"الشروق" تقضي يوما مع المهاجرين الأفارقة في الجزائر:

عمالٌ أفارقة يتعرّضون للإستغلال من طرف المقاولين

date 2016/11/17 views 25101 comments 27
  • نظام قبلي ولكل مجموعة زعيم يقودها
author-picture

icon-writer روبورتاج: إيمان بوخليف

بعد تخليهم عن بلدانهم الفقيرة وهجرهم لها خوفا من الحروب والنزاعات وهربا من الفقر والجحيم المعيش.. انطلقت رحلتهم إلى الجزائر أو "أرض الكرامة" كما يحلو للبعض الأفارقة الذين التقتهم "الشروق" في شوارع وطرقات العاصمة تسميتها، التي ضمنت لهم العيش الكريم وبدؤوا بالتوافد إليها، وما إن وصلوا حتى فُتحت لهم أبواب الرزق.. فحوّل البعض "أرض الكرامة " إلى مراكز عبور لتحقيق الحلم الأوربي والبعض الآخر إلى العمل والجد من أجل تحويل اللقمة إلى عائلاتهم الموجودة في بلدانهم الأصلية، فكانوا يأملون أن يجدوا حياة أفضل في الجزائر ولكن بعضهم صُدم، خصوصا بعد أن سجّل في حقهم العديد من التجاوزات من طرف مقاولين يمارسون عليهم أبشع أنواع الاستغلال.

"باتريك" شابٌّ في الـ25 من العمر من المنطقة الثامنة "كيدال" المالية التي تشهد معارك طاحنة بين قوات من تنسيقية الحركات الأزوادية ومسلحين من حركة غاتيا الموالية لحكومة مالي، سلك طريقا شاقا ورحلة على الأقدام دامت لثلاثة أيام متتالية في طرق صخرية ومنعرجات ضيقة غير ممهدة للوصول إلى أرض الكرامة والحرية، لعله يوفر لقمة العيش لإخوته الثمانية وأمه المريضة. "باتريك" ما إن عرفته على نفسي حتى راح يحدثني عن ظروفه المعيشية هنا وهناك وعن الحلم البعيد وعن الجزائر.

أثناء وصولنا إلى المكان الذي يقيمون فيه لاحظنا أنهم يعيشون بالنظام القبلي الذي يُحتاج فيه إلى رئيس يفوضونه من طرفهم ليرعى شؤونهم ويفرض النظام فيما بينهم. أثناء وصولنا تركَنا باتريك بعيدين عن المكان فأخذ ترخيصا من عند "رئيسهم" وبعد 10 دقائق رجع وقال باللغة الفرنسية الممزوجة بالعربية: "تعالوا تفضلوا أنتم مرحب بكم هنا".. أثناء تجوالنا وجدنا منهم الرجل والوالد والطفل والعامل والعاطل والهارب من جنون الحروب أو طيش الرصاص، ولكل إفريقي حكاية...

يقيم "باتريك" منذ شهور رفقة أكثر من 150 شخص بين بلديتي جسر قسنطينة وبئر خادم.. بيوتهم أكواخ ضيقة من الحجارة و"التارنيت" لا تتسع لأكثر من اثنين، وأكياس البلاستيك لا يزيد ارتفاع سقفها عن المتر، حياة أقلّ ما يقال عنها إنها مزرية وبدائية بلا خدمات أساسية، فهم يفتقرون حتى إلى المراحيض، وفي كل كوخ يقيم 5 أشخاص.. رائحة نتنة تعم أرجاء الأكواخ. سألتهم عن النظام المعمول به، فردوا: "هنا نطبّق الجمهورية وفي كل سنة نختار رئيسا لتنظيم أمورنا، وفي حالة الخصومة بين اثنين نلجأ إلى الرئيس من أجل حل المشكل نهائيا".

"أرض الكرامة" ولكن..

عرفنا "باتريك"، الذي تحول إلى مرشد لنا، إلى "محمد الكاميروني" و"دافيد" وكذا إلى عائلة "كرميبا" من مالي وآخرين ينهضون في الساعة الخامسة صباحا ويتوجهون إلى شارع الصفصافة ببلدية بئر خادم يصطفون لساعات وربما لدقائق لعلهم يحصلون على عمل يومي في مجال البناء أو في مجالات أخرى عديدة كالفلاحة.

واقعهم الذي اختاروه بإرادتهم لم يكن مفروشا بالورود، حيث وجدوا صعوبات أثناء طريقهم، وكذا في الجزائر، وفي مجال العمل على وجه الخصوص بعدما انتعشت سوق اليد العاملة السوداء التي تحولت إلى مصدر ربح لدى العديد من المقاولين والفلاحين دون الاضطرار إلى دفع الأضعاف للجزائريين العاملين عندهم، فهم يعتمدون على عضلاتهم المفتولة وتحمّلهم للعمل في جميع الظروف مهما كانت خطيرة ولا تراعي أدنى شروط الأمن والوقاية، فضلا عن قبولهم العمل من الفجر إلى المغرب ودون تحديد الحجم الساعي، ولكن كل هذا لم يشفع لهم أمام بعض الانتهازيين، حيث أكد لنا "دافيد" أنه تعرّض لكثير من الظلم من طرف بعض الجزائريين وقال: "يأتون إلينا هنا ويأخذوننا للعمل ولكن بعد ذلك يفرّون ويتركوننا دون أجر"، أما باتريك فقال: "عند مطالبتنا بأجرنا نتعرض للإهانة والسب وإلى الضرب أحيانا"، هذا ليس عدلا، نحن نعمل بعرقنا ولم نطلب صدقة من أحد".

وتدخل محمد الكاميروني وقال: "منذ أسبوعين جاء أحد الجزائريين المقاولين إلى الشارع الذي نصطف فيه وأخذني رفقة 3 للعمل في منطقة بئر توتة، وبعد ساعتين سقط أحد الماليين من الطابق الرابع فطلبنا من المقاول أخذه إلى المستشفي ولكنه رفض بحجة أنه غير مصرَّح به لدى الضمان الاجتماعي". وأضاف: "زميلنا توفي أمام أعيننا ولكن لم نستطع أن نعمل شيئا، ليس بيدنا حيلة"..

 وعند سؤالنا: "عند تعرضكم لمثل هذه التصرفات هل تبلّغون مصالح الأمن؟" فقال رب عائلة كرميبا: "من نخبر؟! نحن هنا دون أوراق وبطريقة غير شرعية، فلو بلَّغنا مصالح الأمن سنُرحَّل إلى بلداننا التي هربنا منها". وأكمل: "لنا ربّ سيؤجرنا على عملنا".

الجسد في الجزائر والعقل في أوروبا

تحدِّيهم للصعاب والمعاناة والمأساة في قالب من صبر لا ينفد، ليس هكذا فقط بل في سبيل النجاة من الجحيم والتطلع إلى حياة تحفظ لهم كرامتهم، فالوصول إلي العاصمة الجزائر يعتبر في مالي والتشاد ونيجيريا من المستحيلات السبعة ولا يصل إلا المحظوظ، طويل العمر، بعد رحلة عذاب عجزنا عن نقلها، ولكن هذا كله في سبيل الوصول إلى أوروبا، حلم كل إفريقي يعيش الصعاب، حيث أكد لنا أحد الماليين الذي التقيناه في الشراقة: "لم أختر الجزائر عبثا، وقد خططت للوصول إلى هنا لمدة تفوق 7 أشهر، وأنا هنا الآن جسدا فقط والعقل في أوروبا".

باتريك كان قد حدثنا عن بعض الأفارقة فقال: "البعض اختار الجزائر من أجل العبور إلى الجهة الأخرى لضمان العيش الكريم"، أما البعض الآخر فتحولت الجزائر بالنسبة إليه إلى مصدر لجني الأموال وتحويلها إلى بلدانهم وطرف ثالث اختار الجزائر للتهرّب من السؤال: "من أين لك هذا"؟ أما البعض فاختاروا الجزائر لامتهان السحر والشعوذة والعمل في بيوت الدعارة، ويعتبر أخطرهم وهم الممنوعون من الاحتكاك بالأفارقة الآخرين الذين جاؤوا من أجل العمل.

  • print