أقدم متحف "بشري" في العالم بجامعة الجزائر

أشلاء بشرية في متحف الرعب!

date 2016/11/17 views 17337 comments 24
  • رؤوس مقطوعة.. أجنة تم جلبها من المزابل وجثث لضحايا الحروب
  • تأسس سنة 1800 في قلب العاصمة زاره ملوك العالم ومواطنون يخافون دخوله
author-picture

icon-writer روبورتاج: حكيمة حاج علي

صحافية بقسم المجتمع بجريدة الشروق اليومي

هو واحد من أقدم المتاحف البشرية في العالم، تأسس سنة 1800 في قلب العاصمة، ليكون شاهدا على ضحايا الحروب والغرقى والمفقودين والأجنة التي تم التخلص منها في المزابل. يضم أشلاء وأعضاء الجزائريين عبر التاريخ وإلى غاية السبعينيات، رؤوس مقطوعة، أياد مبتورة، أعضاء حقيقية على غرار الكبد، الكلى، القلب، الشرايين، الأعضاء التناسلية، أرجل مكسوة باللحم، أجنة مشوهة، جثث محنطة.. كلها كانت حاضرة في المتحف البشري بالجامعة المركزية بن يوسف بن خدة. "الشروق" زارته وعادت بحقائق مثيرة حول هذا المتحف الذي زاره ملوك العالم، غير أن الكثير من المواطنين يجهلون وجوده، منهم أطباء ومسؤولون..

رافقتنا في جولتنا المرعبة إلى متحف الأعضاء البشرية الأستاذة دليلة عبدون، المكلفة بالإعلام والعلاقات الخارجية على مستوى جامعة الجزائر 1. وقبل وصولنا إليه، مررنا بالحديقة التي قالت إنها شاهدة على تاريخ الجزائر، وهي التي صورت فيها مشاهد من الفيلم العالمي الشهير "طارزان".

وصلنا إلى المتحف. وعند دخولنا، كانت رائحة قوية تنبعث من المكان، وهي رائحة مادة الفورمون والطلاء، الذي يستعمل للحفاظ على الأعضاء والهياكل البشرية، حسب ما أخبرتنا به الدكتورة بودين ليلى، المختصة في التشريح البشري.

المتحف الأول إفريقيا شهد تعاقب أجيال عليه

عند حديثنا إلى البروفيسور بودين، منحتنا لمحة عن تاريخ المتحف وتعاقب أجيال عليه، حيث قالت إنه تم إنشاؤه عام 1800 من طرف مجموعة من الاساتذة الفرنسيين المختصين في علم التشريح، حيث تعاقب عليه كل من "ترولير" وآخرون من عام 1800 إلى عام 1910، "فيبار" من 1910 إلى 1917، "لوبلون" 1917 إلى 1940، "دوريبي" من 1940 إلى غاية 1962.

وبعد الاستقلال حكمه الجزائريون، أولهم سليمان شيتوخ، الجراح في التشريح منذ 1962 إلى 1988 وبعدها علاوة لحتيحت منذ 1982 إلى 1994 وأخيرا الجراح صالح حمودي منذ 1994 إلى يومنا هذا، وهو مختص في جراحة الفك والوجه والتشريح العادي للإنسان.

وأكدت محدثتنا أن هذا المتحف يعد الأول إفريقيا والأحسن على مستوى المتحف في العالم، حيث إن كل من زاره من البلدان الغربية اعترف بأنه أهم متحف بشري على مستوى العالم.

هياكل بشرية لضحايا الحروب وأعضاء عمرها ثلاثة قرون

ونحن نتجول في أرجاء المتحف الذي أدهشتنا طريقة تنظيم الهياكل البشرية والأعضاء فيه، وتسجيل بعض المعلومات عليها، على غرار سن الجثة وجنسها، حيث كانت متنوعة بين أطفال ونساء ورجال، قالت البروفيسور إنها تعود كلها إلى فترة الحروب، وإنها تحمل جنسيات مختلفة بين جزائريين وفرنسيين وجنسيات أخرى سقطوا في فترة الحرب.

وكشفت المتحدثة أن الكثير من الأعضاء الموجودة عمرها يتجاوز ثلاثة قرون حيث تعود إلى عام 1800، وبعضها محنط، حيث أشارت إلى مومياء لسيدة مازالت رأسها تحتوي على الشعر.

أعضاء تغلي في الماء والفورمون للحفاظ على أخرى

ونحن نتنقل بين أرجاء المتحف الذي يتكون من قاعة الدرس التطبيقي لطلبة الطب والصيدلة وجراحة الأسنان، مدرج، قاعة تحتوي على الهياكل البشرية والعظام والشرايين، قاعة للأعضاء البشرية، والأجنة المشوهة، لاحظنا أن اللحم يبدو وكأنه قطع للتو وليس منذ قرون وسنوات، فأخبرتنا البروفيسور بأنهم يستخدمون مادة الفورمون، وهي مادة سائلة تخلط مع الماء تحافظ على طبيعة الأعضاء من التحلل. أما بالنسبة إلى العظام، فقالت إنهم للحصول عليها وحدها يتم تغلية العضو في الماء والتخلص من اللحم ثم الاحتفاظ بالعظم وحده مع الحفاظ عليه باستعمال طلاء خاص من ثلاثة إلى ستة أشهر، وهو نفس الشيء بالنسبة إلى الأعضاء المحفوظة داخل العلب التي تحتوي على مادة الفورمون، حيث تجف هذه الأخيرة في مدة 6 أشهر ويتم إضافة المادة إليها دوريا.

رؤوس مقطوعة، أجزاء من الكبد، وأجنة مشوهة

ونحن نتجول في المتحف أثار انتباهنا مكتبة تحمل عدة أجنة بعضها متصل بالحبل السري، توائم وأجنة مشوهة، قالت البروفيسور بودين إنها تعود إلى أجنة وجدت في المزابل وبعضها لأجنة مشوهة وأخرى نتيجة عمليات إجهاض، إلا أنها منعتنا من التصوير وقد كتبت لافتة "تصوير الأجنة ممنوع".

وفي الجهة الموازية، مكتبتان كبيرتان تحتويان على كل الأعضاء البشرية، الكبد، الرئتين، الكليتين، أياد وأرجل مبتورة ورأس إنسان قطع جزء منها للأذن اليسرى، كلها أعضاء بشرية تبدو وكأنها قطعت للتو.

أما في الرواق فقد احتوت إحدى المكتبات على مجموعة من الشرايين التي بدت وكأنها نباتات بحرية كما اعتقدته للوهلة الأولى لولا أن المختصة تدخلت لتشرح لنا طبيعة هذه الشرايين التي تعود إلى مجموعة من الأعضاء المتحللة على غرار الكبد والرئتين والكليتين وغيرها من الأعضاء.

مدرج عمره ثلاثو قرون وآلة لقطع الجثث لم تعد تعمل

قمنا بالتجول في المدرج الذي يقوم فيه المختص بوضع الجثة في الطاولة وتشريحها أمام الطلاب، وألهمتنا طريقة تشييده، حيث كانت بشكل دائري وبتدرج جميل، كما كان الحطب يلمع وكأنه وضع بالأمس بالرغم من أنه يعود إلى عام 1800.

أما في آخر الرواق، فتوجد غرفة القطع التي تحتوي على ماكينة خاصة لقطع الأعضاء لكل جثة، توقفت بعد الاستقلال بسبب أن الجامعة أو المتحف لم يعد يتلقى جثثا، بالرغم من أنهم حسب ما صرحت لنا به المختصة راسلوا جميع الوزارات المعنية وتحصلوا على الموافقة إلا أنها بقيت مجرد حبر على ورق ولا تزال لم تتجسد إلى حد الآن، بالرغم من أن المتحف كان يتلقى لسنوات قليلة بعد الاستقلال جثثا مجهولة الهوية ظلت في مصلحة حفظ الجثث فترة تجاوزت ستة أشهر، حيث يسمح لهم بالاستفادة من أعضائها للدرس التطبيقي بعد أن بقيت هنالك ولم يظهر ذووها، ليتم الاحتفاظ بها في مصلحة حفظ الجثث الخاصة بالجامعة ويتم نقلها إلى الغرفة الخاصة بالقطع عن طريق المصعد الخاص الذي يصل إلى الغرفة مباشرة، وبعد قطع الأعضاء التي يحتاجونها يتم وضعها في المصلحة مع دفن الأعضاء الأخرى.

إغماءات لبعض الطلبة وطالب يتعرف على جثة ابن عمه

في الوقت الذي كانت فيه الجثث تقطع بعد الاستقلال كان عمي السعيد زمور هو المتحكم في الآلة الخاصة بالقطع والشاهد على الأحداث، حسب ما حدثنا به العون المختص في الحفاظ على الأعضاء، غروستالة محمد، وهو ابن عمي الطاهر، الذي كان يعمل هو الآخر هنا، حيث روى لهم أن بعض الطلبة يغمى عليهم أثناء مشاهدة الرؤوس المقطعة. في حين أشارت المختصة بودين ليلى إلى أن بعضهم لا يزال إلى حد الآن يصاب بالدوار وهو يشاهد هذه الأعضاء بالرغم من مرور سنوات على قطعها.

أما في حادثة أخرى وقعت رواها عمي السعيد- رحمه الله- على لسان محمد غروستالة، فإنه أثناء تشريح إحدى الجثث تعرف طالب عليها وكانت لابن عمه الذي اختفى منذ أكثر من ستة أشهر، وبالرغم من أن الوقت قانوني للاستفادة من الجثة، إلا أنهم اضطروا إلى إعادتها إلى المصلحة، مراعاة لمشاعر الطالب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها. ومنذ ذلك الحين، صار المخبر يتفادى إحضار الجثة بالرأس بل تقدم للطلبة دون رأس حتى لا تحدث مثل هذه الصدف.

جهاز رقمي لدراسة الأعضاء البشرية بعد توقف إحضارها حقيقية

لتعويض قرار وقف جلب الجثث يستعين المخبر حاليا بتقنية ثلاثية الأبعاد عبر الجهاز الرقمي، حيث يتم التقاط صورة للجثة ووضعها في السكانير وتكوين العضو بهذه التقنية لتدريس الطلبة وتلقيهم الدرس التطبيقي في ظل عدم تمكنهم من دراسته مباشرة على الطاولة مع أعضاء حقيقية جديدة.

  • print