أحييني اليوم واقتلني غدوا!

date 2016/11/21 views 2929 comments 10

الحفرة التي أثارت الهلع وسط مستعملي الطرقات "المغشوشة"، تحوّلت إلى مشجب للسخرية، والحقيقة أن هذا الحادث لا يختلف في شكله ومضمونه، عن عشرات ومئات الحوادث المشابهة عبر الكثير من البلديات والولايات والمداشر والربوات المنسية، لكنها لم تصنع "الحدث"، إمّا بسبب "التعتيم الإعلامي"، أو لأنها تعذب الناس بعيدا عن العاصمة، أو أنها بالفعل لا تستحق كل هذه الرعاية والتهويل والعواجل!

من الطبيعي أن تتحوّل الحفرة إلى حدث، وإلى خبر عاجل، يتهافت عليه الصحفيون، ويسمّر الرأي العام أنظاره ومسامعه نحوه، فهو دون شك منغص مباشر يقلب المواجع على مواطنين "كرهوا" من تغطية الشمس بالغربال، وسئموا مسلسل "البريكولاج"، فكانت حفرة الطريق السريع الدار البيضاء- زرالدة، وبالضبط عن "آس" بن عكنون، حدثا كبيرا هزم الزلزال والهزات الارتدادية العنيفة التي ضربت بسكرة!

للحفرة عند المواطن البسيط، أهمية قصوى، فهي التي قطعت عليه الطريق، ومنعت المريض من بلوغ المستشفى، وضيعت على مسافرين موعد إقلاع الطائرة بالمطار، وأجبرت عمالا على البقاء في الطرقات بدل وصولهم إلى مناصب شغلهم.. لهذه الأسباب المباشرة، اهتمّ المواطن بهذه الحفرة الملعونة، مثلما يهتم بالحفر التي تصادفه هنا وهناك!

بين التضخيم والواقع المرّ، شعرة معاوية، وحتى إن تمّ أحيانا اتهام الصحافة بـ "كشف البازقة"، فإن المتهم الحقيقي هو من تورط في مثل كارثة الحفرة، باللامبالاة والتساهل. والسؤال المطروح على لسان خبراء وحتى مسؤولين غير معنيين: هل أجرت الجهة المخوّلة الخبرة اللازمة لتحليل الظاهرة ووضع النقاط على حروف ما حدث فجأة؟

نعم، إنها أيّ مشكلة بسرعة البرق، هو المطلوب والمرغوب، لكن شريطة ألا يُهدر الوقت والجُهد بحلول ترقيعية مستنسخة من خطط "الفاست فود"، فلا يُصحح ما يجب تصحيحه، فتتكرّر المأساة ويضيع وقت آخر في زمن آخر، وقديما قالوا: "ليس في كلّ مرّة تسلم الجرّة"، فقد يستر الله مرّة من حفرة، ومرات من هزات، لكن دواء الداء ليس في وصفة "يا ألـّي مزوّق على برّا واش حالك من الداخل"!

مشكل المشكل، أننا نتسرّع حتى في أكلنا ونومنا ومشيتنا، وعندما نتعثر أو نسقط بسبب قشرة موز، تسارع ألسنتنا جميعا إلى القول: "مكتوب.. قضاء وقدر"، كلمات نسمعها وحفظناها من كثرة ترديدها، ولا داعي هنا لإكثار الكلام والملام، فكلنا يُعايش عقلية "أحييني اليوم واقتلني غدوا"!

  • print