"تحنيط" جبهة التحرير قبل "تجهيز" الأرندي

date 2016/11/16 views 3004 comments 6

لأول مرة منذ توليه رئاسة الحكومة يواجه السيد سلال معارضة صريحة من شركائه في الحكومة، قد لا تتوقف عند الانتقادات اللاذعة التي وجّهها إليه النائب صالح دخيلي من الأرندي في أول جلسة لمناقشة ميزانية 2017، وقد أعاب عليه "افتقاره لإستراتيجية ناجعة للخروج من الأزمة، وركونه للحلول الظرفية السهلة وللابتذال".

الهجوم لم يكن متوقعا من نواب التجمّع المنضبطين عادة بتعليمات الأمين العام السيد أويحيى، الذي هو شريك في موقع قيادي تنفيذي برئاسة الجمهورية صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في صناعة سياسة الحكومة. وربما لأجل ذلك حاول النائب التمييز بين "بُعد النظر" عند رئيس الجمهورية و"الارتجال" في قيادة الحكومة.

وفي المقابل، تابع الجميع التزام نواب جبهة التحرير بتعليمات ولد عباس بمساندة الحكومة، لخّصها نائب الرئيس بالمجلس السيد بهاء الدين طاليبا حين أشاد بـ"التزام الحكومة إلى جانب الفئات المحرومة"، فيما أكد نائب آخر من الجبهة "أن جبهة التحرير تساند جميع مشاريع الحكومة، لأن سلال مفوَّض من رئيس الجمهورية" في رد صريح على من حاول في التجمّع التمييز بين سياسة الرئيس وتدبير الحكومة.

في مكان ما يكون السيد أويحيى قد منح الضوء الأخضر لنواب حزبه بفتح النار على حكومة سلال داخل مؤسسة رسمية مثل البرلمان، بما يعني أن أويحيى يكون قد دخل في "معارضة" صريحة لحكومة تأخذ إلهامها وتوجيهاتها من الرئيس: المسئول الأول عن الجهاز التنفيذي بحكم الدستور، ويوحي أنه يمتلك رؤية أخرى للخروج من الأزمة غير التي أوحى بها الرئيس لحكومة سلال.

وما لم تكن هذه "الخرجة" مجرَّد "فلتة" من نائبٍ خرج عن قيود الانضباط، فإن السيد أويحيى يكون قد باشر حملة سابقة لأوانها للتميز عن جبهة التحرير قبيل التشريعيات، وربَّما يكون قد بدأ التحضير لما بعد التشريعيات وتشكيل الحكومة القادمة التي توكل إليها قيادة نهاية العهدة الرابعة وتعقيدات مرحلة البحث عن خليفة للرئيس، لا يراد له ـ في مكان ما ـ أن يكون بعيدا عن تطلعات المجتمع المستفيد الذي يمثله التجمع الوطني الديمقراطي.

الخطوة إن تأكدت لها عوائد وتبعات في نظام ليس من تقاليده إدارة الصراع بوجه سافر داخل مؤسسات الحكم، كما لم يسمح منذ بداية التعددية بتفويض الأحزاب لتدبير شؤون اقتسام السلطة أو التأثير في خيارات الرئيس بالحكومة، إلا إذا كان أويحيى قد حصل على ضوء أخضر من صناع القرار للدخول المبكر في معركة التسويق الذاتي تبدأ بانتزاع الريادة من جبهة التحرير في البرلمان القادم، والانفتاح على طائفة من المعارضة قد تشرَك لاحقا في تحالف رئاسي جديد لا يكون لجبهة التحرير فيه نصيبٌ بالضرورة.

قبل هذا الهجوم المركز على حكومة سلال، كان قرار إبعاد سعيداني من أمانة جبهة التحرير وتزكية رجل مسنٍّ بلا طموحات لخلافته يوحي  ببداية تحنيط الجبهة وقيام مسار جديد قد ينتهي بإضعافها وحملها على القبول بفقدان الريادة في البرلمان القادم، وربما القبول بعهد جديد تكون فيه جبهة التحرير مجرد وصيف لحزبٍ قد تشكل منذ البداية لتمثيل الصفوة من مكوِّنات الدولة العميقة وتحالفها مع أرباب المال والأعمال.

  • print