثمينة، والمظهر الجميل، كالمجوهرات وأنواع الحلي وغيرها".
وأفيد أنّ "نفيسة" مدرك مكاني في جوهر "ريح الجنوب"، حيث تراها جميع شخصيات الرواية كذلك، باستثناء والدها الذي يراها حلا لأزمته مع الثورة الزراعية، كما سبق له وأن ضحى بابنته "زليخة" للهدف نفسه.
وتضمن نص "بن هدوقة" قول العجوز رحمة: "آه لو أستطيع أن أصنع أنية واحدة توحي لناظرها بما توحي به هذه الفتاة!...لكنت إذن أسعد امرأة.. !"، مما يحيلنا إلى أن المغزى الحقيقي من هذه التسمية ليست "نفيسة" كفتاة جزائرية متحررة بل هي "الجزائر" الجميلة الفاتنة التي ضحى أبناؤها من أجلها بالغالي والنفيس.

تحرّر وسمو
قدّرت "بعيرة" أنّ الأهم هو تمكّن "نفيسة" من تحرير نفسها وتحرّر "رابح" الراعي والقرية كلها من سلطة وغطرسة والدها الإقطاعي الانتهازي "عابد بن القاضي" ولو بقدر بسيط بوقوفها في وجهه، فهي بإبائها، استحقت اسم "نفيسة"، بكل جدارة، وبكل ما تحمله كلمة "نفيسة" من معاني ودلالات ورمزية النفاسة وعلو القدر، على حد تعبير "بدري".
المؤدى ذاته تولّده "نجمة"، فهيّ تحمل دلالة مكانية ودلالية عميقة تتمثل في السمو والبعد الذي يجعل منها مطلباً صعب المنال، فهي المرأة المحروسة من الكاهنة وغيرها، وفي بعدها الرمزي، تشكّل "نجمة" الوطن المفدّى الذي يتفلت من قبضة كلّ من حاول الامساك بها وهذا ما عبّرت عنه "فريدة بعيرة": "الاستقلال المتحرر من كلّ القيود التي حاولت القوى الاستعمارية أن تصفّد بها الجزائر على مرّ العصور ومن شتى الحضارات".
وتستطرد: "نجمة تمثّل التمازج الكبير والتماهي بين الأنا والآخر الوطن والمستعمر، ويتجلى ذلك من خلال جعلها امرأة هجينة من أم فرنسية يهودية الأصول، وأب جزائري مجهول الأصول".
وانتهت الباحثة إلى تقاطع شخصيتي "نفيسة" و"نجمة" في معلم هام يتمثل في زئبقيتهما وتفلتهما من القيود، متماهيتان بذلك مع ثيمة الوطن المتحرر من كلّ القيود والقوى الاستعمارية، مستخلصة أنّ "ياسين" و"بن هدوقة" وفّقا في بلورة فكرة أدب الثورة الذي يوجب على الأدب والتاريخ التكامل من أجل إثبات الانتماء الحضاري والهويّة الوطنية المأزومة حينئذ.
وتمّ التأكيد على أنّ الروائيين بدلالاتهما المستترة وأبعادهما الرمزية، يستوقفان ذوي النظرات الثاقبة، وتبقى قراءتهما تحتمل المزيد من القراءات.

  • print