هذا الفراغ الروحي الذي نخشاه...

date 2016/11/17 views 2061 comments 36

المشكلة اليوم أصبحت تتعدى الأزمة الفكرية والقيمية والأخلاقية إلى الفراغ الروحي، والعالم يحارب الدين الإسلامي تحت غطاء مكافحة الإرهاب والتطرف، والحضارة الغربية لا تتوقف عن ترسيخ حب المادة والمال والثروة وجميع الأنانيات الفردية إلى حد النرجسية، نكاد نجد أنفسنا اليوم في مَهَب الريح، بين تَخَبُطٍّ لا متناهي في مجال أي تربية لأبنائنا، ورؤية تكاد تكون معدومة في مجال التربية الروحية، لولا جهود بعض الأفراد من علماء ومواطنين مازالوا إلى اليوم صامدين في وجه هذه الموجة الزاحفة التي عنوانها التحضر القاتل لكل قيمة روحية ومعنوية لدى الإنسان...

لقد وصل الأمر بالأمم الغربية التي نَعتقد أن ديمقراطيتها هي خَلاص لنا ولها، إلى حد الاعتراف بأنها لا تمتلك نظاما سياسيا فاضلا ومُتكاملا كما تُوهِمنا به، إنما نظاما خاضعا لسلطة المال بلا منازع، ألم يقل أحد الأمريكيين ذات يوم إن أحسن ديمقراطية يمكن شراؤها بالمال؟ أو لم تُبيِّن الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وفوز "دونالد ترامب" بها، أن ما نراه من واجهة  لنظام سياسي حر وعادل ليس سوى الشكل الظاهري الزاهي الألوان الذي يخفي أكثر ما يمكن أن يعرفه المال من فساد، حيث يمكن شراء كل شيء وبيع كل شيء بالمال والمال وحده.

أليس في هذا أكبر دليل على أن العالم "الديمقراطي" الذي هو الآن مَطمح شبابنا ومَضرب أمثال الكثير منا، إنما هو في حقيقته ضرب من الزيف المادي المخادع، الذي ما يلبث أن يكشف عن خواء روحي بلا حدود؟ وهل ندري بأننا نسير بهذا الاتجاه؟

لعلنا جميعا نَشعر بذلك أو نَستشعره على الأقل.. لقد بات جزء كبير منا يفتقد ذلك البعد الروحي الذي كثيرا ما ميَّزنا كأمة تنتمي لحضارة قائمة بالأساس على فكرة دينية هي فكرة الإيمان والتوحيد... بعد تلك الحقبة التي صحا فيها شعورنا الديني وبدأنا نعود إلى النهل من تراث السلف الصالح، وبات وكأننا نسير باتجاه إحياء أمجاد دولة المدينة من جديد، وعَمّتنا روح العودة إلى الذات في كل شيء، منتشين بعظيم الانتصار على أكبر قوة عسكرية كانت تحتلنا بقوة الحديد والنار... لم ندر كيف انتقلنا إلى النقيض من ذلك تماما... فجأة تَحولت صحوتنا إلى تطرف وتشدد، وتَحول تسامحنا إلى عنف ودماء ودموع، وتماهت مفردة الإسلام مع مفردة الإرهاب، حتى انزوى كل في مكانه خائفا مترقبا أن يكون قد لَمس شيئا من الإرهاب وهو يَمس بعض الشيء من الدين.

وكانت هذه أفضل حالة نفسية يتم دفع الناس بها نحو الابتعاد من الروح والاقتراب من المادة، وقد حدث ذلك... في فترة وجيزة بدأت القيم الروحية تبدو وكأنها بلا صدورٍ تَحملها أو أقلام تُدافع عنها أو أفواه تَصدح بها، وفَرَّ بعض من خاف أن تضيع منه إلى الأبد إلى زوايا بعينها، لعله يجد ضالته في سكينة وهدوء وبعيدا عن الناس، ودخل المجتمع في سبُات روحي لم يعرف مثيلا له طيلة قرون، وكادت الكلمات الروحية التي نَسمعها هنا وهناك لا تصل إلى أبعد من قشرة الأذهان والعقول والغلاف الخارجي للقلوب، وكأن الانسان الحقيقي قد مات فينا، ولم يَعُد ذلك خافيا على أحد، فقد تبدل سلوكنا وشعورنا وتغيرت حالتنا النفسية والذهنية وأصبحنا نعرف تبدلا في المزاج أصاب بالحيرة أكثر من أحد...

كيف نُصبح بين عشية وضحاها أنانيين لا نؤمن بقيم التضحية والفداء، وقد ضحى آباؤنا بأرواحهم الطاهرة من أجل أن نعيش أحرارا في هذا البلد؟ كيف نتحول في سنوات قليلة من ذلك الانسان الحر الطليق عزيز النفس الذي يحتقر المادة والمال إلى عَبَدَةٍ لهما بدون وازع ولا ضمير؟ كيف بنا نَصِل إلى مثل هذه الحال التي أصبح من بيننا مَن يصدح ويقول، يمكنني أن أشتري كل شيء بالمال والجاه والمادة: مواقفكم، أصواتكم، بلدكم، بل وكل ما تعتقدون أنكم لن تبيعوه أبدا؟ أليس في هذا تَطاول على كل ذلك التاريخ الحضاري الذي صَنَعْناه، وعلى كل تلك القيم السامية التي حَكَمتنا لقرون خَلَتْ؟

ومَن استطاع أن يفعل بنا ذلك؟ وهل ينبغي أن نُبقيه يفعل؟ وما العمل؟

بالفعل، إن أخطر ما تَمكَّنَتْ منه سياسات نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن هو تغيير روح الفرد منا، ونقله من حالة التطلع إلى بلوغ ذلك المستوى المتسامي من النقاء إلى النزول به إلى وحل الفساد في أكثر المستنقعات تلوثا... وهي أخطر حالة يُمكِن أن تجعلنا نخشى المستقبل، وأهم حالة استعجالية ينبغي أن تُعَالج.

لذلك فإننا نقول إذا ما كانت لدينا مشكلة في التربية بشكل عام، حيث ذلك النقاش حول البرامج والوسائل اليوم، فالمشكلة الأخطر هي في التربية الروحية، في كيفية إعادة القيم السامية إلى المجتمع، في فك الارتباط الخاطئ الذي أوقعتنا فيه آلة الإعلام الغربية الضخمة من خلال الخلط بين الإرهاب والتطرف، والدين والإسلام والتربية الروحية للإنسان.

لقد تمكنت بالفعل هذه الآلة الإعلامية الضخمة من الوصول إلى أعماق عقولنا ومن محاولة صوغها بالشكل الذي تريد، حتى أصبح الفرار مِن أرض الوطن قيمة عليا، والتعلق بحضارة الأمم الأخرى غاية لا تُدرَك... ودَبَّ بداخلنا ذلك الشك الرهيب في إمكانية العودة إلى الذات، وسادت قيم الأنانية والنرجسية والفردانية وذلك الجو العام من التيهان الشامل لدى فئات واسعة منا، حتى كدنا نفقد البوصلة ولا نَعرِف إلى أي اتجاه نحن نسير، ناهيك على أن تكون لدينا رؤية مشتركة، أو يكون لدينا هدف واحد نعمل لأجله أو عمل جماعي نؤمن به وتكون غايته الصالح العام...

لقد حدث تبدل عميق في كل هذا، ومازال يحدث، إذا لم ننتبه لجبهة الصراع الروحي، بعد جبهة الصراع العقلي والفكري والأخلاقي، ذلك أنها آخر الجبهات التي ينبغي ألا تُحطَّم، إذ بعدها لن يبقى أي مجال لتماسك المجتمع أو لوجوده.

لذا فإنه إذا كان علينا أن نخشى انهيار إحدى الجبهات علينا أن نخشى انهيار هذه الجبهة الروحية، ذلك أن انهيارها سيكون آخر مِعْوَلٍ نُحطِّم به ما بقي قائما من الجبهات الأخرى.

صحيح إننا نرى التصدعات في الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، ولكنها جميعا تصدعات قابلة للترميم، مادامت الجبهة الروحية سليمة، أما إذا انهارت هذه الجبهة فلن ينفع مع انهيارها أي ترميم، إننا نخشى اليوم أن يَطالها الانهيار من خلال مدخل الصراع على قطاع التربية والتعليم، وقطاعي الشؤون الدينية والإعلام، ومن خلال غياب استراتيجية واضحة في ميدان التحكم في التكنولوجيات الجيدة للاتصال وبخاصة تلك التي تحمل معها قدرة هائلة على التأثير في الأنفس والعقول.

لقد وَلَّى زمن النظر إلى هذه الجبهة من زاوية الصراع الديني، أو الخوف من عودة التطرف أو الإرهاب، وعلينا أن ننظر لها كجبهة استراتيجية ليست فقط مُهدَّدَة في بلادنا إنما يعاني من تصدعها كل العالم، والغرب أكثر من الشرق، واللادينيون أكثر من المتدينين، وغير المسلمين أكثر من المسلمين...وإذا ما انهارت هذه الجبهة فكل شيء سينهار بعدها، أما المُتحكِّم فيها فيُمكِنُه أن يتحكم في باقي الجبهات...

  • print