العودة الآمنة إلى "عام الجماعة"

date 2016/11/19 views 8199 comments 7

وصول اليميني المتطرف دونالد ترومب إلى البيت الأبيض، وتوقع وصول أقصى اليمين إلى السلطة في أكثر من دولة أوروبية مطلع العام القادم، لا يعني للمسلمين سوى انتقال بوصلة العدوانية الغربية التقليدية للمسلمين من الأوطان الإسلامية إلى استهداف الجاليات المُسلمة المقيمة في الغرب، وقد باتت عندهم محض خلايا نائمة لـ"القاعدة" و"داعش".

هذا التوجُّه العامّ في الغرب هو برهانٌ آخر عن سقوط أسطورة "نهاية التاريخ" التي سوَّقت طيلة عقدين لحتمية خضوع شعوب العالم للنموذج الغربي، ولمرجعيته الثقافية والأخلاقية، فكان السقوط الأول مع نجاح النموذج الشمولي الصيني في انتزاع الريادة الاقتصادية رافقه انبعاثُ الدب الروسي مثل طائر العنقاء من كومة الرماد، وأخيرا انهيار مشروع زرع الديمقراطية الغربية في العالمين العربي والإسلامي بالقوة.

الكمّ الهائل من التناقضات التي جمعها خطاب الرئيس الأمريكي الجديد كان متساوقا مع اصطدام منظومة العولمة بضرورة التعامل بقدر من البراغماتية مع الخصوصيات القومية الثقافية والاجتماعية غير القابلة للذوبان، حتى حين نجحت العولمة في تحويل العالم إلى قريةٍ صغيرة بلا حدود، وحتى حين نجحت القوى الغاشمة في هدم الدول وتهميش النُّخب والثقافات التقليدية، كما حصل في العراق وأفغانستان، بل فشلت فشلا ذريعا في تفكيك وإدماج ثقافات الوافدين عليها من الجاليات المسلمة.

وأخيرا كان لبروز نموذج "داعش" كبديلٍ للنخب التقليدية الأهلية ـ حين تُفكك الدول ـ الدور الأبرز في بداية نقل إدارة العولمة من قطبٍ أمريكي متفرِّد، إلى مجموعة أقطاب من الغرب والشرق تتفق على الأقل عند الشراكة في استئصال ظاهرة "داعش" وما يوصف بالتطرُّف الأصولي، بتمديد الحروب المحلية في المشرق العربي الإسلامي.

وبدل البحث في ما ينبغي لشعوبنا ودولنا أن تتوقعه من وصول اليمين الفاشي إلى السلطة في المركز، يحسن بنا البحث في الفرص التي تتيحها هذه الفترة الانتقالية (من 5 إلى 10 سنوات قادمة) قبل أن يتشكل هذا العالم متعدِّد الأقطاب، بنُخب شمولية في الشرق (الصين وروسيا) وفاشية في الغرب (أمريكا وأوروبا) ينبغي أن نتوقع منها عداءً أعظم، وهمجية أكبر، لنا منها نماذج مصغَّرة في ما يجري في الموصل وحلب من إبادة جماعية على المباشر.

الخيارات ليست كثيرة، وقد لا تستهوي لا النخبَ الحاكمة ولا الشعوب، وقد رفضت من قبل البحث في بناء توافقات مرحلية، وهدنة أهلية طويلة الأمد، توقف التهارش الأحمق على السلطة، وتبحث عن صيغ توافقية كنت قد ذكرت ـ قبل اندلاع أحداث الربيع العربي ـ بنموذجها الأفضل في ما تحقق للمسلمين في "عام الجماعة" وقد رضي فيه المسلمون بالتضحية بالخلافة الراشدة، وفتح الباب أمام المُلك العضوض درءا للفتنة وحقنا لدماء المسلمين.

وأول خطوة نحو تجسيد هذا الخيار، الذي قد يعيد لنا السِّلم الداخلي، ويمنحنا فرصة لإعادة بناء الدول، أن نتخلص من وهم استعادة الحكم الراشد بأدوات النموذج الغربي للديمقراطية، الذي لم يحصِّن الألمان من قيام نظام فاشي عبر صناديق الاقتراع، كما لم يمنع اليوم وصول فاشيين مثل ترامب ونظرائه من الفاشيين الأوروبيين، ورأيناه يفشل منذ ربع قرن في بناء الدولة، وتحقيق الرفاهية أيا كانت القوى التي تصل إلى السلطة عبر هذا المسار المزوّر.  

  • print