التقاعُد وتقلّص أعمار الجزائريين

date 2016/11/16 views 4155 comments 10

يبدو أنه لا مفرّ أمام الحكومة والنقابات المستقلة من تقديم تنازلاتٍ متبادلة للوصول إلى "تسوية" تُرضي الطرفين بشأن إلغاء صيغتي التقاعد المسبق والتقاعد النسبي من القانون الحالي، وبالتالي إنهاء التوتّر الذي يسود الجبهة العمالية منذ أشهر وينذر بالمزيد من التصعيد.

المطلوب أن تتخلّى الحكومة عن تصلّبها وإصرارها على تمرير مشروع تعديل قانون التقاعد باستغلال الأغلبية الجبهوية الموالية لها في البرلمان لتمريره رغما عن ملايين العمال، وأن تقدّم لهم تنازلاً "صغيراً" يتضمّن الإبقاء على التقاعد بعد استكمال 32 سنة عمل دون اشتراط السن، والاكتفاء بإلغاء التقاعد النسبي لمن بلغ الخمسين من العمر وعمل 20 سنة بالنسبة للرجال، و45 من العمر مع 15 سنة عمل بالنسبة للنساء. وبالمقابل، المطلوب من النقابات بدورها أن تتنازل عن التقاعد النسبي وتكتفي بالمطالبة بالإبقاء على التقاعد المسبق؛ فإصرارها على الإبقاء على جميع أشكال التقاعد الحالية لم يعُد واقعياً، ويجب أن تتحلى بقدرٍ من المرونة.. العامل الذي عمل 20 سنة، أو 15 سنة بالنسبة للنساء، قادرٌ على المزيد من العمل وليس كمن عمل 32 سنة كاملة. ويبدو من خلال تصريح كبير نقابيي الرويبة مسعودي مقداد بأنهم "يكافحون من أجل الإبقاء على حق التقاعد بعد 32 سنة عمل، على الأقل" أن النقابات مستعدّة للتنازل للحكومة عن التقاعد النسبي، وهذه الخطوة ينبغي أن تثمِّنها الحكومة وتقابلها بالإبقاء على التقاعد المسبّق، للوصول إلى حل وسط يُنهي الاحتقان الاجتماعي الحاصل.

ليس من المعقول أن تصرّ الحكومة على ضرورة بلوغ أي عامل سنّ الستين ليستفيد من 80 بالمائة من تقاعده، فهذا ظلمٌ للكثير من العمال الذين بدأوا حياتهم المهنية في سنّ مبكرة؛ فهناك عمال بدأوا العمل ودفعَ اشتراكاتهم في العشرين من أعمارهم، ومن الظلم أن نفرض عليهم إضافة 8 سنوات إلى حياتهم المهنية والعمل 40 سنة كاملة للاستفادة من حقهم في التقاعد، هذا استغلالٌ بشع لعرق العمال، ويجب أن تتحلى الحكومة بدورها بالمرونة وترفع هذا الإجحاف بحق الجزائريين، وتكتفي بمعيار 32 سنة عمل من دون اشتراط السنّ، فهو معيارٌ عادل. 

إذا كان هناك مسؤولون سامون يريدون الاستمرار في العمل حتى بعد سنّ الستين، فهذا شأنُهم، وهم يفعلون ذلك ليس حبا في العمل، بل لما يدرّه عليهم نفوذُ مناصبهم من امتيازات وريوع يغترفون منها، أما بقيّة العمال والموظفين فإن إرغامهم على الاستمرار في العمل بعد استكمال 32 سنة في أي مهنة هو إجحافٌ واستغلالٌ وقهر.  

إن العامل الذي يعمل 32 سنة، ليس له ما يقدّمه بعد هذه السن، فقد أستُنفِد تماماً ومن حقه أن يخلد إلى الراحة بقيّة حياته، لاسيما وأن هذه المدة الطويلة في أيّ عمل ستُنهكه بدنيا ونفسيا وتورّثه بعض الأمراض المزمنة التي قد تعجّل بموته، ولذلك نعتقد أن إلغاء التقاعد المسبق سيقلّص متوسط أعمار الجزائريين ببضعة أعوام.

  • print